|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
1427هـ |
|
|
|
1430 هـ |
|
|
|
|
|
|
14 / 4 / 1430 هـ 10 / 4 / 2009 م بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِي اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ . وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ انْتَجَبَهُ لِوَلَايَتِهِ وَاخْتَصَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَأَكْرَمَهُ بِالنُّبُوَّةِ أَمِيناً عَلَى غَيْبِهِ وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ[1] المفتاح الأول لشرح الصدر قال تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2) الَّذِى أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ(7) وَإِلىَ رَبِّكَ فَارْغَب (8)} تتمة للحديث السابق حول تفسير الآية الأولى، لا بد من التنبه على عدة نقاط: 1- إن من أوائل تأييد المولى سبحانه لحبيبه ورسوله الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله أن شرح صدره وهذا الشرح في حالة الابتلاء والشدة والعسرة، لما سيأتي من قوله تعالى {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}. فلا يترك المولى عبده ورسوله أمام المسئولية الكبرى بدون شرح لصدره وهو بأمس الحاجة إليه. 2- إن الله إذا شرح صدر عبده فإنه لا يناله شيء ولا يضعف ولا يستكين ولا يضيق به شيء. وفشل الإنسان في عمله ناشئ من فشله في نفسه فإذا ضعف في نفسه ضعف في عمله وإذا عجز عن نفسه فهو عاجز في عمله. 3- إن شرح الصدر شأن من شؤون الله سبحانه فهو وحده الذي يشرح من يشاء من عباده ولا شأن للإنسان نفسه إلا على نحو المقدمة والاستعداد – كما سوف يأتي - ولولا هذا الشرح لما تمكن الدعاة إلى الله من الأنبياء والرسول والأولياء من تحمل أنواع الابتلاءات وصنوف المصائب والهموم. فالقرآن واضح في نسبة (شرح الصدر) إلى الله فقط وهو القادر على ذلك بقوله في مقام الامتنان على رسوله الحبيب المصطفى {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} وفي مقام استجابة الدعاء لكليمه موسى عليه السلام {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} (طـه:25). وكل ما جاء من هذا المعنى أو نسبة شرح الصدر للإسلام فهو منسوب إلى الله. شرح الصدر بالكفر: وهناك لون آخر من (شرح الصدر) غير ما تقدم وهو شرح (الصدر بالكفر) وهو أيضاً بمعنى البسط والسعة ولكن بسط وسعة تمكن الإنسان من كل ألوان الضلال والحقد واللجاج والعناد والمكر والخديعة والخبث والشر . إن استيعاب جميع هذه الظلمات والشرور تحتاج إلى سعة وبسط في الصدور كما يحتاجه استيعاب الحق والنور والابتلاءات والمحن في سبيل الله . وبطبيعة الحال فإن القرآن لا ينسب شرح الصدر بالكفر إلى الله سبحانه لأنه نهى عن مثل هذه الأمور وإن أعطى الإنسان القدرة على الفعل أو الترك لها وإنما ينسبه إلى الإنسان نفسه لأنه هو الذي اختاره وباشره بمحض إرادته إن هذا العمل يمكنه من استيعاب الظلمات والشرور، يقول تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئن بِالْايمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(106) ذَالِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا عَلىَ الاَْخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ ( 107) أُوْلَئكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلىَ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلَئكَ هُمُ الْغَفِلُونَ (108) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ}[2] مفتاح شرح الصدر : كما تقدم أن شرح الصدر إنما هو شأن من شؤون الله سبحانه وحده لا شريك له في ذلك ولكن يوجد مفاتيح لشرح الصدر يتمكن الإنسان أن يستعملها في حياته وحركته حتى يكون قابلا للفيوضات والمنن الإلهية التي يفيضها المولى على من يشاء من عباده وهي: 1- الطلب . 