1422هـ

1423هـ

1424هـ

1425هـ

1426هـ

1427هـ

1428هـ

1429هـ

1430 هـ

 

 

     الرسول الأعظم في القرآن (8)  

 

 

12 / 5 / 1430 هـ

8 / 5 / 2009 م

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِي اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ . وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ انْتَجَبَهُ لِوَلَايَتِهِ وَاخْتَصَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَأَكْرَمَهُ بِالنُّبُوَّةِ أَمِيناً عَلَى غَيْبِهِ وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ

قال تعالى : {أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَ وَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِى أَنقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَ رَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (7) وَ إِلىَ‏ رَبِّكَ فَارْغَب (8) }

شرح المفردات

الشرح: البسط و التوسعة، و العرب تطلق عظم الصدر و تريد به القوة و عظيم المنة و المسرة و انبساط النفس، و يفخرون بذلك في مدائحهم، من قبل أن سعة الصدر تعطى الأحشاء فسحة للنمو و الراحة، و إذا تم ذلك للمرء كان ذهنه حاضرا لا يضيق ذرعا بأمر .

 و الوزر: الحمل الثقيل، و أنقض: أي أثقل، و الظهر إذا أثقله الحمل سمع له نقيض، أي صوت خفي. [1]

الموهبة الثانية للرسول

 قوله : { وَ وَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ }

و الوزر في اللغة : الثقل ،  و منه اشتق اسم الوزير لتحمله أثقال الملك أو رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية . و إنما سميت الذنوب أوزاراً لما فيها من العقاب العظيم الذي يتحمله الإنسان .

قال الطبرسي : أي و حططنا عنك وزرك {الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} أي أثقله حتى سمع له نقيض أي صوت عن الزجاج قال: و هذا مثل معناه أنه لو كان حملا لسمع نقيض ظهره .

و قيل : إن المراد به تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها سهل الله ذلك عليه حتى تيسر له و من عليه بذلك عن أبي عبيدة و عبد العزيز بن يحيى .

و قيل : معناه و أزلنا عنك همومك التي أثقلتك من أذى الكفار فشبه الهموم بالحمل و العرب تجعل الهم ثقلا عن أبي مسلم .

و قيل معناه و عصمناك عن احتمال الوزر فإن المقصود من الوضع أن لا يكون عليه ثقل فإذا عصم كان أبلغ في أن لا يكون .

 قال المرتضى قدس الله روحه إنما سميت الذنوب بأنها أوزار لأنها تثقل كاسبها و حاملها فكل شي‏ء أثقل الإنسان و غمه و كده جاز أن يسمى وزرا فلا يمتنع أن يكون الوزر في الآية إنما أراد به غمه صلى الله عليه وآله بما كان عليه قومه من الشرك وأنه وأصحابه بينهم مقهور مستضعف فلما أعلى الله كلمته و شرح صدره و بسط يده خاطبه بهذا الخطاب تذكيرا له بمواقع النعمة ليقابله بالشكر و يؤيده ما بعده من الآيات فإن اليسر بإزالة الهموم أشبه و العسر بإزالة الشدائد و الغموم أشبه .[2]

أذية الصحابة أذية لرسول الله

قال الطوسي : معنى الآية هو أن اللَّه تعالى لما بعث نبيه و أوحى إليه و انتشر أمره و ظهر حكمه كان ما كان من كفار قومه و تتبعهم لأصحابه بأذاهم له و تعرضهم إياهم ما كان يغمه و يسوؤه و يضيق صدره و يثقل عليه، فأزال اللَّه ذلك بأن أعلى كلمته و أظهر دعوته و قهر عدوه. و أنجز وعده و نصره على قومه، فكان ذلك من أعظم المنن و أجزل النعم. [3]

وهنا ينبغي أن نقف وقفة تأمل في كلام شيخ الطائفة الشيخ الطوسي وهو يذكر أن سبب تألم النبي وهمه وغمه وحزنه والثقل الذي على ظهره هو أن المشركين كانوا يؤذون صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله فبأذيتهم لهم كان يتأذى رسول الله وكان يحمل لأجل ذلك وزراً وثقلا ، ولكن الله سبحانه بلطفه وعنايته برسوله خفف عنه هذا الوزر ووضع عنه الذي أنقض ظهره .

فكلام الشيخ الطوسي يبين أن العامل الرئيسي في حمل الوزر والثقل هو ما كان يسمعه النبي من أذية المشركين لبعض أصحابه وهذا يسبب الهمَّ والغمَّ له ، وهذا مدح وثناء لصحابة رسول الله صلى الله عليه وآله والاعتزاز بهم وأن أذيتهم تؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله . 

وقال المراغي : {وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} أي حططنا عنك ما أثقل ظهرك من أعباء الرسالة حتى تبلغها، فجعلنا التبليغ عليك سهلا، و نفسك به مطمئنة راضية، و لو قوبلت بالإساءة ممن أرسلت إليهم، كما يرضى الرجل بالعمل لأبنائه و يهتم بهم، فالعب‏ء مهما ثقل عليه يخففه ما يجيش بقلبه من العطف عليهم، و الحدب على راحتهم، و يتحمل الشدائد و هو راض بما يقاسى في سبيل حياطتهم و تنشئتهم. [4]

«انقض» من (النقض) أي حلّ عقدة الحبل، أو فصل الأجزاء المتماسكة من البناء، و «الانتقاض» صوت انفصال أجزاء البناء عن بعضها، أو صوت فقرات‏ الظهر حين تنوء بعب‏ء ثقيل.

