1422هـ

1423هـ

1424هـ

1425هـ

1426هـ

1427هـ

1428هـ

1429هـ

1430 هـ

1431 هـ

 

 

 العدل القاعدة الأساسية لصلاح المجتمع  

 

6 / 2 / 1431 هـ

22 / 1 / 2010 م

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِي اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ انْتَجَبَهُ لِوَلَايَتِهِ وَاخْتَصَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَأَكْرَمَهُ بِالنُّبُوَّةِ أَمِيناً عَلَى غَيْبِهِ وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ[1]

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَيَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} النحل  (90)

الشرائع السماوية التي جاءت من قبل الله سبحانه جاءت لإصلاح المجتمعات البشرية وإخراجها من ظلمات الجهل والظلم إلى أفق السعادة والعلم، وطرحت أول ما طرحت بعد التوحيد لله العدل، وجعلته ركنا وأصلا من أصولها التي بنت دعوتها إليه، فالآية السالفة تبين تلك الأصول الأولية لبناء المجتمع الصالح وهي ستة أصول؛ ثلاثة إيجابية أمر بها وثلاثة سلبية نهى عنها.

1-   العدل: وهو الإنصاف ووضع الأمور في مواضعها وإعطاء كل ذي حق حقه.. العدل هو الإنصاف بين الخلق، والتعامل بالاعتدال الذي ليس فيه ميل ولا عوج فالعدل هو القانون والأصل الذي تدور عليه كل أنظمة الوجود (بالعدل قامت السماوات والأرض).

فالعالم الأكبر –وهو الكون كله- يحتاج إلى العدل، وهو قائم عليه، كالمجرات والكواكب {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (38) سورة يس {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} (54) سورة الأعراف {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (40) سورة يس.

والعالم الأصغر -وهو الإنسان- قائم على العدل في أعضائه الجسدية، وكل عضو من أعضائه يؤدي دوراً من أدواره، فلو مرض ذلك العضو لاختلَّت صحة الإنسان، وربما يؤدي به إلى الهلاك، كما في توقف القلب عن العمل.

وكما أن الإنسان في أعضائه يحتاج إلى العدل كذلك في حياته الاجتماعية والفردية يحتاج إلى العدل ولا يمكن لمجتمع من المجتمعات أن يعيش التقدم والازدهار والسعادة الدنيوية والأخروية إلا ويسود فيها الإنصاف والعدل {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ}.

2-       الإحسان: وهو أعلى من العدل لأنه تفضل.

«وَالْإِحْسانِ» إلى الناس وهو التفضل ولفظ الإحسان جامع لكل خير والأغلب عليه استعماله في التبرع بإيتاء المال وبذل السعي الجميل.

والفرق بين العدل والإحسان:

قيل العدل: التوحيد، والإحسان: أداء الفرائض. وقيل العدل في الأفعال والإحسان في الأقوال فلا يفعل إلا ما هو عدل ولا يقول إلا ما هو حسن، وقيل العدل: أن ينصف وينتصف، والإحسان: أن ينصف ولا ينتصف‏[2].

والإنسان كما يحتاج إلى العدل كذلك بحاجة إلى التفضل والإحسان. كما في الكوارث التي تحل بالبشر كالزلازل والفيضانات.

3-       إيتاء ذي القربى: يندرج في الإحسان عموما للمجتمع ولكن ذوي القربى يؤكد عليهم وهم أقرباء الشخص.

4-       الفحشاء: إشارة إلى الذنوب الخفية.

5-       المنكر: إشارة إلى الذنوب العلنية.

6-       البغي: إشارة إلى كل تجاوز عن حق الإنسان وظلم الآخرين والاستعلاء عليهم.

منشأ الانحرافات الأخلاقية:

ذكر علماء الأخلاق أن منشأ الانحرافات الأخلاقية يعود إلى إحدى الغرائز الموجودة لدى الإنسان وهي:

1-       الغريزة الشهوانية: فإنها ترغب في تحصيل اللذائذ الشهوانية والغرق في الفحشاء.

2-       الغريزة الغضبية: وإنها تدفع الإنسان إلى فعل المنكرات وإيذاء الناس.

3-   الغريزة الوهمية الشيطانية: وهي تدفع الإنسان إلى الاستعلاء على الآخرين والترفع وحب الرئاسة والتقدم والتعدي على حقوق الآخرين.

أهمية هذه الآية:

تكمن أهمية هذه الآية التي ركزت على إصلاح المجتمع في:

1-       قوله تعالى {يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}

ومعناه يعظكم بما تضمنت هذه الآية من مكارم الأخلاق لكي تتذكروا و تتفكروا و ترجعوا إلى الحق، قال عبد الله بن مسعود: هذه الآية أجمع آية في كتاب الله للخير والشر.