2- المعرفة. وفيما يلي نشرح هذين المفتاحين : المفتاح الأول الطلب من الله: ونقصد به الحركة نحو الله والدعاء منه سبحانه: أ- الحركة والعمل نحو الله: من الناحية التكوينية الكون كله في حركة دائمة إلى الله كما ثبت في الفلسفة العليا ومن الناحية التشريعية حث المولى سبحانه عباده على الحركة نحوه والتوجه إليه في كل صغيرة وكبيرة وعدم السكون والكسل أو اللا مبالاة وقد أوعد الله تعالى عباده المجاهدين في سبيله وسبيل دينه أن يهديهم إلى سبيله المستقيم وأنه معهم أينما كانوا، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[3] فالآية بظاهرها تشير إلى أن الجهاد في الله له مفهوم واسع يشمل جميع حركات الإنسان المطلوبة منه من قبل الله في هذه الحياة فكما أن من يدافع عن الإسلام والوطن والعرض وينزل إلى ساحة المعركة العسكرية ويسقط شهيداً هو مجاهد كذلك الذي يكد على عياله ويسد حاجاتهم وأن يكف أيدهم عن الآخرين هو مجاهد في سبيل الله والذي يقوم بتربية نفسه وأولاده وأهله فهو مجاهد في سبيل الله والذي يسهر على راحة المجتمع وصلاحه وإصلاحه وخدمته ورفع الظلم عنه فهو مجاهد في سبيل الله مع اختلاف الرتب والمهمات فمفهوم الجهاد يشملهم . فالمولى يؤكد على هداية هؤلاء وفتح الأبواب إلى شرح صدورهم بما يتناسب مع جهادهم . وفي آية أخرى يلزم نفسه بنصرة من ينصره ويؤيدهم ويثبت أقدامهم على إحقاق الحق وإزهاق الباطل ويعصمهم عن الزلل والانحراف والضعف والخذلان بل يكونوا أقوياء بقوته ومنصورين بنصرته مع قلة عددهم وعدتهم وحينها تتبدل الموازين فيقول بشكل واضح لا لبس فيه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[4] معادلة جازمة لا تخلف ولا تبدل فيها فمن ينصر الله بنصرة دينه ... بنصرة الحق .. بنصرة المظلومين والمضطهدين والمحرومين والمعذَبين وقد تضافرت النصوص الدينية في ذلك: فبينا يعتبر المولى الخلق عياله وأن من يحسن إليهم فقد أحسن إليه كما جاء عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: (الْخَلْقُ عِيَالُ اللَّهِ فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ مَنْ نَفَعَ عِيَالَ اللَّهِ وَأَدْخَلَ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ سُرُوراً)[5] أن أحب الناس إلى الله هو أنفع الناس للناس كما ورد عن الإمام الصادق أَبَي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أنه كان يَقُولُ: (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ قَالَ أَنْفَعُ النَّاسِ لِلنَّاسِ)[6] وعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ: (عَلَيْكَ بِالنُّصْحِ لِلَّهِ فِي خَلْقِهِ فَلَنْ تَلْقَاهُ بِعَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْهُ)[7] وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: (مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ)[8] وعن الإمام الصادق عليه السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: (أَنْسَكُ النَّاسِ نُسُكاً أَنْصَحُهُمْ جَيْباً وَأَسْلَمُهُمْ قَلْباً لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ)[9] وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: (مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ)[10] وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله قَالَ: (مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ وَمَنْ سَمِعَ رَجُلًا يُنَادِي يَا لَلْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ)[11] فهذه النصوص وغيرها