و الكلمة تستعمل أيضا في نكث العهود و عدم الالتزام بها، فيقال نقض عهده.

و الآية تقول إذن، اللّه سبحانه وضع عنك أيّها النّبي ذلك الحمل الثقيل القاصم الظهر.

و أي حمل وضعه اللّه عن نبيّه؟

القرائن في الآيات تدل على أنّه مشاكل الرسالة و النّبوّة و الدعوة إلى التوحيد و تطهير المجتمع من ألوان الفساد، و ليس نبيّ الإسلام وحده بل كلّ الأنبياء في بداية الدعوة واجهوا مثل هذه المشاكل الكبرى ، و تغلبوا عليها بالإمداد الإلهي وحده، مع فارق في الظروف، فبيئة الدعوة الإسلامية كانت ذات عقبات أكبر و مشاكل ... نزوله. [5]

الموهبة الثّالثة للرسول

يقول سبحانه :{ وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ } فاسمك يا محمد مع اسم الإسلام و القرآن وهو قد ملأ الآفاق، و أكثر من ذلك اقترن اسمك باسم اللّه سبحانه في الأذان يرفع صباح مساء على المآذن. و الشهادة برسالتك لا تنفك عن الشهادة بتوحيد اللّه في الإقرار بالإسلام و قبول الدين الحنيف.

قال الطبرسي : { وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ } أي قرنا ذكرك بذكرنا حتى لا أذكر إلا و تذكر معي يعني في الأذان و الإقامة و التشهد و الخطبة على المنابر عن الحسن و غيره ، قال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا و الآخرة فليس خطيب و لا متشهد و لا صاحب صلاة إلا و ينادي بأشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا رسول الله ، وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله في هذه الآية قال : قال لي جبرائيل قال الله عز و جل : ( إذا ذكرتُ ذكرتَ معي‏ ) .

و في هذا يقول حسان بن ثابت يمدح النبي صلى الله عليه وآله:

أغـر عليه للنبـوة خــاتم       من الله مشهور يلوح و يشهد

و ضم الإله اسم النبي إلى اسمه       إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

و شق لـه من اسمـه ليجلـه      فذو العرش محمود و هذا محمد. [6]

الموهبة الرابعة لرسول الله

يسر بعد العسر ورخاء بعد الشدة :

يواصل الطبرسي كلامه بقوله : ثم وعد سبحانه اليسر و الرخاء بعد الشدة و ذلك أنه كان بمكة في شدة قال {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} أي مع الفقر سعة عن الكلبي و قيل معناه أن مع الشدة التي أنت فيها من مزاولة المشركين يسرا و رخاء بأن يظهرك الله عليهم حتى ينقادوا للحق الذي جئتهم به طوعا أو كرها ثم كرر ذلك فقال {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} روى عطاء عن ابن عباس قال يقول الله تعالى : (  خلقت عسرا واحدا و خلقت يسرين فلن يغلب عسر يسرين‏ )

وعن الحسن قال خرج النبي صلى الله عليه وآله يوما مسرورا فرحا و هو يضحك و يقول : ( لن يغلب عسر يسرين‏ )[7]

و التعبير بكلمة (لك) تأكيد على رفعة ذكر النبيّ رغم كل عداء المعادين و موانع الصّادين.

وقال المراغي : {وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ} أي و جعلناك عالي الشأن، رفيع المنزلة، عظيم القدر، و أيُّ منزلة أرفع من النبوة التي منحكها اللّه؟ و أي ذكر أنبه من أن يكون لك في كل طرف من أطراف المعمورة أتباع يمتثلون أوامرك، و يجتنبون نواهيك، و يرون طاعتك مغنما، و معصيتك مغرما.

و هل من فخار بعد ذكرك في كلمة الإيمان مع العلىّ الرحمن؟ و أي ذكر أرفع‏ من ذكر من فرض اللّه على الناس الإقرار بنبوته، و جعل الاعتراف برسالته بعد بلوغ دعوته، شرطا في دخول جنته.

هذا إلى أنه صلى اللّه عليه و سلم أنقذ أمما كثيرة من رقّ الأوهام، و فساد الأحلام، و رجع بهم إلى الفطرة الأولى من حرية العقل و الإرادة، و الإصابة في معرفة الحق، و معرفة من يقصد بالعبادة، فاتحدت كلمتهم في الاعتقاد بإله واحد بعد أن كانوا متفرقين طرائق قددا، عبّاد أصنام و أوثان، و شموس و أقمار، لا يجدون إلى الهدى سبيلا، و لا للوصول إلى الحق طريقا فأزاح عنهم تلك الغمّة، و أنار لهم طريق الهدى و الرشاد.[8]

والسؤال الذي يطرح نفسه : الآية تتحدث عن أمور في المدينة المنورة بينما السورة مكية فكيف نجمع بين هذين الأمرين ؟.

والجواب :  أنّ قسما من هذه الأمور قد تحقق في مكّة خاصّة في أواخر السنين الثلاث عشرة الأولى من الدعوة قبل الهجرة، تغلغل الإيمان في قلوب كثير من النّاس و خفّت وطأة المشاكل، و ذاع صيت النّبي في كلّ مكان، و تهيأت الأجواء لانتصارات أكبر في المستقبل.