قال قتادة: أمر الله سبحانه بمكارم الأخلاق ونهاهم عن سفاسف الأخلاق.

وجاءت الرواية أن عثمان بن مظعون قال: كنت أسلمت استحياء من رسول الله صلى الله عليه وآله لكثرة ما كان يعرض علي الإسلام ولما يقر الإسلام في قلبي فكنت ذات يوم عنده حال تأمله فشخص بصره نحو السماء كأنه يستفهم شيئا فلما سرى عنه سألته عن حاله.

فقال: نعم بينا أنا أحدثك إذ رأيت جبرائيل في الهواء فأتاني بهذه الآية {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ} وقرأها علي إلى آخرها فقر الإسلام في قلبي وأتيت عمه أبا طالب فأخبرته.

فقال: يا آل قريش اتبعوا محمدا (ص) ترشدوا فإنه لا يأمركم إلا بمكارم الأخلاق.

وأتيت الوليد بن المغيرة وقرأت عليه هذه الآية.

فقال: إن كان محمد قاله فنعم ما قال وإن قاله ربه فنعم ما قال فأنزل الله {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطى‏ قَلِيلًا وَأَكْدى‏}

يعني قوله فنعم ما قال ومعنى قوله وَأَكْدى‏ أنه لم يقم على ما قاله وقطعه.

وعن عكرمة قال أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ هذه الآية على الوليد بن المغيرة فقال: يا ابن أخي أعد فأعاد.

فقال: إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وما هو قول البشر.[3]

2-   أن هذه الآية دستور العمل الإسلامي، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: جماع التقوى في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ‏ ..... } الآية[4].

3-   أن أئمة أهل البيت عليهم السلام كانوا يركزون على هذه الآية في مناسبات عديدة، وكان الإمام الباقر عليه السلام يقرأ هذه الآية قبل الانتهاء من خطبة الجمعة.

(وَيَكُونُ آخِرَ كَلَامِهِ أَنْ يَقُولَ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسَانِ وَ إِيتَاءِ ذِى الْقُرْبَى وَ يَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْىِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}[5].

ثُمَّ يَقُولُ[6]: اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ تَذَكَّرَ[7]، فَتَنْفَعُهُ الذِّكْرى‏؛ ثُمَّ يَنْزِلُ).[8]

الآية الثانية التي تدل على تحقيق العدل الاجتماعي في مقام أداء الأمانات والحكم والقضاء حيث  أكد على إقامة العدل بين المتخاصمين مهما كان اختلاف دينهم أو مذاهبهم، قال تعالى: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَميعاً بَصيراً} النساء (58).

فهنا الخطاب بعنوان الناس ولم يقل المسلمين ولا المؤمنين فهو شامل لكل الناس وأنه يجب على المسلمين المخاطبين في الآية:

أ‌-           أن يؤدوا الأمانات إلى جميع الناس على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم وطوائفهم وبلدانهم ولغاتهم.

ب‌-  وفي حال القضاء والحكم يجب  أن تسود العدالة على الجميع وهم أمام القانون سواسية فلا تمييز بين الغني والفقير والرئيس والمرؤوس والوجيه وغيره أو الحاكم والمحكوم.

الآية الثالثة: وفي مقام الاستنكار يطرح المولى تساءلا؛ أن من يريد أن يحقق العدالة هل يتساوى مع من لا فائدة فيه أم لا؟ قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى‏ مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقيمٍ} النحل (76).

 فهل الأبكم الشامل لعديم السمع والكلام والأعمى ولا يتمكن من أن يعمل شيئاً بل أكثر من ذلك حيث هو كَلٌ على مولاه فهل هذا يستوي مع من يريد أن يقيم العدل ويحققه في المجتمع وهو على الصراط المستقيم؟ لا شك أنهما لا يتساويان وبينهما بون شاسع.

بعض أسباب الانحراف عن العدل:

1-   إتباع الهوى: وهو ميل النفس إلى الشهوات الدنية وانحرافها عن حدود الشريعة النبوية، هذا الهوى الذي يسيطر على الإنسان فيجعله لا يفرق بين مصلحته ومضرته فضلا أن يفرق بين الحق والباطل. وهذا عامل يختزل كثيراً من العوامل الأخرى.  وعلى هذا الأساس فإن المصدر الحقيقي للانحراف عن العدل هو نفس اتباع الهوى، كما سوف تشير إليه الآية الآتية {فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى‏ أَنْ تَعْدِلُوا} حيث أن اتباع الهوى يصد عن الحق ويحرف الإنسان عن العدالة وللتأكيد أكثر تحكم الآية بتجنب اتباع الهوى، لكي لا يبقى مانع أمام سير العدالة وتحقيقها إذ تقول الآية: {فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ}[9].

