|
معنى التعريض في اللغة
الفرق بين التعريض والكناية :
الفرق بينهما : أن التعريض ضد التصريح : وهو إبهام
المقصود بما لم يوضع له لفظ حقيقة ولا مجازا ، وهو أن نضمن
كلامك ما يصلح للدلالة على المقصود وغير المقصود ، إلا أن
إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح كقول السائل للغني ، جئتك
لأسلم عليك ، يريد به الإشارة إلى طلب شيء منه ، وكقول
القائل للبخيل : ما أقبح البخل ! يعرض أن المخاطب بخيل .
قيل : وأصله من العرض للشيء الذي هو جانبه وناحية منه .
كأن المتكلم أمال الكلام إلى جانب يدل على الغرض . ويسمى :
التلويح أيضا ، لأنه يلوح منه ما يريده .
والكناية : الدلالة . على الشيء بغير لفظه الموضوع له ، بل
لوازمه ، كطويل النجاد : لطويل القامة ، وكثير الرماد :
للمضياف . ( اللغات )
التعريض : خلاف التصريح ، وهو الإيماء والتلويح ولا تبيين
فيه ، وهو كثير في الكلام ، وقد تقدم الفرق بينه وبين
الكناية . وعرضت لفلان وبفلان : إذا قلت قولا وأنت تعنيه .
ومنه ( المعاريض في الكلام ) وهي التورية عن الشيء بالشيء
، كما إذا سألت رجلا هل رأيت فلانا وقد رآه ويكره أن يكذب
فيقول إن فلانا ليرى ، فيجعل كلامه معراضا فرارا من الكذب
. ومنه المثل ( إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ) أي سعة
.
وفيه " الكناية " بالكسر وهي ما دل على معنى يجوز حمله على
جانبي الحقيقة والمجاز بوصف جامع بينهما ، ويكون في المفرد
والمركب ، وهي غير التعريض ، فإنه اللفظ الدال على معنى لا
من جهة الوضع الحقيقي أو المجازي بل من جهة التلويح
والإشارة ، فيختص باللفظ المركب كقول من يتوقع صلة : والله
إني لمحتاج " فإنه تعريض بالطلب .
التعريض : هو التلويح والإيهام على المقصود بما لم يوضع له
حقيقة ولا مجازا كقول السائل للغني جئتك لأسلم عليك ، يريد
به الإشارة إلى طلب شيء ، والكناية هي الدلالة على الشيء
بغير لفظه الموضوع له ، بل بلوازمه كطويل النجاد لطويل
القامة ، وكثير الرماد للمضياف ، والخِطبة - بالكسر - طلب
المرأة للتزويج ، فمضمونها نفي الحرج والإثم عن التعريض
بطلب المرأة في العدة بالتزويج بعدها ، مثل أن يقول لها
أنت جميلة ونافقة وصالحة للتزويج ، ونحوها من أوصافها ، أو
يذكر بعض أوصافه مثل أنا محتاج إلى التزويج وأنا من قريش
ونحوه .
حرمة التعريض بالآخرين
آية الله العظمى السيد محمد رضا الگلپايگاني المتوفى 1414
هـ :
وهو أحد المراجع الكبار الذين قضوا حياتهم في خدمة الدين
والمذهب حتى آخر حياته وهو على درجة كبيرة من الورع
والتقوى له مشاريع كثيرة وكبيرة في خدمة المؤمنين
والمؤمنات كما ترك تراثاً علمياً نافعاً ومؤسسات علمية لا
زالت إلى الآن تؤدي دورها .
قال في تقريرات درسه الدر المنضود ج 2 ص 136 .
الكلام في التعريض قال المحقق : ( وكل تعريض بما يكرهه
المواجه ولم يوضع للقذف لغة ولا عرفا يثبت به التعزير لا
الحد . . . )
أقول : إن التعريض على ما قالوا خلاف التصريح وهو الإيماء
والتلويح ولعل معناه الظاهر هو الكناية وكون الكلام موهما
.
