1422هـ

1423هـ

1424هـ

1425هـ

1426هـ

1427هـ

1428هـ

1429هـ

1430 هـ

1431 هـ

 

 

 من صفات عباد الرحمن (2) - التقوى - 1

23

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى : {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} الفرقان / 63

هذه الآية ضمن آيات عديدة تتحدث عن صفات عباد الرحمن ( صفات المؤمنين ) وقبل الدخول في الموضوع ينبغي أن نقدم مقدمة لذلك ضمن نقاط :

الأولى : هذه الآيات من سورة الفرقان وسميت هذه السورة بهذا الاسم لأنها تفرق بين الحق والباطل ويتمكن الإنسان أن يميز ذلك حيث قال تعالى في بداية السورة : {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } الفرقان /1

والفرقان هي الآيات المحكمة من القرآن وسميت بذلك فلأجل وضوحها تبين الحق من الباطل وتميز بينهما .

والعمدة في التمييز بعد الإحاطة والمعرفة التامة بالموضوع هي تقوى الله سبحانه قال تعالى : {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} الأنفال/29

فالتقوى تكون فرقاناً ودليلاً وهادياً لطريق الحق وتكشف له الحقائق التي كانت ملتبسة عليه .

الثانية : أن السورة المباركة تتحدث عن ثلاث محاور :

المحور الأول : دحض مزاعم المشركين التي كانوا يثيرونها ضد الأنبياء والمرسلين في حال دعوتهم واتهامهم بالكذب والسحر والشعوذة والأساطير وتشويه سمعتهم وإسقاطهم من منازلهم الاجتماعية – كما يفعله بعض أبناء زماننا مع بعض العلماء - وفيما يرجع إلى نبينا العظيم صلى الله عليه وآله اتهموه بأنه ساحر وكذاب وأن ما يقوله لا يتعدى كونها خرافات تلقاها من أهل الكتاب ، وفي هذا المحور يجيب المولى سبحانه عن تلك الشبهة والتشكيكات والتسقيطات ، ويذكرهم بما حل بالأمم الماضية الذين خالفوا أنبيائهم وناهضوهم وحاربوهم حتى نزل على تلك الأقوام العذاب ، وهذا المحور يشكل مفاد ( لا إله ) .

المحور الثاني : يتحدث عن عظمة الله في الكون وأن كل شيء في الكون مرتبط بقدرة الله ودال على عظمته وقد تحدث عن الكواكب السيارة  في عالم الوجود وعن الشمس والقمر وهذا المحور يحدد مفاد ( إلا الله ) فهذان المحوران يترجمان كلمة التوحيد ( لا إله إلا الله ) . وهذان المحوران يحتاج بحثهما إلى وقت آخر .

المحور الثالث : والذي نحن بصدد البحث فيه ، تحدثت السورة عن ( صفات عباد الرحمن ) وهي قرابة 12 أو 13 صفة  ، كما أن الحديث عن هذه الصفات مرتبطة بإشكالية نفرت المشركين

كما أنها تنقسم إلى : أ- صفات اعتقادية . ب- صفات أخلاقية . ج- صفات اجتماعية سواء أكانت فردية أو جماعية .

صفات عباد الرحمن :

( التواضع ) :

الحديث عن صفات عباد الرحمن يشكل المحور الثالث المختصر من السورة وعُبّر عنها بصفات عباد الرحمن لأنها مرتبطة بالآيات التي تتحدث عن تمرد المشركين على السجود لله ورد جواب الله قال تعالى في تقرير ذلك {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا }[1] . وبالرغم من الاستهزاء الذي مارسه المشركون عندما دعو للسجود لله ورفضوا واستهزئوا وتساءلوا وما الرحمن ؟ ! ولكن المولى سبحانه أجابهم بجواب جدي واضح وعرف لهم الرحمن من زاويتين :

1-    وصف الرحمن بالقادر المتصرف بالكون وجعل في السماء الشمس والقمر والنجوم وجعل الشمس مشعة بنفسها والقمر مضيئاً بالشمس  فقال : { تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا} 61 / الفرقان .