ويتضح من هذه الجملة - بجلاء - أن مصدر الظلم والجور كله، هو اتباع الهوى، فالمجتمع الذي لا تسوده الأهواء يكون بمأمن من الظلم والجور.

كما جاء في كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (إن أخوف ما أخاف على أمتي الهوى، وطول الأمل، أما الهوى فإنه يصد عن الحق، وأما طول الأمل فيُنسي الآخرة)[10]

وعن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قوله: (أما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق)[11].

فلا يمكن أن يكون عادلا من اتبع هواه بل يجر صاحبه إلى المكاره والفتن كما أن مخالفة الهوى هو رأس الدين كما قال أمير المؤمنين عليه السلام (رأس الدِّين مخالفة الهوى)[12]

2-       الحب المفرط: إن من أسباب الانحراف عن العدالة هو الحب المفرط في أمر من الأمور لأن الحب يعمي ويصم لهذا ركز الإسلام على حالة التوازن وأن يملك الإنسان القرار في حال المحبة حيث لا تسيطر عليه العاطفة بل يجب عليه أن يقيم العدل ويحقق الإنصاف حتى ولو كان على نفسه أو والديه والأقربين إليه قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقيراً فَاللَّهُ أَوْلى‏ بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى‏ أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبيراً} النساء: (135).

من بين أسباب الانحراف عن العدالة الفردية والاجتماعية الحب المفرط، فيتخلف عن العدالة فيما يرجع إلى مصلحته الشخصية أو ترجع إلى والديه أو أولاده وزوجته وهكذا لحزبه أو عشيرته أو مذهبه أو دينه بينما حب هذه المفردات من الأمور اللازمة ولكن لا يعني التخلي عن العدالة فقد شرع الإسلام حب هذه الأمور ولكن على نحو الموازنة والعدالة ولذلك رفض الدين الإسلامي  فكرة الغلو في الدين نفسه فقال تعالى: {قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَق‏}[13].

فالحب المفرط والغلو في الدين والمذهب مرفوض من الدين، وفي الآية لمّا ذكر سبحانه في الآيات السابقة على آية {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ .... } أنّ عنده ثواب الدنيا والآخرة وعلى الإنسان أن يسعى لهما، عقّبه في هذه الآية بأمر العباد بالقسط  والقيام بالحقّ، وترك الميل والجور على الآخرين ويحققوا العدالة في مجتمعاتهم، لينالوا ما عنده من ثواب الدارين.

(ويجب الانتباه إلى أن كلمة "قوامين" هي جمع لكلمة "قوام" وهي صيغة مبالغة من "قائم" وتعني "كثير القيام" أي أن على المؤمنين أن يقوموا بالعدل في كل الأحوال والأعمال وفي كل العصور والدهور، لكي يصبح العدل جزءا من طبعهم وأخلاقهم ، ويصبح الانحراف عن العدل مخالفا ومناقضا لطبعهم وروحهم)[14].

قال بعض المفسرين في معنى الآية {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} مواظبين على العدل، مجتهدين في إقامته، حتّى لا تجوروا أصلا {شُهَداءَ لِلَّهِ} بالحقّ، تقيمون شهاداتكم لوجه اللّه كما أمركم بإقامتها. وهذا خبر ثان، أو حال. {وَلَوْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ} ولو كانت الشهادة على أنفسكم، بأن تقرّوا عليها، لأنّ الشهادة بيان الحقّ، سواء كان عليه أو على غيره {أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} ولو على والديكم وأقاربكم إِنْ يَكُنْ أي: المشهود عليه، أو كلّ واحد منه ومن المشهود له غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فلا تمتنعوا عن إقامة الشهادة عليه لغناه، ولا تجوروا فيها ميلا وترحّما عليه لفقره فَاللَّهُ أَوْلى‏ بِهِما بالغنيّ والفقير، وبالنظر لهما. فلو لم تكن الشهادة عليهما أولهما صلاحا لما شرعها. وهو علّة الجواب، أقيمت مقامه.

والضمير في «بهما» راجع إلى ما دلّ عليه قوله: «إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً» لا إلى أحد المذكورين، فلذلك ثنّى ولم يفرد. وهو جنس الغنيّ وجنس الفقير. كأنّه قيل: فاللّه أولى بجنس الغنيّ والفقير، أي: بالأغنياء والفقراء.