قال صاحب الجواهر بعد عبارة المحقق : بلا خلاف أجده فيه
بيننا . ثم قال : نعم عن مالك أنه يجعله قذفا عند الغضب
دون الرضا انتهى .
وكأنه رحمه الله كانت له عناية بنقل ذلك عن مالك . وكيف
كان فعنده أن التعريض إذا كان عند الغضب فهو قذف وهذا الذي
ذكره لا بأس به ، وذلك لتحقق الدلالة العرفية عند إلقائه
في حال الغضب دون مقام الرضا .
قال في الجواهر توجيها لما ذكره مالك من كونه قذفا : يمكن
إرادته الدال منه عرفا على ذلك لا غيره مما لم يكن كذلك .
ثم قال : اللهم أن يقال : إن التعريض الذي نفوا الحد فيه
دال عرفا بدلالة التعريض إلا أنها غير معتبرة في ثبوت
القذف للأصل واعتبار التصريح في ما سمعته من الخبر وبناء
الحد على التخفيف وغير ذلك ، ومن هنا صرح في الرياض بعدم
اعتبار التعريض .
وفيه إنه قد تقدم عدم خصوصية للتصريح بمعناه اللغوي بل
كان يكفي مطلق الدلالة وإن كان بالظهور لا بالصراحة وحينئذ
فإذا كان التعريض دالا عرفا على نسبة الزنا مثلا إليه فكيف
يقال بعدم الحد بعد أن حكم الشارع كتابا وسنة مترتب على ما
يفهم من اللفظ أي القذف فإن خطابات الشرع منزلة على
المفاهيم العرفية وعلى الجملة فلو كانت الدلالة بالتأويل
والتوجيه فهو وأما إذا كان لفظ التعريض دالا عرفا فهو من
أقسام المصرح ويترتب عليه الحد .
وعلى هذا فيكفي في تحقق القذف الظهور العرفي ولا حاجة إلى
التصريح . وقد يتمسك لاعتبار التصريح برواية إسحاق بن عمار
عن جعفر عليه السلام : إن عليا عليه السلام كان يعزر في
الهجاء ولا يجلد الحد إلا في الفرية المصرحة أن يقول : يا
زان أو يا بن الزانية ، أو لست لأبيك .
وفيه أنه مع التصريح باعتبار الفرية المصرحة فقد مثل عليه
السلام بقوله : لست لأبيك ، مع أنه ليس بصريح في الزنا بل
هو ظاهر فيه لاستعماله في ولد الشبهة أيضا وعلى هذا
فالموارد التي نفى الإمام عليه السلام الحد فيها لم يكن
فيها ظهور عرفي . إن قلت : إن النسب التعريضية مثل قوله
القائل : لست بحمد الله بزان أيضا ظاهر في نسبة المخاطب
مثلا إلى الزنا .
نقول : ليس لهذا التركيب ظهور عرفي في ذلك كما أن قولنا :
أنت لا تأكل أموال الناس ، لا يدل على أننا نأكل أموال
الناس . ثم إن المستفاد من عبارة المحقق هو أن الملاك في
التعريض الموجب للتعزير هو كونه بما يكرهه المواجه .