قال الطبرسي : فإن قيل أن السورة مكية نزلت قبل أن يعلي الله كلمة الإسلام فلا وجه لقولكم ؟

 قلنا أنه سبحانه لما بشره بأن يعلي دينه على الدين كله و يظهره على أعدائه كان بذلك واضعا عنه ثقل غمه بما كان يلحقه من أذى قومه و مبدلا عسره يسرا فإنه يثق بأن وعد الله حق و يجوز أيضا أن يكون اللفظ و إن كان ماضيا فالمراد به الاستقبال كقوله { وَ نادى‏ أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ }{ وَ نادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ } و لهذا نظائر كثيرة .[9]

اليسر بعد العسر قاعدة عامة

قال تعالى :{ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً } و يأتي التأكيد الآخر: { إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً } لا تغتمّ أيّها النّبي، فالمشاكل و العقبات لا تبقى على هذه الحالة، و دسائس الأعداء لن تستمر، و شظف العيش و فقر المسلمين سوف لا يظلّ على هذا المنوال.

 الذي يتحمل الصعاب، و يقاوم العواصف سوف ينال يوما ثمار جهوده، و ستخمد عربدة الأعداء، و تحبط دسائسهم، و يتمهّد طريق التقدم و التكامل و يتذلل طريق الحق.

بعض المفسّرين ذهب إلى أنّ هذه الآيات تشير إلى فقر المسلمين في معيشتهم خلال الفترة الأولى من الدعوة، لكن المفهوم الواسع للآيات يستوعب كلّ ألوان المشاكل. أسلوب الآيتين يجعلهما لا تختصان بشخص النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بزمانه، بل بصورة قاعدة عامّة مستنبطة ممّا سبق. و تبشّر كلّ البشرية المؤمنة المخلصة الكادحة، و تقول لها: كلّ عسر إلى جانبه يسر، و لم ترد في الآية كلمة «بعد» بل «مع» للدلالة على الاقتران.

نعم، كلّ معضلة ممزوجة بالانفراج، و كلّ صعوبة باليسر، و الاقتران قائم بين الإثنين أبدا.

و هذا الوعد الإلهي يغمر القلب نورا و صفاء. و يبعث فيه الأمل بالنصر، و يزيل غبار اليأس عن روح الإنسان .[10]

ونقل الطبرسي عن بعض المفسرين : {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} و تأويله لا يحزنك ما يقولون و ما أنت فيه من الإقلال فإن مع العسر يسرا في الدنيا عاجلا ثم أنجز ما وعده فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز و ما والاها من القرى العربية و عامة بلاد اليمن فكان يعطي المائتين من الإبل و يهب الهبات السنية و يعد لأهله قوت سنته .

ثم ابتدأ فصلا آخر فقال {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} و الدليل على ابتدائه تعريه من فاء ، و واو ، وهو وعد لجميع المؤمنين لأنه يعني بذلك أن مع العسر في الدنيا للمؤمن يسرا في الآخرة و ربما اجتمع له اليسران يسر الدنيا و هو ما ذكر في الآية الأولى و يسر الآخرة و هو ما ذكر في الآية الثانية .

فقوله (ص) : ( لن يغلب عسر يسرين‏ ) أي يسر الدنيا و الآخرة فالعسر بين يسرين أما فرج الدنيا و أما ثواب الآخرة و هذا الذي ذكره الجرجاني يؤيد ما ذهب إليه المرتضى قدس الله روحه من أن القائل إذا قال شيئا ثم كرره فإن الظاهر من تغاير الكلامين تغاير مقتضاهما حتى يكون كل واحد منهما مفيدا لما لا يفيده الآخر فيجب مع الإطلاق حمل الثاني على غير مقتضى الأول إلا إذا كان بين المتخاطبين عهد أو دلالة يعلم المخاطب بذلك أن المخاطب أراد بكلامه الثاني الأول فيحمله على ذلك و أنشد أبو بكر الأنباري:

إذا بلـغ العسر مجهـوده        فثق عند ذاك بيسر سريع‏

أ لم تر نحس الشتاء الفظيع        يتلوه سعـد الربيع البديع‏

و أنشد إسحاق بن بهلول القاضي:

فلا تيأس و إن أعسرت يوما       فقد أيسرت في دهر طويل‏

و لا تظنن بربك ظن سـوء       فـإن الله أولى بـالجميل‏

فـإن العسـر يتبعه يسـار      و قول الله أصدق كل قيل‏ [11]

الثقة بالله في النصر

تقدم الحديث معنا في حلقات سابقة من أن النصر من عند الله سبحانه ويجب على العبد أن يحول هذا الاعتقاد من مجرد الجانب النظري إلى الجانب العملي حتى يعطي ثماره والحديث التالي يبين مفعول هذا الاعتقاد مع العمل فقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال مخاطباً عبد الله بن عباس وفي رواية الفضل بن عباس وفي ثالثة أبا ذر  :

احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ، وَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ‏ .

تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ .

 إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ ، وَ إِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ، فَقَدْ مَضَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ ، فَلَوْ جَهَدَ النَّاسُ أَنْ يَنْفَعُوكَ بِأَمْرٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ لَكَ  لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ، وَ لَوْ جَهَدُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِأَمْرٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ؛ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعْمَلَ بِالصَّبْرِ مَعَ الْيَقِينِ فَافْعَلْ ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَاصْبِرْ فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْراً كَثِيراً ، وَ اعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ ، وَ أَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ ، وَ أَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً { إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً } [12]

في هذا الحديث الشريف عدة نقاط مضيئة ينبغي الوقوف عندها :

1-   الأمر بحفظ الله : ومن المعلوم أن الله سبحانه هو الغني المطلق الذي لا يحتاج إلى أحد أن يحفظه وهو الحافظ لغيره والتعبير هنا مثل التعبير القرآني بقوله تعالى { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً  } (البقرة: من الآية245) وقوله { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ }  (الحديد:11) فالفائدة ترجع للعبد لا إلى الله ، والمراد بحفظ الله هنا هو حفظ دينه الذي أرسل به رسله ، حفظ القيم والأخلاق التي دعا  إليها وأن يكون مع الله في أوامره ونواهيه  وأن يذكر الله سبحانه في كل شيء يريد أن يفعله ولا ينساه وحينئذ فالله  يحفظه ويصنه عن المكاره ،  قال في الوافي : ( أريد بحفظ الله ، رعاية أوامره ونواهيه وتذكر المعرفة بكونه تعالى رقيباً عليه ، وبحفظ الله إياه إعانته له عند أوامره ونواهيه بالتوفيق والتسديد ) [13] .