فلا يرد: أن الأولى أن لا يثنّى الضمير في «أولى بهما» بل حقّه أن يوحّد، لأنّ قوله: «إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً» في معنى: إن يكن أحد هذين. ويشهد على هذا المعنى أنّه قرئ: فاللّه أولى بهم.

{فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى‏ أَنْ تَعْدِلُوا} لأن تعدلوا عن الحقّ. أو كراهة أن تعدلوا، من العدل.

{وَإِنْ تَلْوُوا ألسنتكم} عن شهادة الحقّ، أو حكومة العدل. وقرأ ابن عامر وحمزة: وإن تلوا، بضمّ اللام وسكون الواو، على معنى: وإن ولّيتم إقامة الشهادة أَوْ تُعْرِضُوا عن أدائها فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً فيجازيكم عليه.

وفي هذه الآية دلالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسلوك طريق العدل في النفس والغير.[15]

3-   العداء المفرط: قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى‏ أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبيرٌ بِما تَعْمَلُونَ} المائدة (8).

كما أن من أسباب الانحراف عن العدالة الحب المفرط، كذلك من أهم أسبابه العداء المفرط وما نراه في العالم من ظلم واضطهاد وانعدام العدالة هو نتيجة العداء المفرط، وفي هذه بيّن أنّ ممّا يلزم الوفاء به قيامكم بالحقّ، ومراعاتكم العدالة في أداء الشهادة وترك العدوان بها، فقال: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ} أي: ليكن من عادتكم القيام للّه بالحقّ في أنفسكم بالعمل الصالح، وفي غيركم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ابتغاء مرضاة اللّه، وامتثالا لأمره شُهَداءَ بِالْقِسْطِ بالعدل بين الناس، سواء كانت شهادتكم عليهم أو لهم.

{وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى‏ أَلَّا تَعْدِلُوا} عدّاه بـ «على» لتضمّنه معنى الحمل.

والمعنى: لا يحملنّكم شدّة بغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم، فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحلّ لكم، كمثلة و قذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد، تشفّيا ممّا في قلوبكم من الضغائن.

{اعْدِلُوا هُوَ} أي: العدل أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏. صرّح لهم بالأمر بالعدل، وبيّن أنّه بمكان من التقوى، بعد ما نهاهم عن الجور، وبيّن أنّه مقتضى الهوى.

وإذا كان مراعاة العدل مع الكفّار لازمة لكم، فما ظنّكم بالعدل مع المؤمنين؟!

{وَاتَّقُوا اللَّهَ} بفعل الطاعات واجتناب السيّئات إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ عالم بِما تَعْمَلُونَ فيجازيكم عليه.

وتكرير هذا الحكم إمّا لاختلاف السبب، كما قيل: إنّ الأولى نزلت في المشركين وهذه في اليهود، أو لمزيد الاهتمام بالعدل، والمبالغة في إطفاء نائرة الغيظ.[16]

4-   الثروة المادية وحب الدنيا: من الأسباب الرئيسة للانحراف عن العدالة حب الدنيا والثروة المادية، فالآية المتقدمة تقول: {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقيراً فَاللَّهُ أَوْلى‏ بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى‏}؛ يقول بعض المفسرين (تشير الآية المتقدمة - بعد ذلك إلى عوامل الانحراف عن مبدأ العدالة، فتبين أن ثروة الأغنياء يجب أن لا تحول دون الإدلاء بالشهادة العادلة ، كما أن العواطف والمشاعر التي تتحرك لدى الإنسان من أجل الفقراء، يجب أن [لا][17] تكون سببا في الامتناع عن الإدلاء بالشهادة العادلة حتى ولو كانت نتيجتها لغير صالح الفقراء، لأن الله أعلم من غيره بحال هؤلاء الذين تكون نتيجة الشهادة العادلة ضدهم ، فلا يستطيع صاحب الجاه والسلطان أن يضر بشاهد عادل يتمتع بحماية الله ، ولا الفقير سيبيت جوعانا بسبب تحقيق العدالة، تقول الآية في هذا المجال: {إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما}.

وجوب العدالة الاجتماعية:

يستفاد من مفهوم الآيات المتقدمة وجوب العدالة على كل المكلفين فيجب على الإنسان أن يعدل بينه وبين زوجه وبينه وبين أولاده وبينه وبين جاره وبينه وبين رعيته ومن هو تحت يده، وهكذا في فيما بين الدول وبين الشعوب والأقوام والأحزاب ويجب أن تنتشر العدالة الاجتماعية وتشمل الجميع وبلا فرق بين الأقربين كالوالدين وذوي الأرحام أو الأبعدين سواء كان في جانب إقامة الشهادة لهم أو عليهم أو في جانب القضاء أو أداء الحقوق الفردية والاجتماعية والأسرية، إن الإسلام يرى الناس سواسية في الحقوق أمام القانون ففي المواطنة والمعايشة لا يفرق بين الأبيض والأسود ولا بين الرئيس والمرؤوس ولا بين الغني والفقير ولا بين المسلم وغيره فكلهم عباد الله وهم متساوون أمام العدالة.

