1422هـ

1423هـ

1424هـ

1425هـ

1426هـ

1427هـ

1428هـ

1429هـ

1430 هـ

 

 

    نظرة الإمام العسكري للغلو والغلاة  

8 / 3 / 1430 هـ

5 / 3 / 2009 م

 

 

دأب أئمتنا عليهم السلام على مناهضة التطرف بمختلف أشكاله وحاربوا الإرهاب على مختلف مستوياته فقاوموا الإرهاب العسكري والفكري والثقافي والابتزاز الديني ووقفوا ضد الفئات المنحرفة مثل أهل البدع الذين يدخلون في الدين ما ليس منه ، والصوفية الجاهلة ، وفئة الثنوية ، والغلاة والمفوضة وغيرها من فئات بائدة أو باقية ، وسلوك أساليب متعددة في تعريتها كما شجبوا أفكارها المنحرفة وحذروا المسلمين عموماً وأتباعهم خصوصاً من أن ينخدعوا بشعاراتها البراقة وإذا تتبعت سيرة أئمتنا لا تجد إماماً من أئمتنا إلا وله حول هذه الفئات المواقف الكاشفة لزيفها .

الغلاة :

الغلاة أكثر الفئات تغلغلا في التراث الإسلامي وهم أكثر من غيرهم انتشاراً وبقاء إلى يومنا هذا ، كما يمثلون أكبر تهديد للإسلام والمسلمين على مر التاريخ وقد أبتلي بهم أئمة أهل البيت وشيعتهم أكثر من غيرهم ، لهذا استأثر الحديث عن الغلاة ومحاربتهم القسط الأوفر من الجهد الذي بذله أئمتنا عليهم السلام في خدمة الإسلام والحرص على نجاة المسلمين والمحافظة عليهم ففضحوا أساليبهم وأفكارهم والبراءة منهم وممن يناصرهم ويؤيدهم .

معنى الغلو والغالي :

قال الطريحي : تحريف الكلام : تغييره عن مواضعه .

وتحريف الغالين : من الغلو وهو التجاوز عن القدر ، والغالي هو الذي يتجاوز في أمر الدين عما عدل وبيّن قال تعالى : { لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ  }(النساء: من الآية171) فالمبتدعة غلاة في الدين يتجاوزون في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله عن المعنى المراد فيحرفونه عن جهته ) [1]

وقال ابن منظور :

و في الحديث: إِياكم و الغُلُوَّ في الدين أَي التَّشَدُّدَ فيه و مجاوَزة الحَدِّ ، كالحديث الآخر: ( إِنَّ هذا الدينَ مَتِينٌ فأَوْغِلْ فيه بِرفْقٍ ) ، و قيل: معناه البحثُ عن بواطنِ الأَشْياء و الكَشْفُ عن عِلَلِها و غَوامِضِ مُتَعَبَّداتِها؛ و منه الحديث: ( و حاملُ القرآن غيرُ الغالي فيه و لا الجافي عنه ) ، إِنما قال ذلك لأَنَّ من آدابه و أَخلاقِه التي أَمرَ بها القَصْدَ في الأُمورِ، و خيرُ الأُمورِ أَوْساطُها [2]

والغلاة عدة طوائف من المسلمين غلوا في حق الأئمة حتى أخرجوهم من حدود الخليقة ، وحكموا فيهم بأحكام إلهية ، فربما شبهوا واحداً من الأئمة بالإله وربما شبهوا الإله بالخلق [3]

أقسام الغلاة 

الغلاة طوائف متعددة قسم منها ينسب إلى التشيع وقسم ينسب إلى أهل السنة ، وكيف كان فمنهم:

المُفَوِّضَة ، والخطابية ، والعجلية ، والبيانية ، والمنصورية أتباع أبي منصور العجلي ، والمُفَضَّلِيَّة أتباع مُفَضَّل الصيرفي ، وغيرها .