2-   التعرف على الله واللجوء إليه : ( أول الدين معرفته ) لا بد للعبد من التعرف على الله واللجوء إليه في كل صغيرة وكبيرة ليس في حال الشدة فقط بل يجب أن يكون ذلك في حال الرخاء أيضاً قال في الوافي : (  أريد بتعرفه إلى الله سبحانه ذكره إياه ومسألته كرة بعد أولى ، وبمعرفة الله إياه استجابته له أو معاملته معه معاملة العارف به المعارف له ) [14] .

3-   أن المسألة والدعاء والاستعانة مختصة ومنحصرة بالله فقط وفقط  قال تعالى : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [15] ولا يُدعى ولا يُستعان ولا يُسأل أحد على نحو الاستقلال لا نبي ولا رسول ولا إمام ولا ولي فإن هؤلاء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً  قال تعالى مخاطباً لنبيه الكريم { قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ  } [16] فقوله ( إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ ، وَ إِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ، فَقَدْ مَضَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ) أي أن الأمر كله بيد الله سبحانه ليس لغيره تبديل ولا تغيير فيه والدعاء والاستعانة من جملة ما قدره وحكم به [17] .

4-   هذا الحديث يشير إلى أن المالك الحقيقي  المتصرف في عباده الضار النافع هو الله وحده لا شريك له أحد من خلقه { لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ  }[18]  {  يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ  } [19]

5-        الحديث يقرر حقيقة قرآنية من النصر مع الصبر وأنه  بيد الله . – وقد تقدم الحديث عن ذلك بشكل مفصل.

6-   الحديث يؤكد على ما ذكره القرآن من قاعدة عامة وهي أن الفَرَج يأتي بعد الشدة وأن مع العُسر يسراً  وهذه الحقيقة سنة من سنن الله سبحانه في عباده لا تختص برسول الله صلى الله عليه وآله بل تشمل جميع أمته بل الإنسانية كلها وأن مع العسر يسراً وهي التي تحدثت عنها الآية المباركة وأكدتها مرة ثانية .

الدعوة إلى العمل

الإسلام يدعو إلى الجد والاجتهاد والمثابرة على العمل ويندد بالكسل والبطالة والفراغ المضيع لعمر الإنسان وحياته ويخسر الهدف من حياته في هذه الدنيا سواء فيما يصلح شئنه المادي أو المعنوي فها هو المولى يخاطب حبيبه المصطفى فيقول : { فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ } أي إذا انتهيت من أداء عمل وأمر مهم فابدأ بمهمّة أخرى، فلا مجال للبطالة و العطل. كن دائما في سعي مستمر و مجاهدة دائمة، و اجعل نهاية أية مهمّة بداية لمهمّة أخرى.

{ وَ إِلى‏ رَبِّكَ فَارْغَبْ } أي فاعتمد على اللّه في كلّ الأحوال.

اطلب رضاه، واسع لقربه.

قال الطبرسي :  { فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَ إِلى‏ رَبِّكَ فَارْغَبْ } معناه فإذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء و أرغب إليه في المسألة يعطك عن مجاهد و قتادة و الضحاك و مقاتل و الكلبي و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام )

و معنى انصب من النَّصَب و هو التعب أي لا تشتغل بالراحة .

و قال الزهري: إذا فرغت من الفرائض فادع بعد التشهد بكل حاجتك .

وقال الصادق (عليه السلام ) هو الدعاء في دبر الصلاة و أنت جالس‏ .

و قيل : معناه فإذا فرغت من  الفرائض فانصب في قيام الليل عن ابن مسعود .

 و قيل:  معناه فإذا فرغت من دنياك فانصب في عبادة ربك و صل عن مجاهد و الجبائي .

 و قيل : فإذا فرغت من الفرائض فانصب فيما رغبك الله فيه من الأعمال و صل عن ابن عباس .

 و قيل : إذا فرغت من جهاد أعدائك فانصب بالعبادة لله عن الحسن و ابن زيد .

و قيل : فإذا فرغت من جهاد الأعداء فانصب بجهاد نفسك .

و قيل : إذا فرغت من أداء الرسالة فانصب لطلب الشفاعة .

و سئل علي بن طلحة عن هذه الآية فقال : القول فيه كثير و قد سمعناه أنه يقال إذا صححت فاجعل صحتك و فراغك نصبا في العبادة ، و يدل على هذا ما روي أن شريحا مر برجلين يصطرعان فقال: ليس بهذا أمر الفارغ إنما قال الله سبحانه { فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَ إِلى‏ رَبِّكَ فَارْغَبْ } أي فارفع حوائجك إلى ربك و لا ترفعها إلى أحد من خلقه .