وقد قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في عهده إلى مالك الأشتر لمّا ولاه مصر: (وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّطْفَ بِهِمْ وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْق‏).

فحينئذ الناس سواسية وهم صنفان:

1-       المسلمون على اختلاف مذاهبهم مهما تعددت واختلفت فقهياً أو عقائدياً، فهم سواسية أمام القانون والمواطنة.

2-   وغير المسلمين على اختلاف دياناتهم أيضاً يتساوون في الحقوق الوطنية والمعايشة بينهم وبين المسلمين, ولا يجوز لأحد أن يبهتهم ويكذب عليهم وينسب لهم ما ليس فيهم فإن هذا بهتان عظيم وقد أفتى معظم الفقهاء بذلك.

إلى أن يقول عليه السلام لمالك الأشتر: (أَنْصِفِ اللَّهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ وَمَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ‏ وَكَانَ لِلَّهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ أَوْ يَتُوبَ)[18]

وقد وردت على غرار هذا الكلام بالإضافة إلى الآيات القرآنية عشرات الأحاديث وعشرات الحكم عن النبي وأهل بيته الأطهار فقد نقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله خاصة قرابة 24 حديثاً[19] وفي مدرسة أتباع أهل البيت عليهم السلام نقل عن الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام من الحكم والمواعظ والنصوص في العدل خاصة 103 وحول الإنصاف 53 حكمة[20] ونقل ثقة الإسلام الشيخ الكليني في باب الإنصاف والعدل من كتابه الكافي 20 حديثاً عن مختلف أئمة أهل البيت عليهم السلام.

فهذه النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة روح الإسلام التي تجمع على وجوب العدل والإنصاف حتى مع الأعداء والمساواة في الحقوق بين الناس خصوصاً في الشهادة والقضاء بين جميع المسلمين بل ومع غيرهم أيضا.

وفي مقابل هذا الوضوح تطرح بعض الروايات مفهوماً آخر خلاف ما تقدم وهنا أشير إلى روايتين في هذا الجانب:

الرواية الأولى : قال الشلمغاني في كتابه التكليف -  باب الشهادة:

وأروي عن العالم عليه السلام أنه قال من شهد على مؤمن[21] بما يثلمه، أو يثلم ماله، أو مروءته سماه الله كاذباً وإن كان صادقاً، ومن شهد لمؤمن ما يحي به ماله، أو يعينه على عدوه أو يحفظ دمه، سماه الله صادقاً وإن كان كاذباً[22].

ومعنى ذلك أن يشهد له ويشهد عليه فيما بينه وبين مخالف فأما بينه وبين موافق فليشهد له وعليه بالحق[23]

المؤاخذات على هذه الرواية:

1-   أن هذه الرواية تصطدم مع القاعدة المتفق عليها عند مدرسة أتباع أهل البيت من  ( أن القبح والحسن العقليين ثابتان) ولا يصطدما مع الشارع، بينما هذه الرواية تلغي هذه القاعدة وتجوز أن القبيح عقلا قد يكون حسنا شرعاً، والحسن عقلاً قد يكون قبيحاً شرعاً. وأن هناك تصادماً بين المصالحة العقلية والمصالح الشرعية وتقدم المصلحة الشرعية على المصلحة العقلية. وهذا خلاف ما عليه الشيعة الإمامية.[24]

2-       أن الشاهد هو يخبر عن ثبوت المشهود خارجاً وهذا غير متحقق له بل هو غير عالم ويصبح كاذباً وينطبق عليه حرمة الكاذب.

3-   أن هذه الرواية تتعارض مع القرآن الكريم؛ قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (36) سورة الإسراء وقال تعالى: {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (86) سورة الزخرف، وإطلاق قوله تعالى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} (2) سورة الطلاق، وغير ذلك من الآيات الدالة على حرمة القول بغير علم فلا حرمة لهذه الرواية .

4-   تعارض هذه الرواية مع الأحاديث الصحيحة المتعددة من حرمة التدليس والكذب وأن الإخبار لا بد أن يكون حس ومشاهدة وما لم يكن كذلك فلا حجة له.