2-    وصفه بالقادر المتصرف بالكون ومنها تبديل الليل بالنهار وبالعكس فقال : {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} 62/ الفرقان .

فالرحمن الذي أمرتم بالسجود له هو القادر القاهر الجبار الذي جعل في السماء بروجاً متناسقة منتظمة وكل في فلك يسبحون وهو الذي يقلب القلوب والأبصار ويكور الليل على النهار ، ويكور النهار على الليل سبحانه وتعالى .

الصفة الأولى : التواضع وعدم التكبر .

بعد أن عرفنا بعض صفات الرحمن وبعض قدراته نأتي لنتعرف على صفات عباد الرحمن الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه .

 قال تعالى : {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا }[2] . الآية تتحدث عن صفتين أخلاقيتين من صفات عباد الرحمن ونحن الآن بصدد الصفة الأولى وهي التواضع وعدم التكبر { الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا } كناية عن التواضع .

الْهَوَانُ على وجهين :

أحدهما: تذلّل الإنسان في نفسه لما لا يلحق به غضاضة، فيمدح به نحو قوله: { وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً } و نحو ما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم : «المؤمن هَيِّنٌ ليّن» «[3]».

وعَنْ الإمام عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله : ( الْمُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ سَمْحٌ لَهُ خُلُقٌ حَسَنٌ وَ الْكَافِرُ فَظٌّ غَلِيظٌ لَهُ خُلُقٌ سَيِّئٌ وَ فِيهِ جَبْرِيَّةٌ ) [4]

الثاني : أن يكون من جهة متسلّط مستخفّ به‏ فيذمّ به.

و على الثاني قوله تعالى: { الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ‏ }[5] ، { فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ }[6] ، { وَ لِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ‏ }[7] ، { وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ }[8] ، { فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ }[9] ، { وَ مَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ‏ }[10] .

و يقال: هانَ الأمْرُ على فلان : سهل . قال اللّه تعالى: { هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ }[11] ، { وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ‏ }[12] ، { وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً }[13] .[14]

وما يهمنا هنا هو القسم الأول وهو أنهم في حالة المشي يمشون على هونهم بدون تكبر وتبختر .

وقد تعرض القرآن الكريم في أكثر من آية حول المشي الذي يمثل التواضع والتذلل لله وللرسول وللوالدين والمؤمنين بل والتواضع لعامة الناس فإنه من معالي مكارم الأخلاق ونهى عن المشي الذي يمثل جانب التكبر والغرور والغطرسة قال تعالى : { وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً } الإسراء /37 .

المرح : على وزن فرح ، و هي تعني الفرح الشديد قبال موضوع باطل لا أساس له . فعلى ما هذا الفرح الشديد الذي هو في غير موضعه وفي مثل هذه الحالة قد يضرب المتكبر المغرور برجله الأرض عند مشيه فيقول له المولى إنك بهذه الضربة لن تخرق قشرة الأرض ولو رفعت رأسك تكبراً فإنك لن تطاول الجبال الشاهقة فلماذا هذا التكبر.

وقال لقمان لابنه وهو يعضه في ضمن وصاياه القرآنية  : {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} أي لا تمل وجهك عن الناس تكبراً في حال حديثهم لك بل عليك أن تصغي لهم في حال حديثهم ولا تلوي عنهم رقبتك ، والتصعير داء يصيب الإبل حتى تلوي عنقها وقال له {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} لقمان / (18-19) .

فينهاه عن المشي الذي يؤدي إلى التكبر والخيلاء والغرور ويأمره أن يكون مشيه التواضع والسكينة والوقار .

«تصعّر» : من مادّة ( صعّر ) ، و هي في الأصل مرض يصيب البعير فيؤدّي إلى اعوجاج رقبته .

و «المرح» : يعني الغرور و البطر الناشئ من النعمة .