وفيه إنه لا خصوصية للمواجه فربما لا يكون النسبة متوجهة
إليه بل النسبة متوجهة إلى شخص آخر لا تعلق له بالمواجه به
أو أنه وإن كانت بينهما علقة وقرابة لكنها لا توجب كراهية
المواجه فهل يمكن أن يقال : إنه ليس بتعريض أو أنه لا يوجب
التعزير استنادا إلى عدم إيجابه كراهية المواجه ؟
وعلى الجملة فلم يتعرض بحسب ظاهر كلامه لما يكرهه المنسوب
إليه لو سمعه مع أنه أيضا كالأول ولا خصوصية له . بل لعل
ذلك خلاف المستفاد من الروايات ، فإن الظاهر منها أن مطلق
السب والهجاء وما يوجب كراهية من قيل فيه يقتضي تعزيره
وإليك قسما من الروايات الدالة على أن السب مطلقا أو
الهجاء للمؤمن حرام وفسوق أو أنه يوجب التعزير وقد ذكر قسم
منها في أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج وقسم آخر منها في
أبواب القذف :
فمنها عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وآله : ( سباب المؤمن فسوق وقتاله
كفر وأكل لحمه معصية وحرمة ماله كحرمة دمه )
وعن معلى بن خنيس عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
سمعته يقول : قال الله عز وجل : ( ليأذن بحرب مني من أذل
عبدي المؤمن وليأمن من غضبي من أكرم عبدي المؤمن )
وهذه الروايات تدل على الحرمة وأما ما دل على التعزير
أيضا : ففي صحيح عبد الرحمان بن أبي عبد الله قال : سألت
أبا عبد الله عليه السلام عـن رجل سب رجلا بغير قذف يعرض
به هل يجـلد ؟ قال : ( عليه تعزير )
وعن جراح المدائني عن أبي عبد الله عليه السلام قال : (
إذا قال الرجل : أنت خبيث ( خنث ) أو أنت خنزير فليس فيه
حد ولكن فيه موعظة وبعض العقوبة )
وعن أبي مخلد السراج عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل دعا آخر : ابن
المجنون ، فقال له الآخر : أنت ابن المجنون فأمر الأول أن
يجلد صاحبه عشرين جلدة وقال : ( اعلم أنه مستعقب مثلها
عشرين ) فلما جلده أعطى المجلود السوط فجلده عشرين نكالا
ينكل بهما )
وعن النعمان بن عبد السلام عن أبي حنيفة قال : سألت أبا
عبد الله عليه السلام عن رجل قال لآخر : يا فاسق ، قال : (
لا حد عليه ويعزر )
وعن أبي مريم عن أبي جعفر عليه السلام قال : قضى أمير
المؤمنين عليه السلام في الهجاء التعزير .
وعن إسحاق بن عمار عن جعفر عليه السلام : إن عليا عليه
السلام كان يعزر في الهجاء ولا يجلد الحد إلا في الفرية
المصرحة أن يقول : يا زان ، أو يا ابن الزانية أو لست
لأبيك
. وفي قرب الاسناد عن جعفر بن محمد عن أبيه في رجل قال
لرجل : يا شارب الخمر يا آكل الخنزير قال : ( لا حد عليه
ولكن يضرب أسواطا )
وعن عبد الله بن سنان قال : سألت أبا عبد الله عليه
السلام عن رجلين افترى كل واحد منهما على صاحبه ؟ فقال : (
يدرأ عنهما الحد ويعزران )
وعن أبي ولاد الحناط قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام
يقول : أتى أمير المؤمنين عليه السلام برجلين قذف كل واحد
منهما صاحبه بالزنا في بدنه ، قال : فدرأ عنهما الحد
وعزرهما .
إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على المقصود وسيأتي بعض
آخر منها في طي الأبحاث وعلى الجملة فلا شك في أن إيذاء
المؤمن من المعاصي الكبيرة ولا في أن سبه أو تعريضه موجب
لإيذائه وهو موجب للتعزير فإذا سب مؤمنا فإنه يعزر على ذلك
سواء كان سبه له بالمواجهة أو في غيابه .
نعم لو اغتابه بلا سب فربما يكفره مجرد الاستحلال منه بلا
حاجة إلى التعزير إلا أن يثبت في محله وجوب التعزير لكل
كبيرة ولا أقل من إثبات وجوبه للغيبة . وأما وجوب التعزير
لسب المؤمن إذا لم يكن مقرونا بالقذف فهو المصرح به في هذه
الروايات
.
أسباب التعزير
وقد اتضح أن الأخبار متعرضة للتعزير في موارد وعند حصول
عناوين مختلفة :
أحدها : السب كما في رواية عبد الرحمان بن أبى عبد الله
المذكورة آنفا .
ثانيها وثالثها : قول يا خبيث ، أو يا خنث أو يا خنزير كما
في رواية المدائني .