الرواية الثانية: قال الشلمغاني: (وبلغني عن العالم عليه السلام أنه قال)[25]: (إذا كان لأخيك المؤمن على رجل حق فدفعه[26]، ولم يكن له البينة إلا شاهد واحد، وكان الشاهد ثقة، رجعت إلى الشاهد، فسألته عن شهادته، فإذا أقامها عندك، شهدت معه عند الحاكم، على مثل ما شهد لئلا يتوي[27] حق امرئ مسلم)[28]

المؤاخذات على هذه الرواية:

1-   نقل الشيخ الطوسي عن جماعة عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن داود القمي المتوفى 368 هـ وأبي عبد الله الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه المتوفى 15 شهر رمضان سنة 417 هـ أنهما قالا: أخطأ محمد بن علي [يعني ابن أبي العزاقر الشلمغاني] في المذهب في باب الشهادة، أنه روى عن العالم عليه السلام أنه قال: إذا كان لأخيك المؤمن  ..... ) ثم نقل الرواية.

ثم قال الشيخ الطوسي: (واللفظ لابن بابويه وقال: هذا كذب منه ولسنا نعرف ذلك.

وقال: في موضع آخر كذب فيه)[29]

2-       قال ابن أبي جمهور الأحسائي المتوفى بعد 901 هـ في شرحه للحديث: (هذا الحديث مخصوص بمن له حق على الغير؛ ويكون من عليه  الحق ليس من أهل دينه وذهبه. ويكون مرافعتهما على حاكم الجور. وهذا الحديث لم يعمل عليه أحد من أصحابنا)[30]

والحاصل: أن هاتين الروايتين مخالفتين لأصول المذهب ولذلك قد تنبه لهما أعلام الطائفة من قديم فرفضوهما وكذبوهما كما سمعت من ابن بابويه.

ولكن هل تعلم؟:

أن الغلاة الذين اندسوا بين صفوف الشيعة وتسموا باسمهم ولبسوا لباسهم وصاروا يتحدثون نيابة عنهم بل يصورون للآخرين أنهم يمثلون أئمة الهدى عليهم السلام دون غيرهم، هؤلاء قد دسوا في أحاديث مدرسة أتباع أهل البيت أحاديث الغلو والتطرف والإقصاء للآخرين والحقد والضغينة لكل من يخالفهم في الرأي والفكر، هذه الأحاديث التي بلغت المئات أو أكثر في مختلف المجالات العقائدية والفقهية والأخلاقية والطبية والتاريخية وغيرها، حتى انطلت تلك المحاولات الخبيثة على بعض أهل الاختصاص فضلا عن غيرهم.

حاضنة الإقصاء والتطرف:

لا أريد أن أتحدث عن هذه الحاضنة للإرهاب والتطرف والإقصاء في مختلف المدارس الإسلامية، فهذا له مكان آخر[31]، وإنما هنا أذكر مثالا واحداً من تلك الدسائس على مدرسة أتباع أهل البيت عليهم السلام، على خلاف ما تقدم: من أن إقامة العدل وتطبيقه على الجميع هو ما نص عليه القرآن الكريم في أكثر من آية ودلت عليه الأحاديث المتواترة إجمالاً - كما أشرنا إليها - بينما جاء بعض الغلاة المنحرفين عن مدرسة أهل البيت عليهم السلام ليروي بعض الروايات – كالروايتين المتقدمتين - على خلاف ما اتفقت عليه مدرسة أتباع أهل البيت وينسبها إلى الأئمة عليهم السلام كذباً وزوراً، ويؤيدها بعض الجهلة التي تحلو لهم مثل هذه الترهات وتتناسب مع هواهم.

والأمر سهل وعادي لو أن رواية أو روايات خالفت روايات أخرى فما أكثر الروايات الضعيفة والمكذوبة والموضوعة التي تخالف القرآن أو الأحاديث الثابتة فهي بالآلاف ولكن المؤسف له أن تصبح هذه الرواية أو الروايات – في نظر البعض - قاعدة أساسية ومن المسلمات في المذهب التي يبتني عليها فكر أهل البيت عليهم السلام!.

الاصطفاف المذهبي:

لا شك أن القارئ الكريم يستغرب ويتعجب أشد العجب عندما يرى أن أساس الاصطفاف المذهبي والطائفي والتشدد والإقصاء والعداء والكذب والبهتان والإشاعة والتسقيط والنقاط السوداء النتنة التي يخرج منها ما يزكم الأنوف، أن منشأه إنما هو أحاديث الغلاة والمنحرفين.