تؤكد أن خدمة الناس ومنفعتهم والدفاع عنهم ونصرتهم والدفاع عن دين الله ونصرته هي نصرة لله وجهاد في سبيله ومن كان في هكذا حاله فإن الله حتماً سوف ينصره ويظهره على عدوه مهما بلغ ذلك العدو من القوة والغطرسة والسياسة والمكر والخديعة والتهديد والبطش. نصرة الله لمن نصره: القرآن الكريم يحدثنا كثيراً عن الأنبياء والرسل والدعاة إلى الله الذين نصروا الله فنصرهم وأيدهم وخلد ذكرهم وأصبحوا المثل الأعلى لنصرة الله. إن ما حدث في عصرنا الراهن أثبت هذه الحقيقة بلا لبس ولا شك كما حدثنا القرآن والتاريخ فيما مضى فقد شاهدنا المؤمنين اللبنانيين في 2000م و2006 م كيف تحركوا ونصروا الله بكل ما أوتوا من قوة وطاقة ودافعوا عن دينهم ووطنهم وعن المظلومين والمحرومين مع قلة عددهم وعدتهم فنصرهم الله على أقوى جيش جرار في المنطقة وقد رُوّجَ له إعلاميا أنه الجيش الذي لا يقهر وإذا بالمؤمنين الناصرين لله قاصمي الجبّارين ومبيري الظالمين قد نصرهم الله على الصهاينة المعتدين في جنوب لبنان وهذا الصمود الأسطوري قلب الموازين المادية والعسكرية والسياسية والمعنوية وأصبح عبرة لمن اعتبر. وما حدث في أواخر 2008 وبداية 2009م من الحرب على غزة وكيف صمد أهلها ونصروا الله ودافعوا عن دينهم ووطنهم وشرفهم وعزهم وكرامتهم وكرامة الأمة الإسلامية فنصرهم على أقوى قوة طاغية متجبرة مدعومة من الدول الاستعمارية المستكبرة بل ومن أكثر دول العالم الظالم أهلها التي وقفت مع إسرائيل في صب حممها على الأطفال والنساء والشيوخ والبنى التحتية، هذه النصرة لله هي الأخرى أثبتت للعالم هذه الحقيقة أن من ينصر الله فإن الله سوف ينصره. إن مثل هذه الأحداث تذكرنا بوعد الله الصادق في هذه الآية المباركة أنه سوف ينصر من ينصره. إن الإنسان وظيفته أن يتحرك نحو الله ويؤدي ما عليه وليس من شأنه النتيجة التي هي بيد الله طال وقت حصولها أم قصر، تأخرت الإجابة أم عجلت فإن التأييد والنصر من الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا يفعل إلا الخير وما فيه مصلحة العبد. ب- الطلب بنحو الدعاء: الدعاء هو طلب من الداني إلى العالي فتأدباً يطلق عليه دعاء وقد اهتم القرآن الكريم أي اهتمام بجانب الدعاء وقد حث عليه وجعله من صلب الدين بل هو العبادة الحقيقية وهنا أشير إلى ذلك في عدة نقاط: 1- الدعاء من الأمور الضرورية: إن العبد لا يستغني عن الله فالطلب إلى الله والتوجه إليه في حياته هو من صلب الشريعة المقدسة وعبر عن الإعراض عن الدعاء الذي هو إعراض عن الله وتكبر عن عبادته موجب لدخول النار. قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}[12] بسبب أعمالهم السيئة. 2- إن الإنسان لا قيمة له لولا الدعاء والتوجه إلى الله في جميع حوائجه قال تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ}[13] فما قيمتكم لولا دعاؤكم أو إنما يعبأ بكم ويهتم ويستجيب لكم لأجل دعاؤكم. 3- يتصور بعض الناس أن الله بعيد ولا يمكنه سؤاله ودعاؤه ويبقى في حالة يأس أو اضطراب في حاجياته وعيشه في الدنيا والآخرة ولكن منطق القرآن يقرر غير ذلك ويقول أن الله سبحانه أقرب إليه من نفسه فضلا عن غيره فيقول: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}[14] أي أن الله أقرب إلى الإنسان من الوريد الذي في رقبته. ويقول تعالى: مخاطباً رسوله الكريم {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[15] وفي هذه الآية يتحدث أنه قريب إلى العبد وأنه يجيب دعوة السائل إذا سأله غاية الأمر أن استجابة الدعاء لها شروط ومن أهمها أن يستجيب العبد إلى الله في كل ما يريده منه وليؤمن به وفي المقابل فإن الله سوف يستجيب لهم ويحقق آمالهم ومنها شرح الصدر وتنوير القلب بنور الإيمان. الله