رابعها : قول : يا ابن المجنون كما في رواية السراج .
خامسها قول : يا فاسق كما في رواية أبي حنيفة .
سادسها : الهجاء كما في رواية أبي مريم ورواية إسحاق بن
عمار .
سابعها وثامنها قول : يا شارب الخمر ، يا آكل الخنزير كما
في رواية قرب الاسناد .
تاسعها : افتراء كل منهما الآخر كما في رواية عبد الله بن
سنان .
عاشرها : قذف كل منهما الآخر كما في رواية الحناط . لكن لا
يخفى أن التعزير هنا مخصوص بما إذا كان قذف كل بالنسبة إلى
صاحبه .
وأما إذا كان بالنسبة إلى والد الآخر أو والدته كما إذا
قال : يا بن الزاني أو يا بن الزانية فهنا لكل من
المقذوفين أن يطالب حد القاذف فدرء الحد ، مخصوص بما إذا
قال كل للآخر : يا زاني مثلا .
وهنا روايات مشتملة على عناوين أخر في هذا المقام فنقول :
حادي عشرها وثاني عشرها : لا أب لك ولا أم لك ففي رواية
مسعدة بن صدقة عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام قال :
من قال لصاحبه : لا أب لك ولا أم لك يتصدق بشي ومن قال :
لا وأبي فليقل أشهد أن لا إله إلا الله فإنها كفارة لقوله
.
أقول : الظاهر أن المراد بقوله : لا أب ولا أم لك هو أنه
ليس لك أب وأم وجيهان لا أن يكون المقصود كونه من الزنا .
ثالث عشرها : إحتلمت بأمك أي رأيتها في المنام وحصل لي
الاحتلام بها .
كما في رواية حسين بن أبي العلا عن أبي عبد الله عليه
السلام قال : إن رجلا لقي رجلا على عهد أمير المؤمنين عليه
السلام فقال : إن هذا افترى علي قال : وما قال لك ؟ قال :
إنه احتلم بأم الآخر قال : ( إن في العدل إن شئت جلدت ظله
فإن الحلم إنما هو مثل الظل ولكنا سنوجعه ضربا وجيعا حتى
لا يؤذي المسلمين ) فضربه ضربا وجيعا .
وعن محمد بن علي بن الحسين بإسناده إلى قضايا أمير
المؤمنين عليه السلام : إن رجلا قال له : إن هذا زعم أنه
احتلم بأمي فقال : ( إن الحلم بمنزلة الظل فإن شئت جلدت لك
ظله ثم قال : لكني اؤدبه لئلا يعود يؤذي المسلمين )
رابع عشرها : قول الرجل لامرأته : لم أجدك عذراء كما في
روايات عديدة وسيأتي الكلام فيه .
حرمة إيذاء المسلمين
والتعزير لمن يفتري على أهل الذمة وأهل الكتاب
خامس عشرها :
الإيذاء : وهو الكلي الجامع الذي يشمل الموارد المذكورة
ويجمعها وهذا العنوان مذكور في هاتين : رواية حسين بن أبي
العلا ورواية قضايا أمير المؤمنين عليه السلام ، ففي
الأولى حتى لا يؤذي المسلمين ، وفي الأخيرة : لئلا يعود
يؤذي المسلمين .
ثم إن في بعض الروايات تعزير من افترى على أهل الذمة وأهل
الكتاب ، وعليه فمن العناوين : الافتراء عليهم .
فعن إسماعيل بن الفضل قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام
عن الافتراء على أهل الذمة وأهل الكتاب هل يجلد المسلم
الحد في الافتراء عليهم ؟ قال : ( لا ولكن يعزر )
ثم إن مقتضى التعليل الوارد في رواية حسين بن أبي العلا
ورواية القضايا هو أن الملاك الكلي الإيذاء ومن المعلوم أن
إيذاء المسلم حرام يوجب التعزير سواء كان لفظيا أم فعليا
وسواء كان بالنسبة إلى المواجه أو الغائب إذا كان هناك
مخاطب وإن لم يكن النسبة إليه ولا إلى من يلوذ به بل إلى
أجنبي عنه .