و «المختال» : من مادّة ( الخيال ) و ( الخيلاء ) ، و تعني الشخص الذي يرى نفسه عظيما و كبيرا ، نتيجة سلسلة من التخيّلات و الأوهام .

و «الفخور» : من مادّة ( الفخر ) و يعني الشخص الذي يفتخر على الآخرين.

و الفرق بين كلمتي المختال و الفخور ، أنّ الأولى إشارة إلى التخيّلات الذهنيّة للكبر و العظمة ، أمّا الثّانية فهي تشير إلى أعمال التكبّر الخارجي .

و على هذا ، فإنّ لقمان الحكيم يشير هنا إلى صفتين مذمومتين جدّا و أساس توهين و قطع الروابط الاجتماعية الصميميّة : إحداهما التكبّر و عدم الاهتمام بالآخرين ، و الأخرى الغرور و العجب بالنفس ، و هما مشتركتان من جهة دفع الإنسان إلى عالم من التوهّم و الخيال و نظرة التفوّق على الآخرين ، و إسقاطه في هذه الهاوية ، و بالتالي تقطعان علاقته بالآخرين و تعزلانه عنهم ، خاصّة و أنّه بملاحظة الأصل اللغوي لـ «صعّر» سيتّضح أنّ مثل هذه الصفات مرض نفسي و أخلاقي ، و نوع من الانحراف في التشخيص و التفكير ، و إلّا فإنّ الإنسان السالم من الناحية الروحية و النفسية لا يبتلى مطلقا بمثل هذه الظنون و التخيّلات .

و لا يخفى أنّ مراد لقمان لم يكن مسألة الإعراض عن الناس ، أو المشي بغرور و حسب ، بل المراد محاربة كلّ مظاهر التكبّر و الغرور ، و لمّا كانت هذه الصفات تظهر في طليعة الحركات العاديّة اليوميّة ، فإنّه وضع إصبعه على مثل هذه المظاهر الخاصّة .

ثمّ بيّن في الآية التالية أمرين و سلوكين أخلاقيين إيجابيّين في مقابل النهيين عن سلوكين سلبيين في الآية السابقة فيقول : ابتغ الاعتدال في مشيك : وَ اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ و ابتغ الاعتدال كذلك في كلامك و لا ترفع صوتك عاليا وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ . [15]

معنى التواضع :  

هو أن يكون عند الإنسان ملكة نفسية يتمكن بها أن يسيطر على تصرفاته مع الآخرين ويشعر أن الآخرين أفضل منه ولو تنزيلاً وهذا هو الجهاد الأكبر ، وبهذا يقدم الآخرين على نفسه فيحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه ويبرز على ملامح وجه العدل والإنصاف بل والإيثار إنها فلسفة مكارم الأخلاق والتي يقول فيها الإمام السجاد عليه السلام في دعاء مكارم الأخلاق :

( اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ ، وَ لَا تَرْفَعْنِي فِي النَّاسِ دَرَجَةً إِلَّا حَطَطْتَنِي عِنْدَ نَفْسِي مِثْلَهَا ، وَ لَا تُحْدِثْ لِي عِزّاً ظَاهِراً إِلَّا أَحْدَثْتَ لِي ذِلَّةً بَاطِنَةً عِنْدَ نَفْسِي بِقَدَرِهَا )[16]  فالمتواضع هو الذي يسيطر على نفسه ويتحكم فيها ويلجمها بلجام الذلة النفسية التي لا يستطيل بها على الآخرين ولا يفتخر عليهم بل يرى هو أقل منهم حتى وإن لم يبرز ذلك لهم . والرواية التالية توضح لنا هذا المطلب أكثر

فعَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْجَهْمِ: عَنْ أَبِي الْحَسَنِ «[17]» عليه السلام قَالَ «[18]»: قَالَ: « التَّوَاضُعُ أَنْ تُعْطِيَ «[19]» النَّاسَ مَا تُحِبُّ أَنْ تُعْطَاهُ «[20]» . «[21]»

 وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ «[22]» : قُلْتُ : مَا حَدُّ التَّوَاضُعِ الَّذِي إِذَا فَعَلَهُ الْعَبْدُ ، كَانَ مُتَوَاضِعاً ؟

فَقَالَ : « التَّوَاضُعُ دَرَجَاتٌ ، مِنْهَا أَنْ يَعْرِفَ الْمَرْءُ قَدْرَ نَفْسِهِ، فَيُنْزِلَهَا «[23]» مَنْزِلَتَهَا «[24]» بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، لَا يُحِبُّ أَنْ يَأْتِيَ «[25]» إِلى‏ أَحَدٍ إِلَّا مِثْلَ مَا يُؤْتى‏ إِلَيْهِ ، إِنْ رَأى‏ سَيِّئَةً دَرَأَهَا «[26]» بِالْحَسَنَةِ ، كَاظِمُ الْغَيْظِ ، عَافٍ عَنِ النَّاسِ ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ». «[27]» . هذه مكارم الأخلاق التي يقدم الآخرين على نفسه بل ويصبر على أذاهم ويعفو عن سيئاتهم ويتجاوز عن خطاياهم .

أهمية التواضع  :

نحن إذا ما تتبعنا موارد أهمية التواضع في الحياة الدنيوية والأخروية لرأينا لا يوجد إنسان في الحياة رئيساً أو مرؤوساً فقيراً أو غنياً رجلاً أو امرأة له موارد كثيرة وبالأخص في الجانب الديني فإن مقاصد الشرع فيما يقوم به الدعاة لا تتحقق إلا بالتواضع وإن كثيراً من النكسات التي انتابت بعض الدعاة وعدم تحقيق أهدافهم هو انعدام التواضع .

1-    المتواضع أعقل الناس :

يتصور البعض أن التواضع مأخوذ من الضعة فالمتواضع هو أقل الناس عقلاً وأكثرهم سذاجة وبساطة بينما الروايات تقول أن المتواضع هو من أعقل الناس لأنه استعمل السياسة والحكمة والعقلانية مع الناس وأكثر الناس استفادة من حياته وعقله حيث أطاع الله فقد جاء في خطاب الإمام الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم فقال :

( يَا هِشَامُ ، إِنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ : تَوَاضَعْ لِلْحَقِّ تَكُنْ أَعْقَلَ النَّاسِ ، وَإِنَّ الْكَيْسَ «[28]» لَدَى «[29]» الْحَقِّ يَسِيرٌ «[30]» ) [31] .

ولأجل توضيح هذا المطلب يحتاج إلى شيء من الدقة والتفهم لهذا المطلب وكيف أن يكون المتواضع الذي يتنازل للآخرين ويبادر الناس بالسلام ويجلس في أدنى المجلس ويعفو عن الآخرين أعقل الناس ؟ إننا نقل كلام بعض العلماء الذين شرحوا هذا الحديث :

قال المازندراني في شرحه للحديث  :

قوله ( يا هشام إنّ لقمان قال لابنه: تواضع للحقّ تكن أعقل الناس ) .

التواضع : التذلّل من الوضع و هو خلاف الرفع و يحصل ذلك بالاجتناب عن التكبّر و الافتخار و سائر المنهيّات و الإتيان بالأوامر و المصالح و سائر الخيرات و التمسّك بحول اللّه و قوّته في الحركات و السّكنات و لا ريب في أنّ هذه خصلة عظيمة دلّت على أنّ صاحبها من أعقل الناس لأنّ العقل هو الدّاعي إليها ، و يمكن أن يكون المراد أنّ تواضعك سبب لصيرورتك من أعقل الناس، و يؤيّده ظاهر الشرط المقدّر و توجيه ذلك أنّ العقل من أفضل النعمآء و شكرها التواضع و شكر النعمة يجلب الزّيادة كما قال سبحانه «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» فالتواضع سبب لازدياد العقل و كماله  .