نظرة الإمام العسكري للغلو والغلاة 

نقل ابن شهر آشوب عن إِدْرِيس بْنِ زِيَادٍ الْكَفَرْتُوثَائِيُّ قَالَ :

كُنْتُ أَقُولُ فِيهِمْ قَوْلًا عَظِيماً فَخَرَجْتُ إِلَى الْعَسْكَرِ لِلِقَاءِ أَبِي مُحَمَّدٍ عليه السلام فَقَدِمْتُ وَ عَلَيَّ أَثَرُ السَّفَرِ وَ وَعْثَاؤُهُ فَأَلْقَيْتُ نَفْسِي‏ عَلَى دُكَّانِ حَمَّامٍ فَذَهَبَ بِيَ النَّوْمُ فَمَا انْتَبَهْتُ إِلَّا بِمِقْرَعَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ عليه السلام قَدْ قَرَعَنِي بِهَا حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ فَعَرَفْتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فَقُمْتُ قَائِماً أُقَبِّلُ قَدَمَهُ وَ فَخِذَهُ وَ هُوَ رَاكِبٌ وَ الْغِلْمَانُ مِنْ حَوْلِهِ فَكَانَ أَوَّلُ مَا تَلَقَّانِي بِهِ أَنْ قَالَ :

 يَا إِدْرِيسُ { بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ }

فَقُلْتُ : حَسْبِي يَا مَوْلَايَ وَ إِنَّمَا جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ هَذَا قَالَ فَتَرَكَنِي وَ مَضَى  [4]

فالإمام العسكري على دراية بأفكار هذا الشخص وعقائده لذلك جابهه الإمام بأول مقابلة بأن رفض أفكاره وأنه لا يرتض هكذا أفكار ، ومن أبرز الغلاة الفرقة القائلة بالتفويض .

معنى التفويض 

قال الطريحي : المفوضة قوم قالوا إن الله خلق محمداً وفوض إليه خلق الدنيا ، الخلاًَّق لما فيها . وقيل فوض ذلك إلى علي عليه السلام .

المُفَوِّضَة :

فرقة من الغلاة ، زعموا أن الله خلق محمداً ، ثم فوض إليه خلق العالم وتدبيره فهو الذي خلق العالم دون الله تعالى ، ثم فوض محمد تدبير العالم إلى علي بن أبي طالب ... ... ومن المفوضة أبو منصور العجلي المقتول سنة 121 هـ [5]

نظرة الإمام العسكري للمُفَوِّضَة 

والإمام العسكري كبقية الأئمة عليهم السلام في موقفهم السلبي من المفوضة فقد جاء في كتاب [الغيبة للشيخ الطوسي‏] روى جَعْفَرٌ الْفَزَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ

وَجَّهَ قَوْمٌ مِنَ الْمُفَوِّضَةِ وَ الْمُقَصِّرَةِ كَامِلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْمَدَنِيَّ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عليه السلام .

 قَالَ كَامِلٌ : فَقُلْتُ فِي نَفْسِي أَسْأَلُهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ عَرَفَ مَعْرِفَتِي وَ قَالَ بِمَقَالَتِي .

 قَالَ فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ عليه السلام  نَظَرْتُ إِلَى ثِيَابٍ بَيَاضٍ نَاعِمَةٍ عَلَيْهِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي وَلِيُّ اللَّهِ وَ حُجَّتُهُ يَلْبَسُ النَّاعِمَ مِنَ الثِّيَابِ وَ يَأْمُرُنَا نَحْنُ بِمُوَاسَاةِ الْإِخْوَانِ وَ يَنْهَانَا عَنْ لُبْسِ مِثْلِهِ .

فَقَالَ مُتَبَسِّماً يَا كَامِلُ وَ حَسَرَ ذِرَاعَيْهِ فَإِذَا مِسْحٌ أَسْوَدُ خَشِنٌ عَلَى جِلْدِهِ فَقَالَ هَذَا لِلَّهِ وَ هَذَا لَكُمْ فَسَلَّمْتُ وَ جَلَسْتُ إِلَى بَابٍ عَلَيْهِ سِتْرٌ مُرْخًى فَجَاءَتِ الرِّيحُ فَكَشَفَتْ طَرَفَهُ فَإِذَا أَنَا بِفَتًى كَأَنَّهُ فِلْقَةُ قَمَرٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَرْبَعِ سِنِينَ أَوْ مِثْلِهَا فَقَالَ لِي يَا كَامِلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ فَاقْشَعْرَرْتُ مِنْ ذَلِكَ وَ أُلْهِمْتُ أَنْ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا سَيِّدِي

 فَقَالَ جِئْتَ إِلَى وَلِيِّ اللَّهِ وَ حُجَّتِهِ وَ بَابِهِ تَسْأَلُهُ هَلْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ عَرَفَ مَعْرِفَتَكَ وَ قَالَ بِمَقَالَتِكَ .