و قال عطاء: يريد تضرع إليه راهبا من النار و راغبا إلى الجنة [20]

هذه الأقوال التي نقلها الطبرسي وغيره في الحقيقة إنما هي أمثلة ومصاديق للمفهوم العام ، والصحيح أن الآيتين لهما مفهوم واسع عام يقضي بالبدء بمهمّة جديدة بعد الفراغ من كلّ مهمّة يقوم بها الإنسان ولا يقف عند انتهاء مهمته . و بالتوجه نحو اللّه في كلّ المساعي و الجهود . ولا تختص بالرسول الأعظم صلى الله عليه وآله .

        قال الشيخ الطوسي : و الخطاب و إن كان متوجهاً إلى النبي صلى اللَّه عليه و آله فالمراد به جميع المكلفين من أمته، و الفراغ انتفاء كون الشيء المضاد لكون غيره في المحل. و نقيضه الشغل، و هو كون الشيء المضاد في المحل و منه أخذ شغل الأفعال، و لهذا لا يوصف تعالى بأنه يشغله شي‏ء عن شي‏ء، لأنه تعالى يخترع ما شاء من الأفعال. [21]

و قوله {وَ إِلى‏ رَبِّكَ فَارْغَبْ} حث له على الرغبة في الطلب من الله تعالى دون غيره.

( و بإيجاز، هذه السّورة تبيّن بمجموعها عناية ربّ العالمين الخاصّة للنّبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و تسلية قلبه أمام المشاكل، و وعده بالنصر أمام عقبات الدعوة، و هي في الوقت ذاته تحيي الأمل و الحركة و الحياة في جميع البشرية المهتدية بهدى القرآن )  [22]

كما عرفنا فيما تقدم من سورة الضحى وسور أخرى وآيات عديدة في القرآن الكريم تمدح النبي وتبجله وتعظمه وتفهم الآخرين بذلك وتدعوهم إلى الاهتداء بهديه والعمل على منهاجه والتخلق بأخلاقه ومع هذا كله فالمولى يطالبه بالتقيد بأوامره ونواهيه .

الالتزام بالقانون الإلهي

الرسول الأعظم هو أول من يلتزم بالأوامر الإلهية ويتقيد بها بحذافيرها بلا زيادة أو نقيصة في القول والفعل والترك بل يأخذ نفسه بأشق الأحوال والمولى سبحانه يقسم بالنجم وأن ما يقوله محمد بن عبد الله حق وصدق وأنه من عند الله وليس من عند نفسه قال تعالى :

{ وَ النَّجْمِ إِذَا هَوَى‏(1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكمُ‏ْ وَ مَا غَوَى‏(2) وَ مَا يَنطِقُ عَنِ الهَْوَى(3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى‏(4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى‏(5) } .

التشديد على الصدق حتى من الرسول :

قال تعالى : { فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ(38) وَ مَا لَا تُبْصِرُونَ(39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ(40) وَ مَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ  قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ(41) وَ لَا بِقَوْلِ كاَهِنٍ  قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ(42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبّ‏ِ الْعَالَمِينَ(43) وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ(44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ(45) ثمُ‏َّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ(46) فَمَا مِنكمُ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ(47) } .

 فالحق أحق أن يتبع وأن الباطل والكذب والاختلاق مبغوض ومرفوض من أي أحد – حتى ولو كان من باب فرض المحال – أنه صدر من رسول الله صلى الله عليه وآله وتَقَوَّله على الله أي اختلقه فإن الله سبحانه سوف ينتقم منه ويأخذه باليمين ثم لقطع منه شريان القلب الذي يضخ إلى كل الأعضاء حيث يؤدي به إلى الموت والقضاء عليه وإنهاء وجوده .  

هذا حال الرسول لو تقول على الله وقال بالقول الباطل فكيف بغيره . فهل يصح للآخرين أن يتقولوا على الله أو على رسوله أو على أئمة الهدى عليهم السلام ويدخلوا في الدين ما ليس منه أو يخرجوا ما هو منه مهما كانت المبررات كالحفاظ على الدين أو المذهب أو الشعائر الإسلامية أو الشعائر الحسينية [23]، إنما ينتشر باسم الإسلام من الإرهاب الفكري والعسكري والحقد والعداء للآخرين وسفك دماء المسلمين هو أبعد ما يكون من الدين [24] وكذلك ما إلصاق بمذهب أهل البيت عليهم السلام من كذب وتزوير وخرافات شوهت صورت هذا المذهب النقي [25].

الخطبة الثانية

ذكرى وفاة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام .

ضياع الحقيقة : في وفاتها عليها السلام .

ضاعت كثير من الحقائق وتبدلت وتغيرت بين السياسة والاضطهاد وقلب الحقائق والمزايدات والأكاذيب والتجهيل والمصالح الشخصية والفئوية تحت هذه العناوين وغيرها ضاع الكثير إن مثالا واحداً كشاهد على ما نقول هو الاختلاف في  تاريخ وفاتها ، ومدة بقائها بعد أبيها ، ومدة مرضها ، ومقدار عمرها الشريف ، وإليك ما نقله السيد محسن الأمين :

الأقوال في تاريخ وفاتها :

1- توفيت في الثالث من جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة من الهجرة على المشهور بين أصحابنا و هو المروي عن الصادق" ع".

2- و روي انها توفيت لعشر بقين من جمادى الآخرة.

3-  و قيل لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر ليلة الأحد.

4-  و عن ابن عباس في الحادي و العشرين من رجب .

5- و قال المدائني و الواقدي و ابن عبد البر في الاستيعاب توفيت ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان.

6-  و روى الحاكم في المستدرك أنها توفيت لثلاث خلون من شهر رمضان. [26]

الاختلاف في مدة بقائها بعد أبيها :

وقال السيد الأمين : و اختلف في مدة بقائها بعد أبيها صلى الله عليه وآله :

1-  فقيل أربعون يوما و يمكن كونه اشتباها بمدة مرضها .