نعم هو منصرف عما إذا قال في حق أحد كلمة سوء ولم يكن
هناك أحد يستمعه وإنما ذكر ذلك وتفوه بها تحت لحافه مثلا .
ثم إنه بعد ما استفدنا أن الملاك الكلي هو استخفاف المؤمن
وإيذائه فالظاهر أنه لا اختصاص بتلك الكلمات الواردة في
الروايات فدقق النظر في رواية حسين بن أبي العلا تجد أنه
لا خصوصية للرؤيا في المنام ولا للتفوه بتلك الكلمة الخاصة
أي احتلمت بأمك بل تمام المعيار هو إيذاء المسلم وعليه
فالأمثلة الواردة في الروايات كانت من باب المثال لا
لخصوصية فيها فلذا لو قال له : يا آكل الربا أو يا آكل
الدم أو الميتة وغير ذلك فالأمر كما ذكر .
قال المحقق الاردبيلي عند قول العلامة في الإرشاد : وكل
تعريض بما يكرهه المواجه يوجب التعزير كأنت ولد حرام . . .
:
والظاهر أن كل ما يؤذي المسلم بغير حق بل كل ذنب غير موجب
للحد موجب للتعزير وليس بمخصوص بالخطاب إلى مواجه بما
يكرهه كما يفهم من تضاعيف الأبحاث ولأنه لا خصوصية له
بالمخاطب بل باللفظ والكلام أيضا بل سببه كونه معصية وذنبا
فيؤخذ أينما وجد ، وأما الدليل على الكلية فلا يكاد أن
يوجد ما يكون نصا فيه نعم قد يوجد في الأخبار ما يمكن فهمه
منها وقد مر بعضها مثل صحيحة عبد الله بن سنان قال : سألت
أبا عبد الله عليه السلام .... إلخ فراجع .
وقد ذكر العلماء رضوان الله تعالى عليهم أمثلة كثيرة ينطبق
على كثير :
منها : السّب أو ما يؤذي المؤمن من جهة دلالتها على فعل
المحرم أو على ما هو وهن وتحقير له مثل يا خبيث ويا وضيع .
وقد مثل المحقق قدس سره لذلك بقوله : أنت ولد حرام ، أو
حملت بك أمك في حيضها أو يقول لزوجته لم أجدك عذراء أو
يقول : يا فاسق أو يا شارب الخمر ونحو ذلك وهو متظاهر
بالفسق ، أو يا خنزير أو يا كلب أو يا حقير أو يا وضيع فإن
الجملة الأولى ليست صريحة ولا ظاهرة في الزنا لاستعماله في
غير هذا المعنى أيضا كالحمل في حال الحيض أو الصوم أو
الإحرام .
والجملة الثانية صريحة في معنى آخر غير ما هو ملاك القذف
لكنها نسبة توجب الاستخفاف والفضيحة .
والجملة الثالثة أيضا ليست صريحة في نسبة الزنا إليها ولا
ظاهرة في ذلك فإن العذرة قد تزول بأسباب أخر غير المجامعة
كما صرح بذلك في مرسلة الصدوق : إن العذرة قد تسقط من غير
جماع قد تذهب بالنكبة والعثرة والسقطة .
ويدل على لزوم التعزير في خصوص هذا القول رواية يونس عن
أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال : في رجل قـال
لامرأته : لم أجدكِ عذراء قـال : ( يضرب ) قلت : فإن عاد
قال : ( يضرب فإنه يوشك أن ينتهي )
قال الشيخ المحدث الحر العاملي بعد نقل هذا الخبر : ورواه
الكليني عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن عبيد عن
يونس . . . وزاد : قال يونس : يضرب ضرب أدب ليس يضرب الحد
لئلا يؤذي امرأة مؤمنة بالتعريض .
وأما باقي الألفاظ الذي ذكره المحقق قدس سره فقد صرح
ببعضها في الروايات المتقدمة كرواية المدائني والسراج .