وأشد إيلاماً وحسرة أن يتخذ البعض من هاتين الروايتين المتقدمتين وأمثالهما منهجاً وعقيدة وديناً وأخلاقاً وعبادة ضد من يختلف معه في الرأي من داخل المذهب أو خارجه  بل وحتى لو كان من الأقربين إليه ويبرر لهذه الترهات بمختلف التبريرات – ومنها الروايتان المتقدمتان -، ويعطى صورة سوداوية عن مذهب أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم عندما ينسب هذه الأمور لهم، ويفسح للمغرضين الذين يصطادون في الماء العكر بالتهجم على مدرسة أتباع أهل البيت ورموزها واتهامها بجواز الكذب لصالح من ينتسب لهم.

إننا في الوقت الذي نرى فيه أن مدرسة أهل البيت وأتباعهم هي من أنقى المدارس الإسلامية عن الخرافات وأعلاها وأصفاها وأعمقها فكراً وعلماً، وأكملها أخلاقاً وأكثرها سعة صدر، ومثلت حقيقة الإسلام المحمدي، وقد وصلت إلى ما وصلت إليه بسبب هذا العمق والأصالة وفتح باب الاجتهاد والرأي والرأي الآخر، هي في نفس الوقت أبعد ما تكون عن التطرف وضيق الأفق والأنانية وتكفير من يخالفها في الرأي أو تفسيقه وتبديعه وسبه وشتمه وبهتانه ولعنه وتحليل دمه أو عرضه، فإن كل ما ينسب إليها من هذه الترهات فهو ناشئ من الجهل والظلم وتزوير الحقائق ولا بد أن يوضع عليها علامة استفهام .. وألف علامة.

وإننا نناشد العلماء الأعلام والمحققين والمؤلفين والكتاب والخطباء الأغيار وأهل الأموال أن تكون عندهم غيرة على دينهم ومذهبهم وعقائدهم وأن يضعوا حداً لما يخرج على بعض الفضائيات وبقية وسائل الإعلام.

وكل من تكون لديه السلطة الاجتماعية والاقتصادية والإعلامية أكثر فإن مسؤوليته في تحقيق العدالة وكشف زيف الغلاة والخرافات والترهات تكون أكبر وأعظم وفي حال الانحراف يكون خطره أشد كما في السلطة التشريعية والقضائية والسلطة التنفيذية وقد ورد عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عليهما السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: (صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي إِذَا صَلَحَا صَلَحَتْ أُمَّتِي وَإِذَا فَسَدَا فَسَدَتْ أُمَّتِي.

قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ هُمَا؟.

قَالَ: الْفُقَهَاءُ، وَالْأُمَرَاءُ.[32]

ابن أبي العزاقر الشلمغاني:

أما الشخص الذي روى الروايتين المتقدمتين في كتابه (التكليف) فنحاول أن نلقي عليه وعلى كتابه الضوء لنعرف قيمة هاتين الروايتين أكثر فأكثر.

الرجل هو: محمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن أبي العزاقر المتوفى (322 هـ).

قال النجاشي في ترجمته: (كان متقدماً في أصحابنا فحمله الحسد لأبي القاسم الحسين بن روح على ترك المذهب والدخول في المذاهب الرديئة حتى خرجت فيه توقيعات فأخذه السلطان وقتله وصلبه)[33]

وقال الشيخ الطوسي في رجاله: (محمد بن علي الشلمغاني، يعرف بابن أبي العزاقر، غال)[34]

وقال في فهرست كتب الشيعة وأصولهم: (وكان مستقيم الطريقة، ثم تغير وظهرت منه مقالات منكرة، إلى أن أخذه السلطان فقتله وصلبه ببغداد)[35]

وقال في كتاب الغيبة ص 303 رقم 256 قال أبو غالب الزراري: (وكان مستقيماً لم يظهر منه ما ظهر [منه] من الكفر والإلحاد).

ونقل عن أبي علي محمد بن همام في وصف الشلمغاني: (وإنما كان فقيهاً من فقهائنا وخلّط وظهر عنه ما ظهر، وانتشر الكفر والإلحاد)[36]

والمراد بكتابه كتاب (التكليف) وقد يقال أن  كتاب (فقه الرضا) المطبوع المتداول هو نفس كتاب (التكليف) للشلمغاني.

انظر: كتاب معرفة الحديث للبهبودي ص 312، وقاموس الرجال للتستري ج 9 ص 448. هامش البحار ج 51 ص 375 وكتاب التكليف للشلمغاني المعروف بابن العزاقر كان معروفاً إلى القرن التاسع الهجري ينقل عنه حيث نقل ابن أبي جمهور الأحسائي في كتابه عوالي اللئالي ج 1 ص 314 ح 35 و 36 من الباب الأول من المسلك الأول في الأحاديث الفقهية الحديثين المتقدمين واللذان يخالفان ما عليه الإمامية ..

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين


 

[1] الكافي ج: 3 ص: 422 في الصحيح عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام فِي خُطْبَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ.