(و إنّ الكيّس لدى الحق يسير)  الكيّس- بفتح الكاف و تشديد الياء مع كسرها- من دان نفسه و عمل لما بعد الموت أي العاقل الذكي المتأنّي في الأمور و حسن عاقبتها، و قد كاس يكيس كيسا و كياسة يعني أنّ العاقل الّذي يعمل بمقتضى عقله و يطلب ثواب اللّه و رضاه بتسديد قوّتي العلم و العمل عند الحقّ قليل لظهور أنّ أكثر الناس تابع للنفس و هواها مشتغل بلذّات الدّنيا و مقتضاها كما نطق به الكتاب العزيز في مواضع عديدة و السّنّة النبويّة في مواطن كثيرة، و هذا الحكم و إن كان ظاهرا لكن لمّا كان خلافه أولى صار بهذا الاعتبار محلّا للإنكار، فلذا أكّده‏ [32]

وقال الفيض الكاشاني :

تواضع للحق : أي تواضع مع الناس للحق سبحانه لا لغرض آخر فإن من تواضع لله رفعه اللَّه كما ورد في الحديث أو نقول التواضع للحق هو الإقرار به و الإطاعة له و الانقياد كما هو مقتضى العقل .

و قال أستادنا طاب ثراه [33] هو أن لا يرى العبد لنفسه وجودا و لا حولا و لا قوة إلا بالحق تعالى و حوله و قوته فيرى أن لا حول و لا قوة له و لا لغيره إلا بالله .

و في الحديث النبوي : ( من تواضع لله رفعه اللَّه )‏

فإذا فنى عن نفسه بالموت الإرادي قبل الموت الطبيعي يكون باقيا بالله قال و هو المراد بقوله تكن أعقل الناس فإن أعقل الناس هم الأنبياء و الأولياء ثم الأمثل فالأمثل.

( و أن الكيس لدى الحق يسير ) قال أستادنا قدس اللَّه سره يعني أن كياسة الإنسان و هي عقله و فطانته يسير عند الحق لا قدر له و إنما الذي له قدر عند اللَّه هو التواضع و المسكنة و الخضوع و الافتقار إليه فكل علم و كمال لا يؤدي بصاحبه إلى مزيد فقر و حاجة إليه تعالى يصير وبالا عليه و كان الجهل و النقيصة أولى به و لذلك قيل غاية مجهود العابدين تصحيح جهة الإمكان و الفقر إليه تعالى ... انتهى كلامه .

و أراد بالعقل ما يسمى بالعقل الجزئي و هو فهم الجزئيات .

أقول : و يحتمل أن يكون الكيّس بالتشديد ، و الحق إما بالمعنى المذكور أو في مقابلة الباطل ؛ و اليسير بمعنى القليل ، و المعنى أن الكيس عند اللَّه أو عند فهم المعارف الحقة الثابتة الأخروية و العلوم الكلية الإلهية قليل ؛ فإن أكثر الأكياس إنما هم أكياس عند الناس و عند أنفسهم أو كياستهم مقصورة على فهم الأمور الجزئية الزائلة و الأشياء الدنيوية الباطلة .

و قد يفسر الحديث بمعان أخر لا قدر لها عند الكيس لدى‏ الحق و ينبغي أن يفسر الحق في الموضوعين بمعنى واحد.[34]

ونكتفي بكلام هذين العلمين ففيه كفاية .