مضافا إلى أن نسبة الفسق أو فسق خاص إلى المسلم يوجب
إيذاءه وهو يوجب التعزير .
نعم هذا مخصوص بمن يواظب على الستر والإخفاء ويأبى عن
التجاهر بالفسق فلو كان متجاهرا بالفسق فلا بأس برميه به
وهو مستحق لذلك ولا تعزير عليه.
هل كل ما يؤذي المسلم حرام ؟
ثم إنه بعد أن ثبت أن إيذاء المسلم حرام قطعا وبلا ترديد
يأتي هنا سؤال وهو أنه هل يمكن الحكم بحرمة كل ما يتأذى
منه المسلم وإن كان تأذيه على خلاف القاعدة لكونه بنفسه
خلاف المتعارف وكان له شذوذ وحالات خاصة ؟ .
الظاهر خلاف ذلك وأن المعيار هو تأذيه المناسب بحيث كان
عند متعارف الناس في موضعه ويحكم العرف بأنه كان حقيقا بأن
يتأذى لا ما إذا كان يتأذى لكونه كثير التوقع سريع التأثر
ينتظر من الناس مالا يطيقونه ويتوقع منهم مالا يتحمله
المجتمع في محاوراتهم ومراوداتهم . ومنه قد اتضح حال فرع
آخر وهو أن بعض الناس يتأذون بمدحهم وبالكلمة الحسنة التي
يقال فيهم فإنه لا مجال للحكم بالحرمة والتعزير هنا .
وعلى الجملة فالمعيار هو ما كان متعارفا فإيذاءه بهذا
النحو وإلقاء كلمة إليه توجب ذلك يوجب التعزير .
وأما أن كل كبيرة أو كل معصية يوجب التعزير أم لا فهو
يحتاج إلى مزيد التتبع ومراجعة الادلة وسيأتي البحث عن ذلك
إنشاء الله تعالى .
إذا كان المقول له مستحقا فلا شيء على من عرضه
قال المحقق : ولو كان المقول له مستحقا للاستخفاف فلا حد
ولا تعزير . وفي الجواهر في بيان وجه استحقاق الاستخفاف
وموجبه : لكفر أو ابتداع أو تجاهر بفسق .
وحاصل الكلام أنه لو كان الرامي كافرا أو مبتدعا في الدين
أو متجاهرا بالمعصية فهو مستحق للاستخفاف والإهانة به ولا
بأس بذلك .
وقال عند قول المحقق : فلا حد ولا تعزير ، : بلا خلاف بل
عن الغنية الإجماع عليه بل وإشكال بل يترتب له الأجر على
ذلك .
[ حرمة قذف المسلم وحرمة البهتان لغير المسلم ]
أقول : أما الكافر فهو وإن كان يدل على جواز قذفه بعض
الروايات إلا أن في بعضها الآخر ما يخالف ذلك فعن عبد الله
بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام إنه نهى عن قذف من
ليس على الإسلام إلا أن يطلع على ذلك منهم وقال : أيسر ما
يكون أن يكون قد كذب .
وعن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام : أنه نهى عن قذف
من كان على غير الإسلام إلا أن تكون قد اطلعت على ذلك منه
.
فمقتضى هـاتين الروايتين أن قذف غير المسلم منهي عنه مع
عدم إطلاع على فعله وأما مع الاطلاع فلا بأس به .
وعليه فالفرق بين المسلم والكافر في أنه لا يجوز القذف
بالنسبة إلى المسلم مطلقا صادقا أو كاذبا وأما بالنسبة إلى
كافر فلا يجوز بدون الإطلاع أي كاذبا وأما صادقا كما إذا
كان قد رأى ذلك منه فلا بأس به ، ومع ذلك فلا تعرض فيهما
للتعزير وعدمه .