[2] مجمع البيان في تفسير القرآن، ج‏6، ص: 585.

[3] مجمع البيان في تفسير القرآن، ج‏6، ص: 585

[4] مجمع البيان في تفسير القرآن، ج‏1، ص: 118

[5] النحل (16): 90.

[6] في «ظ، بخ»: « ثمّ تقول».

[7] في «ظ، بس»: «يذكّر». وفي «ى»: «يذكّر». وفي «بح، جن»: «يذكر».

[8] الكافي (الطبعة الحديثة)، ج‏6، ص: 473 رقم 5471 ، الوافي، ج 8، ص 1148، ح 7932.

[9] يمكن أن تكون عبارة "تعدلوا" اشتقاقا إما من مادة "العدالة" أو من مادة "العدول" فإن كانت من مادة "العدالة" يكون معنى الجملة القرآنية هكذا: فلا تتبعوا الهوى لأن تعدلوا أي لكي تستطيعوا تحقيق العدل، وأما إذا كانت من مادة "العدول" يكون المعنى هكذا: فلا تتبعوا الهوى في أن تعدلوا أي لا تتبعوا الهوى في سبيل الانحراف عن الحق.

[10]  الخصال للشيخ الصدوق ص 51 و سفينة البحار ج 8 ص 728 مادة هوى .

[11] الكافي ج 2 ص 335 باب إتباع الهوى.

[12] تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم رقم 4875.

[13]  المائدة.

[14]  تفسير الأمثل.

[15] زبدة التفاسير، ج‏2، ص: 172.

[16] زبدة التفاسير، ج‏2، ص: 230.

[17]  زيادة منا يقتضيها السياق .

[18] نهج‏البلاغة ص : 429.

[19] حكم النبي الأعظم صلى الله عليه وآله ج ص 331 من ح 5719 إلى 5743.

[20] موسوعة الإمام علي في الأخلاق.

[21] في غوالي اللئالي (على مسلم) وجعل (مؤمن) نسخة بدل.

[22]  عوالي اللئالي ج 1 ص 315 باب الأول من الأحاديث المتعلقة بأبواب الفقه المسلك حديث 53 نقل هذا الحديث عن كتاب الشلمغاني قال وروي في كتاب التكليف لابن أبي العزاقر رواه عن العالم .... ) وعنه في البحار ج 101 ص 309.

[23] فقه‏الرضا (ع) ص : 307 . ولعله خارج عن الرواية.

[24] انظر: غوالي اللئالي  ج 1 ص 315 .

[25]  هذا ما جاء في الفقه الرضا ص 308 وقال : في غوالي اللئالي : وروى أيضاً صاحب هذا الكتاب عن العالم عليه السلام قال: ....

[26]  في فقه الرضا : عنه.

[27]  التوى: مقصوراً ويمد ، هلاك المال ، يقال : توى المال ، بالكسر توى وتواء هلك ( مجمع البحرين ) ..

[28] عوالي اللئالي ج 1 ص 315 باب الأول من الأحاديث المتعلقة بأبواب الفقه المسلك حديث 53 نقل هذا الحديث عن كتاب الشلمغاني قال وروي في كتاب التكليف لابن أبي العزاقر ، وفقه الرضا ص 308 ، الغيبة للشيخ الطوسي ص  409 ح 383 وعنه في البحار ج 53 ص 375 ومستدرك الوسائل ج 17 ص 447 ح 21828. ، وعن غوالي اللئالي في البحار ج 101 ص 310 .

[29] كتاب الغيبة للطوسي ص 409  رقم 383

[30] هامش عوالي اللئالي ج 1 ص 315

[31] انظر المؤامرة الكبرى على مدرسة أهل البيت فقد أشرت إلى جملة من تلك الحاضنات هناك.

[32] بحار الأنوار ج : 2 ص : 49 ، وفي ألفاظ قريبة منه موجود في : كنز العمال  ج 10 ص 191 ح 29007 ، الفوائد لتمام الرازي ج 2 ص 196 ، فيض القدير ج 4 ص 209 ، التيسير بشرح الجامع الصغير ج 2 ص 94 ، الفردوس بمأثور الخطاب ج 2 ص 402 ، فضيلة العادلين ج 1 ص 149 ، جامع بيان العلم وفضله ج 1 ص 184 ، الآداب الشرعية ج 1 ص 202 .

[33] رجال النجاشي.

[34] رجال الطوسي ص 448 باب من لم يرو عن واحد من الأئمة  رقم 114 والرقم العام 6364.

[35] فهرست كتب الشيعة وأصولهم ص 414 رقم 628 .

[36]  الغيبة للطوسي ص 408 رقم 381 .