فَقُلْتُ : إِي وَ اللَّهِ

قَالَ : إِذَنْ وَ اللَّهِ يَقِلَّ دَاخِلُهَا ، وَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيَدْخُلُهَا قَوْمٌ يُقَالُ لَهُمُ الْحَقِّيَّةُ

 قُلْتُ : يَا سَيِّدِي وَ مَنْ هُمْ .

قَالَ : قَوْمٌ مِنْ حُبِّهِمْ لِعَلِيٍّ عليه السلام يَحْلِفُونَ بِحَقِّهِ ، وَ لَا يَدْرُونَ مَا حَقُّهُ ، وَ فَضْلُهُ ؟.

ثُمَّ سَكَتَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَنِّي سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ وَ جِئْتَ تَسْأَلُهُ عَنْ مَقَالَةِ الْمُفَوِّضَةِ ، كَذَبُوا بَلْ قُلُوبُنَا أَوْعِيَةٌ لِمَشِيَّةِ اللَّهِ فَإِذَا شَاءَ شِئْنَا وَ اللَّهُ يَقُولُ { وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ }

ثُمَّ رَجَعَ السِّتْرُ إِلَى حَالَتِهِ فَلَمْ أَسْتَطِعْ كَشْفَهُ فَنَظَرَ إِلَيَّ أَبُو مُحَمَّدٍ عليه السلام مُتَبَسِّماً فَقَالَ يَا كَامِلُ مَا جُلُوسُكَ قَدْ أَنْبَأَكَ بِحَاجَتِكَ الْحُجَّةُ مِنْ بَعْدِي ، فَقُمْتُ وَ خَرَجْتُ ، وَ لَمْ أُعَايِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ .

قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : فَلَقِيتُ كَامِلًا فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَحَدَّثَنِي بِهِ [6]

1-نظرة المفوضة من الغلاة من أنه لا يدخل الجنة إلا من يقول بمقالتهم ويتابعهم في أفكرهم ، هي النظرة السائدة للمتشددين في الأمة الإسلامية التي يراد لها أن تعمم جميع الفئات والطبقات في داخل المجتمع الإسلامي والتي يروج لها أنها هي الإسلام الحقيقي القوي في ذات الله ولا تأخذهم في الله لومة لائم .

إن هذه النظرة الخاطئة ذات الجذور التفويضية وذات الأصول المغالية .

2-أن النظرة السطحية لهذا الشخص وأتباعه حيث لم ينظر إلا اللباس الذي على الإمام وأنه كان بمنظر حسن بينما لم يتعمق فيما كان يلبسه الإمام تحت ثيابه الخارجية . وإذا ما قارنا هذه النظرة مع نظرة المتطرفين لوجدناها هي هي بتمامها فعندهم الدين الحقيقي هي بعض الأحكام أو بعض المستحبات بل وبعض الشعارات التي قد تكون دخيلة على الدين ، وإذا أحد من مخالفيهم خالفهم فيها فإنه لا يغفر له وليس له إلا المصير الأسود . هذه النظرة هي التي أخرت المسلمين مئات السنين ، وأعطت صورة مشوهة المعالم عن الإسلام .

3-الإمام يستنكر تلك النظرة الضيقة الاستبدادية التي حولت العالم إلى ساحة دمار ، هذه القاعدة القائلة ( من لم يكن معنا فهو ضدنا ) وقاعدة ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ عَرَفَ مَعْرِفَتِي وَ قَالَ بِمَقَالَتِي )

4-الإمام يقرر ما أجاب به ولده الإمام المهدي عليه السلام مع ( كامل ) من استنكاره مقالة المفوضة من أن الله فوض الخلق إلى محمد صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام ورد عليه أن قلوبهم  أوعية لمشيئة الله فلا يشاءون إلا مشاء الله وليس لهم أي تقدم على الله في شيء وقد تضافرت الروايات عنهم بهذا المعنى .