2- و قيل خمسة و أربعون يوما .

3- و قيل شهران رواه الحاكم في المستدرك بسنده عن عائشة و عن جابر.

4-  و قيل سبعون يوما حكاه ابن عبد البر في الاستيعاب عن ابن بريدة.

5- 6-  و قيل اثنان و سبعون يوما. و قيل و نصف يوم.

7- و قيل خمسة و سبعون حكاه ابن عبد البر في الاستيعاب.

8- و قيل خمسة و ثمانون.

9- و قيل ثلاثة أشهر و هو الذي اعتمده أبو الفرج الاصبهاني و رواه مسندا عن الباقر" ع" و عزاه في الاستيعاب إلى إحدى الروايتين عن الباقر" ع" و قال الحاكم في المستدرك انه روي عن أبي جعفر محمد بن علي" اه" و هو الذي يقتضيه الجمع بين ما روي عن الباقر" ع" ان بدء مرضها بعد خمسين ليلة من وفاة النبي (ص) و ما يفهم من بعض الاخبار انها بقيت مريضة أربعين يوما .

10- و قيل خمسة و تسعون يوما و هو الذي اعتمده الدولابي في الذرية الطاهرة و يقتضيه الجمع بين ما هو المشهور من أن وفاته ص في الثامن و العشرين من صفر و وفاتها في الثالث من جمادى الآخرة.

11- و قيل مائة يوم حكاه ابن عبد البر في الاستيعاب و هو الذي اعتمده الشهيد في الدروس.

12-  أو نحو من مائة يوم .

13- أو أربعة أشهر.

14- أو ستة أشهر رواه الحاكم في المستدرك و أبو نعيم في الحلية بسنديهما عن عائشة. و في الاستيعاب توفيت بعد رسول الله ص بيسير قال محمد بن علي أبو جعفر بستة أشهر و هو الثابت عندنا و روي عن ابن شهاب مثله" اه" .

15-  و قيل ستة أشهر إلا ليلتين حكاه ابن عبد البر في الاستيعاب .

16- و قيل ثمانية أشهر حكاه ابن عبد البر عن عمرو بن دينار و رواه الحاكم في المستدرك عن عبد الله بن الحارث. و يدل كلام الاستيعاب و مقاتل الطالبيين على انه لم يقل أحد بأكثر من ثمانية أشهر و لا بأقل من أربعين يوما .

 و المروي صحيحا من طرق أهل البيت (ع) أنها بقيت بعده صلى الله عليه وآله خمسة و سبعين يوما و تدل عليه أكثر الروايات. و يشكل الجمع بين ذلك و بين المشهور عند أصحابنا من أن وفاة النبي(ص) في الثامن و العشرين من صفر إذ تكون وفاتها على هذا في الثالث عشر من جمادى الأولى لا في الثالث من جمادى الآخرة فالجمع بين المشهور في وفاة النبي (ص) و المشهور في وفاتها و مدلول الرواية الصحيحة غير ممكن و لا يبعد ان يكون الصواب خمسة و تسعين يوما فصحف تسعين بسبعين لتقارب حروفهما و عدم النقط غالبا في الخطوط القديمة فيرتفع التنافي و هي يومان من صفر و ثلاثة من جمادى الآخرة فهذه خمسة و الربيعان و جمادى الأولى تسعون يوما فهذه خمسة و تسعون يوما و ربما يعضده رواية الثلاثة الأشهر فان الخمسة الأيام يتسامح فيها.

الاختلاف في مدة مرضها :

و أما مدة مرضها :

1- فقال ابن شهرآشوب في المناقب روي انها ما زالت بعد أبيها معصبة الرأس (إلى أن قال) ثم مرضت و مكثت أربعين ليلة ثم قضت نحبها و ظاهره انها مكثت أربعين ليلة مريضة إلا أنها مكثت بعد أبيها أربعين ليلة .

2- و عن الباقر (ع )انها مكثت في مرضها خمسة عشر يوما و توفيت.

الاختلاف في مدة عمرها :

1- و كان عمرها صلوات الله عليها و على أبيها عند وفاتها ثماني عشرة سنة .

2- و قيل ثماني عشرة سنة و شهرين .

3- و قيل [ 18]و سبعة أشهر هذا على القول بأنها ولدت بعد المبعث بخمس سنين .

4- و على القول بأنها ولدت بعده بسنتين يكون عمرها إحدى و عشرين سنة و هو الذي رواه الحاكم في المستدرك بسنده عن أم الحسن بنت أبي جعفر محمد بن علي عن أخيها جعفر بن محمد قال: ماتت فاطمة و هي ابنة إحدى و عشرين و ولدت على رأس إحدى و أربعين من مولد النبي (ص ).

5- و على قول الاستيعاب في مولدها انه بعد البعثة بسنة يكون عمرها اثنتين و عشرين سنة .

6- و على القول بأنها ولدت قبل المبعث بخمس سنين كما هو قول أكثر علماء أهل السنة يكون عمرها ثماني و عشرين سنة.

7-  و عن المدائني ماتت و لها تسع و عشرون سنة .

8- و عن الزبير بن بكار عن عبد الله بن الحسن ثلاثون سنة" اه" [27].

إن هذه الاختلافات وتعدد الاقوال في قضية تاريخية ثابتة وأمام أعين الناس وإن دفنت ليلا إلا أن وفاتها معلومة لدى الجميع ومع هذا نرى الاختلاف الكبير العريض وتعدد الأقوال فكيف في أمور أخرى تتشابك فيها المصالح السياسية مع المصالح الشخصية فمن باب أولى تخفى الحقيقة فيها .