سبحانه يعلم رسوله الكريم الدعاء والتبتل إليه ومناجاته: فيقول تعالى مخاطباً رسوله العزيز: {يَأَيهَُّا الْمُزَّمِّلُ(1) قُمِ الَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا(2) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً(3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلاً(4) إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلاً(5) إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطًْا وَأَقْوَمُ قِيلاً(6) إِنَّ لَكَ فىِ النهََّارِ سَبْحًا طَوِيلًا(7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا(8)}. المزمل : المتلفلف في ثيابه . قم الليل أي اشتغل بالعبادة أكثرية الليل وهو 80 % أو 50 % أو 40 % أو 60 % واقرأ القرآن مع الترتيل وتبيان الحروف وإظهارها وربِّ نفسك وأعِدَّها لمسؤولية كبرى سنلقيها عليك حتى تتمكن من أدائها، فالله يربي رسوله ويعده لحمل الرسالة وإيصالها للبشرية. إن من خصائص رسول الله صلى الله عليه وآله هو وجوب صلاة الليل التي هي مستحبة في حق غيره. ويؤكد عليه قيام الليل الذي عبر عنها بناشئة الليل ولها التأثير التام في حياة الإنسان كما روي عن الإمامين أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادق (عليهما السلام) أنهما قالا: (هي القيام في آخر الليل إلى صلاة الليل) {هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً} أي أكثر ثقلا وأبلغ مشقة لأن الليل وقت الراحة والعمل يشق فيه ومن قال وطاء فالمعنى أشد مواطاة للسمع والبصر يتوافق فيها قلب المصلي ولسانه وسمعه على التفهم والتفكر إذ القلب غير مشتغل بشيء من أمور الدنيا. {وَأَقْوَمُ قِيلًا} أي أصوب للقراءة وأثبت للقول لفراغ البال وانقطاع ما يشغل القلب عن أنس ومجاهد وابن زيد وقال أبو عبد الله (ع) هو قيام الرجل عن فراشه لا يريد به إلا الله تعالى. {إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا} معناه أن لك يا محمد في النهار منصرفا ومنقلبا إلى ما تقضي فيه حوائجك عن قتادة والمراد أن مذاهبك في النهار ومشاغلك كثيرة فإنك تحتاج فيه إلى تبليغ الرسالة ودعوة الخلق وتعليم الفرائض والسنن وإصلاح المعيشة لنفسك وعيالك وفي الليل يفرغ القلب للتذكر والقراءة فاجعل ناشئة الليل لعبادتك لتأخذ بحظك من خير الدنيا والآخرة[16] أي أن الأنبياء والرسل وبالأخص خاتمهم أنهم في النهار يصارعون التيارات والانحرافات ويصطدمون معهم حتى يتغلبوا عليهم كما في السابح الذي يسبح على وجه الماء كيف يغالب تيار الأمواج حتى يسبح ويصل إلى الشاطئ . القرآن كتاب الطلب يدعو المؤمنين إلى الحركة والعمل: فيقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [17]ويقول: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}[18] ويقول تعالى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً}[19] وقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ }[20] دعاء المؤمنين الأوائل: قال تعالى حكاية عن هؤلاء: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}[21] وحكى عنهم {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}[22] فالدعاء لا يفارقهم في أحلك الظروف وأدقها بل وفي حالة الرخاء كما هي في حالة الشدة وطلب المعونة من الله سبحانه وأنهم لا حول لهم ولا قوة إلا بالله وأنهم في قبضة الله. القرآن يمزج (السعي) و (الدعاء) في بعض المفردات: يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[23] فالصبر الذي يجب أن يتربى عليه الإنسان ويحتاج إلى سعي وجهد كبيرين وبعد ذلك يستعان به في الأزمات وكذلك الاستعانة بالصلاة التي هي دعاء يشكلان المفتاح لشرح الصدر وقال تعالى {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ}[24] وقال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}[25] فالدعاة إلى الله والعاملون في سبيله يحتاجون إلى شرح الصدر لكي ينجحوا في مهماتهم والتأييد من الله. (فإذا تحرك العاملون في سبيل الله ونزلوا ساحة المواجهة والعمل وجاهدوا، وهاجروا، وأقبلوا على الله تعالى، يطلبون منه النصر، والتأييد، والتوفيق، والتيسير، وتذليل العقبات ... فإن أول ما يرزقهم الله تعالى، من رزق هو أن يشرح صدورهم لما يواجهونه من هموم ومتاعب، وعقبات صعبة، وتحديات كبيرة، فيهون عليهم ذلك كله)[26] والخلاصة: أن الله سبحانه هو الذي يشرح صدور العاملين في الساحة ولكن مفتاح هذا الرزق هو العمل في الساحة والطلب من الله سبحانه لأن شرح الصدر وإن كان خاصاً بالله سبحانه ومن شؤونه دون غيره ولا تدخل للإنسان فيه إلا أن الإنسان له القدرة في المقدمات وفتح الأبواب لشرح الصدر ، والمفتاح الأول هو الطلب بشقيه السعي العملي والدعاء وكلاهما قد حث المولى سبحانه عليهما. الخطبة الثانية قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} (آل عمران: من الآية103) طالما الأمة عملت على خلاف الآية المباركة فقد عاشت التفرق والتمزق والضعف وكأنما هي الصفة الطبيعية التي تنطلق منها لعزها وتقدمها وحضارتها. هذا الخطأ الكبير الذي لا زالت الأمة تعيشه هي مدعوة اليوم قبل غد إلى الرجوع إلى العقل والرشد والحكمة والعزة والكرامة والذي مثلها القرآن بهذه الآية المباركة {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}. الأسس الأولية لحركة التقريب بين المذاهب الإسلامية: تقدم عندنا بعض الأسس الأولية التي تقرب بين المذاهب الإسلامية وخلاصتها: 1- الإيمان بأصول الإسلام العقائدية الكبرى كالتوحيد والنبوة والمعاد . 2- الالتزام بضروريات الإسلام كالصلاة والحج والزكاة والصيام لشهر رمضان . 3- الالتزام بأن الكتاب والسنة هما المصدران الأساسيان للتشريع . اتفق المسلمون سنة وشيعة أن الكتاب والسنة هما المصدران الرئيسان للتشريع الإسلامي وما عداهما من إجماع أو عقل أو استحسان أو قياس أو غيرهما فلا بد من إثباتها بالكتاب أو السنة . ففي الصحيح عَنْ أَيُّوبَ بْنِ الْحُرِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ: (كُلُّ شَيْءٍ مَرْدُودٌ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكُلُّ حَدِيثٍ لَا يُوَافِقُ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ زُخْرُفٌ)[27] وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: (مَا لَمْ يُوَافِقْ مِنَ الْحَدِيثِ الْقُرْآنَ فَهُوَ زُخْرُفٌ)[28] أما الصحابة والتابعون والأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل فهم يصرحون أن أقوالهم إنما يؤخذ بها إذا كانت متفقة مع الكتاب والسنة وإلا فلا عبرة بها. قال ابن تيمية: قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله سبحانه وتعالى فرض على الخلق طاعته وطاعة رسوله ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان صديق الأمة وأفضلها بعد نبيها يقول: (أطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم) واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصوما في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال غير واحد من الأئمة كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم[29] 4- أن الإسلام سمح لعملية الاجتهاد: اتفقت الشيعة على فتح باب الاجتهاد من بداية الغيبة الكبرى وإلى يومنا هذا. وأما غيرهم فقال ابن تيمية: الأئمة الأربعة (رضي الله عنهم) قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه وذلك هو الواجب عليهم. فقال أبو