  من مواقف الإمام العسكري عليه السلام ردعه للمنحرفين 

القرآن الكريم المعجزة الخالدة لرسول الله صلى الله عليه وآله ، وهو الدستور الإلهي لمن أراد النجاح والفلاح وهو المصدر الأول للتشريع الإسلامي وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه  قال تعالى { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت:42)  فقد صانه الله عن الزيادة والنقيصة وعن التناقض ومع هذا فإن الذين في قلوبهم مرض يتطاولون على قدسية القرآن بترهات من هنا وهناك ، وهذه الحالة حصلت من أول نزوله إلى يومنا هذا وممن حاول أن يشكك في القرآن إسحاق الكندي وتصدى لإثبات التناقض الموجود فيه لأجل شبه طرأت عليه .

الإمام العسكري والكندي :

نقل ابن شهر آشوب في كتاب [مناقب آل أبي طالب ] قال أَبُو الْقَاسِمِ الْكُوفِيُّ : فِي كِتَابِ ( التَّبْدِيلِ ) [7]

إَنَّ إِسْحَاقَ الْكِنْدِيَّ كَانَ فَيْلَسُوفَ الْعِرَاقِ فِي زَمَانِهِ أَخَذَ فِي تَأْلِيفِ تَنَاقُضِ الْقُرْآنِ وَ شَغَلَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ وَ تَفَرَّدَ بِهِ فِي مَنْزِلِهِ ، وَ أَنَّ بَعْضَ تَلَامِذَتِهِ دَخَلَ يَوْماً عَلَى الْإِمَامِ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ  فَقَالَ لَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عليه السلام :

(  أَ مَا فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَرْدَعُ أُسْتَاذَكُمُ الْكِنْدِيَّ عَمَّا أَخَذَ فِيهِ مِنْ تَشَاغُلِهِ بِالْقُرْآنِ ؟ ) فَقَالَ التِّلْمِيذُ : نَحْنُ مِنْ تَلَامِذَتِهِ كَيْفَ يَجُوزُ مِنَّا الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ فِي هَذَا أَوْ فِي غَيْرِهِ ؟.

 فَقَالَ لَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عليه السلام : أَ تُؤَدِّي إِلَيْهِ مَا أُلْقِيهِ إِلَيْكَ ؟.

قَالَ : نَعَمْ .

قَالَ : فَصِرْ إِلَيْهِ وَ تَلَطَّفْ فِي مُؤَانَسَتِهِ وَ مَعُونَتِهِ عَلَى مَا هُوَ بِسَبِيلِهِ ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْأُنَسَةُ فِي ذَلِكَ فَقُلْ : ( قَدْ حَضَرَتْنِي مَسْأَلَةٌ أَسْأَلُكَ عَنْهَا ، فَإِنَّهُ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ مِنْكَ فَقُلْ لَهُ : إِنْ أَتَاكَ هَذَا الْمُتَكَلِّمُ بِهَذَا الْقُرْآنِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِمَا تَكَلَّمَ مِنْهُ غَيْرَ الْمَعَانِي الَّتِي قَدْ ظَنَنْتَهَا أَنَّكَ ذَهَبْتَ إِلَيْهَا ؟ ؛ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ إِنَّهُ مِنَ الْجَائِزِ لِأَنَّهُ رَجُلٌ يَفْهَمُ إِذَا سَمِعَ ، فَإِذَا أَوْجَبَ ذَلِكَ ، فَقُلْ لَهُ : فَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ قَدْ أَرَادَ غَيْرَ الَّذِي ذَهَبْتَ أَنْتَ إِلَيْهِ ، فَيَكُونُ وَاضِعاً لِغَيْرِ مَعَانِيهِ ) .

فَصَارَ الرَّجُلُ إِلَى الْكِنْدِيِّ وَ تَلَطَّفَ إِلَى أَنْ أَلْقَى عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ .

فَقَالَ لَهُ أَعِدْ عَلَيَّ : فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَتَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ وَ رَأَى ذَلِكَ مُحْتَمِلًا فِي اللُّغَةِ وَ سَائِغاً فِي النَّظَرِ [8]

فقال :أقسمت إليك إلا أخبرتني من أين لك  ؟.