وعن أبي الحسن الحذاء قال : كنت عند أبي عبد الله عليه
السلام فسألني رجل ما فعل غريمك ؟
قلت : ذاك ابن الفاعلة فنظر إلي أبو عبد الله عليه السلام
نظرا شديدا قال : فقلت : جعلت فداك إنه مجوسي أمه أخته
فقال : ( أو ليس ذلك في دينهم نكاحا ؟ )
وهنا أيضا وإن لم يكن تعرض بالنسبة إلى الحد أو التعزير
إلا أنه ظاهر في الحرمة والمعصية .
وعن غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه قال : جاءت امرأة
إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت : يا رسول الله
إني قلت لأمتي : يا زانية .
فقال : ( هل رأيت عليها زنا ؟ )
فقالت : لا .
فقال : ( أما إنها ستقاد منك يوم القيامة ) فرجعت إلى
أمتها فأعطتها سوطا ثم قالت : اجلديني فأبت الأمة فأعتقتها
ثم أتت إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته .
فقال : ( عسى أن يكون به )
ويستظهر من هذا ترتب الحد أو التعزير مضافا إلى الحرمة ،
كما يستفاد منه أيضا أنه لو عفى صاحب الحق فلا بأس به
ويسقط بذلك الحد .
لا يقال : إنه يستفاد منه أيضا أن أمر الحد أو التعزير
يكون بيد غير الحاكم أيضا .
لأنه يقال : لا دلالة له على ذلك لأنه وقع الأمر وتحقق
تحت نظر النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وبإمضائه
صلوات الله عليه .
وكيف كان ليس المقصود من جواز قذف الكفار جوازه على
الإطلاق بل في الجملة فإن الأخبار على طوائف مختلفة ،
وسيأتي كلام آخر في ذلك - في البحث عن المقذوف فانتظر .
هذا بالنسبة إلى الكافر .
وأما المبتدع فيجوز ذكره بسوء لأنه مستحق للاستخفاف ففي
رواية داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( إذا رأيتم أهل الريب
والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبهم
والقول فيهم والوقيعة وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في
الإسلام - ويحذرهم الناس - ولا يتعلمون من بدعهم يكتب الله
لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة )
ترى أنه قد جوز بمقتضاها البهتان والافتراء عليهم وحيث إن
الكذب غير جائز فلا بد من القول بأنه قد جوز الكذب هنا
للمصلحة وهي سقوط اعتبار المبتدع وكسر جاهه في أنظار الناس
كيلا يميلوا إليه فيضلوا به وإلا فالبهتان والكذب ليسا
بجائزين .
وأما المتجاهر بالفسق فجواز إهانته مما نص عليه في
الأخبار .
ففي رواية هارون بن الجهم عن الصادق جعفر بن محمد عليهما
السلام : قال : ( إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا
غيبة )
وعن قرب الاسناد عن أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه
قال : ( ثلاثة ليس لهم حرمة : صاحب هوى مبتدع والإمام
الجائر والفاسق المعلن بالفسق )
نعم غيبته في غير ما تجاهر به من المعاصي مشكل فيقتصر في
غيبته على المعصية المتجاهر بها .
فتحصل أن التعريض ونسبة السوء إلى الأشخاص يوجب التعزير إن
حصل شرائط التعريض لا مع عدمه وهو في مورد الكافر الرؤية
والإطلاع على ما رأيت في بعض الأخبار الماضية
وفي مورد الفساق الفسق المتجاهر بها وفي غيرهما البدعة في
الدين .
ثم لا يخفى أن المحقق رحمه الله نفى في هذا المقام كلا من
الحد والتعزير فقال :
لا حد ولا تعزير ، وقال في البحث عن المقذوف وعند اشتراطه
فيه البلوغ وكمال العقل والحرية والإسلام والعفة : فمن
استكملها وجب لقذفه الحد ومن فقدها أو بعضها فلا حد وفيه
التعزير .. انتهى .
فحيث إنه صرح بلزوم تعزير القاذف إذا قذف الكافر مثلا فلا
بد أن يكون قوله في المقام : فلا حد ولا تعزير .. متعلقا
ومربوطا بالتعريض وعليه فمعنى الكلام أن التعريض الذي لو
كان بالنسبة إلى المسلم لكان موجبا للتعزير فلا يوجب ذلك
إذا كان بالنسبة إلى الكافر فلا تعزير هنا كما لا حد
.