2-    التواضع مطية العقل :

العقل يلعب دوراً كبيراً في حياة الإنسان بل هو ملاك التكليف وهو الرسول الباطني والحجة على العباد ، ومع هذا فإن مركب العقل هو التواضع لأن من المعلوم أن الإنسان أو غيره إنما يتوصل إلى أسفاره وتنقلاته ومقاصده بالركوب وكانت الإبل تستعمل في وقته كوسيلة للركوب ولأجل تقريب المعنى يمثل العقل كالإنسان الذي يحتاج إلى مركب ففي الحديث عن الإمام الكاظم مع هشام بن الحكم قال له :

( يَا هِشَامُ، إِنَّ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ دَلِيلًا، وَدَلِيلُ الْعَقْلِ التَّفَكُّرُ، وَدَلِيلُ التَّفَكُّرِ الصَّمْتُ؛ وَلِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مَطِيَّةً «[35]» ، وَمَطِيَّةُ الْعَقْلِ التَّوَاضُعُ؛ وَكَفى‏ بِكَ جَهْلًا أَنْ تَرْكَبَ مَا نُهِيتَ عَنْهُ ) . [36]

 قال المجلسي :

قوله عليه السلام : ( و مطية العقل التواضع )  أي التذلل و الانقياد لله تعالى في أوامره و نواهيه أو الأعم من التواضع لله تعالى أو للخلق، فإن من لم يتواضع يبقى عقله بلا مطية ، فيصير إلى الجهل أو لا يبلغ عقله إلى درجات الكمال ، و المطية : الدابة المركوبة التي تمطو في سيرها أي تسرع ، و في تحف العقول مكان العقول في الموضعين العاقل ، و لا يخفى توجيهه ، و الخطاب في قوله : كفى بك ، عام كقوله فيما سيأتي كيف يزكو عملك، و أخواتها .[37]

3-    التواضع رأس العلم :

ورد في الحديث أن التواضع هو رأس العلم وبما أن لا حياة للجسد إلا بالرأس فكذلك لا حياة للعلم ولا تمام له إلا بالتواضع فقد جاء : ( الْعِلْمَ ذُو فَضَائِلَ كَثِيرَةٍ؛ فَرَأْسُهُ التَّوَاضُع ) [38]

4-    التواضع يتحول إلى رفعة :

المفهوم السائد لدى أكثرية الناس وحتى بعض طبقة العلماء والطلاب يتصور أن التواضع فيه ذل وحقارة وتنازل للطرف الآخر وهزيمة للخصم وربما يتصور هذا أكثر فأكثر بين الزوج والزوجة فالزوجة تتصور أنها إذا ما تنازلت لزوجها فهذا ذل ومهانة لها ، وعيناً في جانب الزوج يتصور الكثير من الأزواج إذا ما تنازلوا لأزوجهن فإن هذا ذل لهم وهزيمة في حقهم ، أما حقيقة التواضع ومؤداه على العكس من ذلك تماماً يقول المولى سبحانه مخاطباً نبيه الكريم { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}[39] . وفي آية أخرى يقول : {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}[40] . وهنا قيده بالمؤمنين في مقابل الكافرين فإنه قد أمر بإبراز العزة التي منحها الله إياه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} المائدة / 54 .

وجاء في الحديث الصحيح : عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ:

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِنَّ فِي السَّمَاءِ مَلَكَيْنِ مُوَكَّلَيْنِ بِالْعِبَادِ، فَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَاهُ، وَمَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَاهُ». «[41]»

التواضع يزيد في الرفعة :

ففي حديث طويل عن مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : ( .....وَإِنَّ التَّوَاضُعَ يَزِيدُ صَاحِبَهُ رِفْعَةً ، فَتَوَاضَعُوا ؛ يَرْفَعْكُمُ اللَّهُ «[42]» ، وَإِنَّ الْعَفْوَ يَزِيدُ صَاحِبَهُ عِزّاً ، فَاعْفُوا ؛ يُعِزَّكُمُ اللَّهُ». «[43]»

المتواضعون من أقرب الناس إلى الله :

ففي الخبر عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ :

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام، قَالَ : «ف ِيمَا أَوْحَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - إِلى‏ دَاوُدَ عليه السلام : يَا دَاوُدُ ، كَمَا أَنَّ أَقْرَبَ النَّاسِ مِنَ «[44]» اللَّهِ الْمُتَوَاضِعُونَ ، كَذلِكَ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ الْمُتَكَبِّرُونَ ». «[45]» .