حنيفة: (هذا رأيي فمن جاء برأي خير منه قبلناه)، ولهذا لما حج أفضل أصحابه أبو يوسف أتى مالكا فسأله عن مسألة الصاع وصدقة الخضروات ومسألة الأجناس فأخبره مالك بما يدل على السنة في ذلك. فقال رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله. ومالك كان يقول إنما أنا بشر أصيب وأخطئ فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة أو كلاما هذا معناه. والشافعي كان يقول إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط. وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي. وفي مختصر المزني لما ذكر أنه اختصره من مذهب الشافعي لمن أراد معرفة مذهبه قال مع إعلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره من العلماء . والإمام أحمد كان يقول لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الثوري وتعلم كما تعلمنا فكان يقول لمن قلده حرام على الرجل أن يقلد دينه الرجال وقال لا تقلد دينك الرجال فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا[30] إن الاجتهاد عنصر من العناصر المهمة في الشريعة الإسلامية التي تجعلها مرنة في كل زمان ومكان مع ضوابط الاجتهاد وشروطه ويدل على عظمة هذه الشريعة لمالها من سعة وتطور في مختلف ميادين الحياة وأنها تسير بخطى حثيثة تواكب التقدم العلمي والصناعي بل قد سبقته في كثير من المعرفة والتشريعات الحيوية ولا تقف عند حد ، كما أن عملية الاجتهاد لا تقف عند الجانب الفقهي العبادي بل هي مع الجانب العقدي والتاريخي والسياسي والاقتصادي وغيرها مما يحتاجه الإنسان في هذه الحياة . 5- مبدأ الوحدة الإسلامية. هذا المبدأ الذي يعبر عن خاصية من خصائص هذه الأمة وركيزة من ركائزها الأساسية ولا يمكن لها أن تنهض وتتقدم ما لم يسود مبدأ الوحدة الإسلامية. 6- مبدأ الأخوة الإسلامية بين أفراد الأمة الإسلامية . وهو كسابقه يدل على روح الشريعة الإسلامية العالية القوية التي تريد أن تبني مجتمعاً صالحاً متراصاً كالبنيان المرصوص يشعر كل فرد منه بما يشعر به المجتمع ككل وهم أولياء بعضهم مع البعض الآخر قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (التوبة:71). وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا} (لأنفال: من الآية 72). بل والفرد منهم يؤثر غيره على نفسه كما قال تعالى حكاية عنهم في المدينة المنورة {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر:9). 7- اعتماد منطق الحوار القرآني: وقد دلت عشرات الآيات على الحوار الموضوعي المنطقي وعلى آلياته وأخلاقياته. إن الأمة الإسلامية بأمس الحاجة إلى هذه الأسس التقريبة التي تعيد للأمة عزتها وكرامتها وقوتها وحضارتها ومجدها التليد وتنفض عنها تراب الغربة والذلة والهوان التي أصابها في القرون المتأخرة . والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين [1] الكافي ج: 3 ص: 422 في الصحيح عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام فِي خُطْبَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. [2] (النحل:106- 109) [3] (العنكبوت:69) [4] (سورة محمد:7) [5] الكافي ج : 2 ص : 164 [6] الكافي ج : 2 ص : 164 [7] الكافي ج : 2 ص : 164 [8] الكافي ج : 2 ص : 164 [9] الكافي ج : 2 ص : 164 [10] الكافي ج : 2 ص : 164 [11] الكافي ج : 2 ص : 164 [12] غافر:60) [13] (الفرقان: من الآية77) [14] (قّ: من الآية16) [17] (آل عمران:200) [18] (آل عمران:142) [19] (النساء:95) [20] (الأنفال: من الآية72) [21] (البقرة: من الآية250) [22] (البقرة: من الآية286) [23] (البقرة:153) [24] ( البقرة: من الآية45) [25] (هود:114) [29] الفتاوى الكبرى ج2/ص458 [30] الفتاوى الكبرى ج2/ص458
|
||
|
|
|