- الفروق اللغوية- أبو هلال العسكري ص 127 رقم
500 .
مجمع البحرين - الشيخ الطريحي ج 3 ص 154 .
مجمع البحرين - الشيخ الطريحي ج 4 ص 78 .
زبدة البيان- المحقق الأردبيلي ص 561 .
في مجمع البحرين : الكناية بالكسر وهي ما دل على
معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز بوصف
جامع بينهما ويكون في المفرد والمركب وهي غير
التعريض فإنه اللفظ الدال على معنى لا من جهة
الوضع الحقيقي أو المجازي بل من جهة التلويح
والإشارة فيختص باللفظ المركب كقول من يتوقع صلة :
والله إني لمحتاج ، فإنه تعريض بالطلب انتهى .
در المنضود - السيد الگلپايگاني ج 2 ص 138 .
در المنضود - السيد الگلپايگاني ج 2 ص 141 .
در المنضود – للسيد محمد رضا الگلپايگاني ج 2 ص
142 .
بحار الأنوار ج 2 ص 234 و 262 ، وفي السفينة في
رواية الطبرسي قال بعد قوله : فساء صباح المنذرين
: يا عباد الطواغيت اخسأوا أخساكم الله فصاحوا
يمينا وشمالا : يا أبا القاسم ما كنت فحاشا فما
بدالك ؟ قال الصادق عليه السلام : فسقطت العنزة من
يده وسقط رداؤه من خلفه ورجع يمشي إلى ورائه حياءا
مما قال لهم .
در المنضود - السيد الگلپايگاني ج 2 ص 145 .
در المنضود - السيد الگلپايگاني ج 2 ص 145 .
أقول : محل البحث هنا غير منقح وذلك لأن الظاهر
بمناسبة المطالب السابقة هو ألقاء الألفاظ
والعناوين الموهنة إلا أن نفي الحد في كلام المحقق
ينافي ذلك ولذا قال في المسالك : ويظهر من قوله :
فلا حد ولا تعزير أن بعض المذكورات يوجب الحد والا
لما كان لنفيه فائدة وليس كذلك لأنها في جميعها
يوجب التعزير إلا أن يريد بنفي الحد في حقه على
تقدير قذفه بالزنا مع تظاهره به فإن القذف مما
يوجب الحد في غيره ولكن سيأتي أنه يوجب التعزير
والأولى ترك الحد ، والاقتصار على نفي هذا التعزير
كما صنع في القواعد انتهى .
در المنضود - السيد الگلپايگاني ج 2 ص 147 .
قال الشيخ علي الجهرمي المقرر لبحث السيد
الكلبيكاني : كأنه دام ظله العالي كان قاطعا بأن
قوله عليه السلام : باهتوهم بمعنى البهتان والحال
أنه محل البحث فإنه أن : بهته بهتا أي أخذه بغتة .
وقال العلامة المجلسي قدس سره في
مرآة العقول ج 11 ص 81 بشرح الخبر : والظاهر أن
المراد بالمباهتة إلزامهم بالحجج القاطعة وجعلهم
متحيرين لا يحيرون جوابا كما قال تعالى : فبهت
الذي كفر ، ويحتمل أن يكون من البهتان للمصلحة فإن
كثيرا من المساوي يعدها أكثر الناس محاسن خصوصا
العقائد الباطلة والأول أظهر قال الجوهري : بهته
بهتا أخذه بغتة وبهت الرجل بالكسر إذا دهش وتحير
إلخ .
وقال في رسالته الفارسية الموسومة ب
حدود وقصاص وديات ص 28 : عند ذكر الرواية :
وبرايشان حجت تمام كنيد تاايشان طغيان نكنند در
فاسد كردن دين اسلام .
كذبا لحرمته وإمكان الوقيعة فيه من دونه إلخ .وعن
الغنية الإجماع عليه .
|