 

[1] الفرقان /60

[2] الفرقان /63

[3]  عن مكحول مرسلا قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: «المؤمنون هينون لينون كالجمل الأنف، إن قيد انقاد، و إن أنيخ على صخرة استناخ». أخرجه ابن المبارك في الزهد ص 130، و البغوي في شرح السنة 13/ 86، و أحمد في الزهد ص 463 من قول مكحول، و مثله أبو نعيم في الحلية 5/ 180.و قال العجلوني: أخرجه البيهقي و القضاعي و العسكري عن ابن عمر مرفوعا. انظر: كشف الخفاء 2/ 290

[4]  وسائل‏الشيعة ج : 12 ص : 159عن الأمالي للطوسي .

[5] الأنعام/ 93

[6] فصلت/ 17

[7] البقرة/ 90

[8] آل عمران/ 178

[9][9] الحج/ 57

[10] الحج/ 18

[11] مريم/ 21

[12] الروم/ 27

[13] النور/ 15

[14]  المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني  ص: 849

[15] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج‏13، ص: 48

[16]  الصحيفة السجادية(ع) ص : 93 دعاء 20

[17]  هكذا في النسخ والطبعة الحجريّة من الكتاب والوافي. وفي المطبوع:+/« الرضا».

[18]  في« ض»:-/« قال».

[19]  . في« ز»:« يعطى».

[20]  في« ز»:« ما يحبّ أن يعطاه».

[21]   الكافي(الطبعة الحديثة)، ج‏3، ص: 321 رقم 1875 وفي الطبعة القديمة ج2 ص 124 ، الأمالي للصدوق، ص 240، المجلس 42، ح 8؛ عيون الأخبار، ج 2، ص 49، ح 192، وفيهما بسند آخر عن عليّ بن أسباط، مع اختلاف يسير وزيادة في أوّله وآخره الوافي، ج 4، ص 471، ح 2375؛ الوسائل، ج 15، ص 273، ح 20497؛ البحار، ج 75، ص 135، ح 36.

[22]  الظاهر أنّ الضمير المستتر في« قال» راجع إلى الحسن بن الجهم، وهو الذي سأل الإمام عليه السلام عن حدّ التواضع. فعليه يحتمل أن يكون السند معلّقاً على السند المذكور إلى الحسن بن الجهم.

 هذا، وقد ورد الخبر- باختلاف يسير- في مشكاة الأنوار للطبرسي، ص 225 هكذا: عن أبي الحسن موسى عليه السلام سأله عليّ بن سويد المدائني عن التواضع الذي إذا فعله العبد كان متواضعاً ...

[23]  في« ز، ص»:« فينزّلها».

[24]  في« بس»:« منزلها».

[25]  قال في مرآة العقول:« أن يأتي إليه، على المعلوم. وكأنّ الظرف فيهما مقدّر، والتقدير: لا يحبّ أن يأتي إلى‏أحد بشي‏ء إلّا مثل ما يؤتى به إليه. .. ويمكن أن يقرأ على بناء التفعيل في الموضعين من قولهم: أتّيت الماء تأتية وتأتّياً، أي سهّلت سبيله ليخرج إلى موضع. ذكره الجوهري، لكنّه بعيد».

[26]  « الدَّرْء»: الدفع. الصحاح، ج 1، ص 48( درأ).

[27]  الكافي(الطبعة الحديثة)، ج‏3، ص: 322 رقم 1876 وفي الطبعة القديمة ج 2 ص 124 ؛ الوافي، ج 4، ص 472، ح 2376؛ الوسائل، ج 15، ص 273، ح 20498، من قوله:« التواضع درجات»؛ البحار، ج 75، ص 135، ذيل ح 36.

[28]  « الكيْس» يقرأ بوجهين: بفتح الكاف وسكون الياء، بمعنى العقل والفطانة، وهو مختار السيّد الداماد وصدر المتألّهين؛ وبفتح الكاف وكسر الياء المشدّدة بمعنى ذي الكيس، وهو مختار الفيض والمازندراني. و« اليسير»: القليل، أو الهيّن ومقابل العسير.