من يريد أن يضيع الحقيقة في قبرها :

والبعض لم يكتف بتضييع الحقيقة في تاريخ وفاتها ومدة مرضها وعمرها بل يريد أن يضيع الحقيقة حول موضع قبرها فيتعمد التجهيل وأن قبرها غير معلوم بحجج واهية أوهى من بيت العنكبوت

لا لشيء إلا ضياع الحقيقة وتسويق بعض المصالح الشخصية بحجة المظلومية . مع أن علمائنا الأبرار قالوا بدفنها في منزلها كالشيخ الصدوق والسيد ابن طاووس وصاحب المدارك وغيرهم [28]

كيف نتعرف على فاطمة عليها السلام ؟ .

من هي فاطمة وما الذي تريده فاطمة ؟.

كيف نحفظ فاطمة ؟ .

كيف نستفيد من فاطمة عليها السلام ؟.

هل عرفنا أنفسنا إلى فاطمة في حالة الشدة والرخاء ؟

أسئلة كثيرة تحتاج إلى جواب مقنع .

ظاهرة التكفير :

ظاهرة التكفير ابتدأت من أوائل القرن الأول الهجري عندما كفر الخوارج أمير المؤمنين عليه السلام والحسن والحسين عليهما السلام كما كفروا طلحة والزبير وعائشة وبعضهم كفر عثمان أيضاً وبعض الفرق كـ( الكاملية ) التي كفرت جميع الصحابة بما فيهم أمير المؤمنين عليه السلام والخلفاء الثلاثة .

التكفير المتبادل :

ظاهرة التكفير وسيلة العاجز عن إقناع الطرف الآخر بما لديه من أفكار دينية أو سياسية أو فكرية أو عقدية وتكشف ظاهرة التكفير أن المكَفِّر يعوزه الدليل الصحيح فيلجئ إلى التكفير لأنه مفلس أو يكشف عن جهله بالموضوع الذي يريد أن يطرحه أو السياسة تريد أن تسوق سياستها فتوعز إلى من يلعب هذه اللعبة .

لقد شاعت ظاهرة التكفير بين مختلف المذاهب الإسلامية الفقهية والفرق الكلامية حتى وصلت الحالة إلى داخل المذهب الواحد يكفر بعضهم بعضاً .

وإن كان البعض يريد أن يسوق لهذه الظاهرة فقط بين السنة والشيعة ، وأن بعض السنة يكفر بعض الشيعة وبعض الشيعة يكفر بعض السنة ، والواقع خلاف ذلك .

إن علماء الأمة الإسلامية المحققين من السنة والشيعة الذين تحملوا مسئولياتهم قد أفتوا بحرمة التكفير وأن التكفير مسألة خطيرة جداً تؤدي إلى إخراج المسلم من دائرة الإسلام وتترتب عليه حلية دمه وعرضه وماله وربما تقوم حروب طاحنة يذهب مئات الآلاف من المسلمين لحل مثل هذه الفتاوى التكفيرية ، إن كثيراً ممن ظللوا بمثل هذه الفتاوى قد زعزعوا الأمن في البلاد وقتلوا الأبرياء من الناس اعتماداً على  الفكر المنحرف .

صب الزيت على النار :

أ‌-            من جانب السنة : الثأر للصحابة وتكفير من يسبهم ويلعنهم . ونبز الآخرين بالرفض .

ب‌-         من جانب الشيعة : الثأر لأهل البيت ونبز الآخرين بالنصب .

آليات التكفير ووسائله :

أ-  وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة :  

1- الفضائيات .

2-              الخطب والمحاضرات .

3-               غرف البالتوك .

4-               الانترنيت .

5-               الكتب المؤلفة في ذلك .

6-              الجرائد والمجلات .

ب - بث روح الكراهية والعداء :

1- بحجة التولي والتبري .

2- بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

3- بحجة أن كل طرف يدعي الحقيقة والآخر على الباطل.

4- بحجة الخوف من الطرف الآخر وهنا تلعب السياسة دورها .

إنما وقع من بعض أئمة الجمعة في تكفيره لعلماء الشيعة لم يكن بالشيء الجديد فهو معطوف على تلك القرون المظلمة السابقة وأن هذا وسيلة العاجز والمفلس عن الدليل ، وإذا كان يملك الحقيقة هو وحده فهنيئاً له .

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 


 

[1] تفسير المراغي، ج‏30، ص: 189 .

[2] مجمع البيان في تفسير القرآن، ج‏10، ص: 771

[3] التبيان في تفسير القرآن، ج‏10، ص: 372

[4] تفسير المراغي، ج‏30، ص: 189

[5] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج‏20، ص: 296

[6] مجمع البيان في تفسير القرآن، ج‏10، ص: 771

[7] مجمع البيان في تفسير القرآن، ج‏10، ص: 771

[8] تفسير المراغي، ج‏30، ص: 190

[9] مجمع البيان في تفسير القرآن، ج‏10، ص: 771

[10] ممّا ذكرنا يتّضح أنّ الألف و اللام في (العسر) للجنس لا للعهد، و (يسرا) وردت نكرة، لكنّها تعني الجنس أيضا، و تنكيرها في مثل هذه المواضع للتعظيم. [.....]

[11] مجمع البيان في تفسير القرآن، ج‏10، ص: 772

[12] من‏ لا يحضره‏الفقيه ج : 4 ص : 413 رقم 5900 ،  وسائل الشيعة ج 7 ص 42 عن الفقيه  ، ومسكن الفؤاد ص 44 ، ومشكاة الأنوار ص  57 حديث 59 ، وبحار الأنوار ج 67 ص 183 ، وج 74 ص 88 وج 79 ص 138 وج 90 ص 314 و339. 

 وعن أبي ذر رواه الشيخ الطوسي في الأمالي مجلس 19 حديث 1 وجماعة آخرون في أعلام الدين ص 199 وعدة الداعي ص 132 و182 ومكارم الأخلاق ص 469 .

ورواه الجمهور من علماء الحديث والتفسير وغيرهما عن ابن عباس :

قال ابن رجب في جامع العلوم ج 2 ص 210 وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة من رواية ابنه علي ومولاه عكرمة وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار وعبيد الله بن حنش الصنعاني وغيرهم . وأصح الطرق كلها طريق حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي كذا قال ابن منده . انظر هامش المعجم الكبير ج 11 ص 123 .

رواه الحاكم النيسابوري :

عن بن عباس رضي الله عنهما قال أهدي إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  بغلة أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر ثم أردفني خلفه ثم سار بي مليا ثم التفت فقال يا غلام قلت لبيك يا رسول الله قال احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله قد مضى القلم بما هو كائن فلو جهد الناس أن ينفعوك بما لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه ولو جهد الناس أن يضروك بما لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فاصبر فإن في الصبر على ما تكرهه خيرا كثيرا واعلم أن مع الصبر النصر واعلم أن مع الكرب الفرج واعلم أن مع العسر اليسر هذا حديث كبير عال من حديث عبد الملك بن عمير عن بن عباس رضي الله عنهما إلا أن الشيخين رضي الله عنهما لم يخرجا شهاب بن خراش ولا القداح في الصحيحين وقد روي الحديث بأسانيد عن بن عباس غير هذا .

انظر : المستدرك على الصحيحين ج3/ص623 رقم 6303 و 6304 .

و قال القرطبي :  أخرجه أبو بكر بن ثابت الخطيب في كتاب الفصل والوصل وهو حديث صحيح وقد خرجه الترمذي وهذا أتم . انظر : تفسير القرطبي ج6/ص398

ورواه : الترمذي في صحيحه كتاب صفة القيامة باب 60 ج 4 ص  576 حديث 2016 وقال هذا حديث حسن صحيح . ورواه أحمد بن حنبل في مسنده رقم 2669 و2863 و 2804 وهو قريب مما رواه الشيخ الصدوق .

 ورواه الطبراني في المعجم الكبير ج 11 ص 123 حديث 11243 وج 11ص 178 حديث 11416 وج 11 ص 223 حديث 11560 وج 12 ص 238 حديث 12988 ، وفي المعجم الأوسط ج 5 ص 316 حديث 5417 ، السنة لابن أبي عاصم ج 1 ص 138 حديث 315 و316 و317 ، ورواه أبو يعلى في مسنده ج 4 ص 430 وابن  الجعد في مسنده ج 1 ص 494 ، ومسند الشهاب ج 1 ص 434 رقم 745 ، مسند عبد بن حميد ج 1 ص 214 حديث 636 ، معجم أبي يعلى ج 1 ص 101 حديث 96 مجمع الزوائد ج 7 ص 189 ، كنز العمال ج 1 ص 81 حديث 630 و631 وج 3 ص 45 ح 5691 وج 3 ص 303 حديث 8661 وج 15 ص 364 حديث 43435 وج 16 ص 57 حديث 44165 ، ومشكاة المصابيح ج 3 ص 1459 رقم 5302 . ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق ج 49 ص 374 والبلاذري في أساب الأشراف ج 4 ص 43 ، وفي تحفة الأحوذي ج 7 ص 219 ، وأسد الغابة ج 3 ص 189 ، ربيع الأبرار ج 4 ص 241 ، المستطرف ص 77 ، وفي الدر النثور ج 1 ص 159 عن سهل عن رسول الله ، ورواه الخطيب البغدادي  في تاريخ بغداد ج 14 ص 13 عن أبي سعيد عن رسول الله . تفسير السمعاني ج 5 ص 60 .

 

[13]  هامش من لا يحضره الفقيه .

[14]  الوافي .

[15] (الفاتحة:5)

[16] (الأعراف: من الآية188)

[17]  هامش من لا يحضره الفقيه .

[18] (آل عمران: من الآية128)

[19] (آل عمران: من الآية154)

[20] مجمع البيان في تفسير القرآن، ج‏10، ص: 773

[21] التبيان في تفسير القرآن، ج‏10، ص: 374

[22] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج‏20، ص: 300

[23]  انظر : اللؤلؤ والمرجان للميرزا النوري ، والملحمة الحسينية للشهيد مطهري .

[24]  إن المجازر التي ترتكب في المساجد ودور العبادة والأسواق العامة التي تهدم على رؤوس أصحابها وتقطعهم أشلاء ها هي أمام أعين العالم حتى شوهت سمعت الدين ونفر الكثير من الناس منه بسبب هذه الأعمال الإجرامية .

[25]  انظر ما كتبناه  من مقالات سابقة ، وكتابنا المؤامرة الكبرى على مدرسة أهل البيت قراءة من الداخل ، وكتاب زيارة عاشوراء في الميزان .

[26] أعيان الشيعة ج 1 ص 319 طبع دار التعارف .

[27]  أعيان الشيعة ج 1 ص 319 .

[28] كتبنا كتابا حول قبرها وأن الصحيح قبرها في منزلها وقال به أكثر من 17 عالما من علمائنا المحققين .