 والمعنى على الوجه الأوّل: أنّ فطانة الإنسان وعقله سهلٌ هيّنٌ عند الحق لا قَدْر له؛ أو إدراكه عنده قليل. وعلى الثاني: العاقل الذي يعمل بمقتضى عقله عند ظهور الحقّ قليل، أو منقاد له غير صعب ولا عسير. واحتمل العلّامة المجلسي كون« يسير» على كلا الوجهين فعلًا. راجع: النهاية، ج 4، ص 217- 218( كيس)؛ و ج 5، ص 295( يسر) وشروح الكافي.

[29]  في« بح»:« لذي».

[30]  . في حاشية« ض، بح»:« أسير».

[31]  الكافي(الطبعة الحديثة)    ج‏1  ص  34    كتاب العقل و الجهل .

[32]  شرح الكافي-الأصول و الروضة، ج‏1، ص: 180

[33]  المراد به الفيلسوف الكبير مجدد الفلسفة الإسلامية صدر المتألهين الشيرازي

[34]  الوافي    ج‏1   ص 97   

[35]  المَطِيَّة»: الناقة التي يُركَب مَطاها، أي ظهرها- كما اختاره الصدر الشيرازي-، أو الدابّة التي تمطو في سيرها أي تجدّ وتسرع، كما اختاره أيضاً المازندراني. راجع: شرح صدر المتألّهين، ص 56؛ شرح المازندراني، ج 1، ص 185؛ النهاية، ج 4، ص 340؛ لسان العرب، ج 15، ص 285( مطا).

[36]  الكافي(الطبعة الحديثة)    ج‏1  ص  35    كتاب العقل و الجهل ..

[37]  مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول    ج‏1  ص  56   

[38]  الكافي(الطبعة الحديثة)، ج‏1، ص: 118

[39] الحجر /88

[40] الشعراء /215

[41]  ). الكافي(الطبعة الحديثة)    ج‏3  ص  322 رقم 1864  باب  60 - باب الحب في الله والبغض في الله ... وفي الطبع القديم ج2 ص 122 ،  الزهد، ص 130، ح 166، عن ابن أبي عمير. المحاسن، ص 123، كتاب عقاب الأعمال، ح 137، مرسلًا عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله؛ فقه الرضا عليه السلام، ص 372، وفيهما مع اختلاف يسير الوافي، ج 4، ص 468، ح 2363؛ الوسائل، ج 15، ص 272، ح 20493؛ البحار، ج 75، ص 126، ح 24.

[42]  في البحار:« يرحمكم اللَّه» .

[43]   الكافي الطبع الجديد ج 3 ص 314 رقم 1863 ، الأمالي للمفيد، ص 238، المجلس 28، ح 2؛ والأمالي للطوسي، ص 14، المجلس 1، ح 18، بسند آخر عن هارون بن مسلم بن سعدان، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه عليهما السلام. الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب العفو، ح 1792، بسند آخر عن أبي عبداللَّه عليه السلام عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، من قوله:« وإنّ العفو يزيد صاحبه عزّاً» مع اختلاف يسير الوافي، ج 4، ص 467، ح 2362؛ البحار، ج 75، ص 124، ح 23.

[44]  في« ب» وحاشية« ص، ف، بف»:« إلى».

[45] الكافي(الطبعة الحديثة)، ج‏3، ص: 319 رقم 1873 وفي الطبع القديم ج 2 ص 123 ، . الأمالي للصدوق، ص 305، المجلس 50، ح 12، بسند آخر عن أبي عبد اللَّه، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، مع اختلاف يسير وزيادة في أوّله ؛ الوافي، ج 4، ص 471، ح 2373؛ الوسائل، ج 15، ص 272، ح 20494؛ البحار، ج 14، ص 39، ح 21؛ و ج 75، ص 132، ح 34.