فقال : إنه شي‏ء عرض بقلبي فأوردته عليك .

 فقال كلا ما مثلك من اهتدى إلى هذا و لا من بلغ هذه المنزلة ، فعرفني من أين لك هذا ؟.

 فقال أمرني به أبو محمد .

 فقال : الآن جئت به و ما كان ليخرج مثل هذا إلا من ذلك البيت ؛ ثم إنه دعا بالنار و أحرق جميع ما كان ألفه‏ [9].

وهنا بناء على صحة هذه الحادثة يمكن الاستفادة منها :

1-الأسلوب أو المنهج الذي اتخذه الإمام وهو أسلوب التلطف معه والمؤانسة معه والدخول في البداية في العمل الذي هو يعمل فيه حتى يطمئن ثم يفاتحه في المسألة التي يريد الحديث معه وهذا الأسلوب هو أنفع وأنجح الأساليب في تغيير فكر الطرف .

2-أن هذا الشخص الذي أراد أن يعارض القرآن إنما كان لأجل شبهة طرأت عليه وليس لعناد وتعنت لذلك رجع عن موقفه عندما تبين خطأه .

3-أن الإنسان مهما بلغ من المعرفة والعلم فإن خطأه موضع احتمال ولا بد أن يفسح المجال للطرف الآخر ولو بهذا الاحتمال وبما أن هذا الشخص المعارض فهم من بعض الآيات القرآنية ما هو مرتكز في ذهنه من ناحية اللغة أو الثقافة وهذا الذي فهم ليس بالضرورة هو المعنى المقصود للقرآن الكريم حتى يتمكن أن يرتب ما يريد من التناقض بل من المظنون قوياً أنه لم يدرك المعاني المنزلة على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله .

4-أن هذا الشخص أدرك أن هذا الاعتراض عليه لم يكن من تلميذه وإنما كان من مصدر ومن أهل بيت قد زقوا العلم زقاً .                  

الخطبة الثانية

الأحداث :

مرَّ في الأسبوع الماضي أحداث المدينة المنورة وتداعياتها وهي تستدعي الجميع أن يكونوا عند مسؤولياتهم وفيما يلي نشير إلى بعضها مختصراً  :

1-بعد الاعتداء الآثم بجوار قبر رسول الله صلى الله عليه وآله على سمحة حجة الإسلام فضيلة الشيخ جواد الحضري وطعنه بعدة طعنات في ظهره ورأسه وعلى أثرها أدخل المستشفى وبعد عدة أيام خرج منه ووصل إلى أهله ومحبيه نحمد الله على سلامته وسلامة بقية المجروحين الذين أصيبوا في هذه الفتنة كما نبارك لمن كان في السجن وخرج في هذه الحادثة ونرجوا من الله أن يقر أعين ذويهم بهم جميعاً.

2-نشيد بموقف الحكومة في إطلاق صراح الموقوفين في هذه الأحداث ومعالجتها للمشكلة بحكمة وروية حيث فوتت الفرصة على الذين يتربصون بنا الدوائر من الداخل والخارج والذين يريدون أن يصطادوا في الماء العكر ويحدثوا فتنة طائفية ومذهبية يخسر فيها الجميع المواطنون والحكومة .

3- ننبه الأخوة المؤمنين الذين يتشرفون بزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وأئمة البقيع عليهم السلام والوصول إلى المكان المقدس مهبط الوحي والرسالة المدينة المنورة أنه يجب عليهم أن يحافظوا على الأمن والسلم واحترام المقدسات والصبر على الاستفزاز الذي يتعرضون له  .

4-إننا نشيد بمؤتمر البرلمانات الإسلامية المنعقد في طهران لدعم القضية الفلسطينية خصوصا غزة المنكوبة .ونرى أن مثل هذه المؤتمرات والمجتمعات في الوقت التي هي دفاع عن المظلومين والمحرومين { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ  }(الحج: من الآية40) والوقوف ضد الظالمين هي لبنة في سبيل الوحدة للأمة الإسلامية ، نرجو من الله سبحانه أن يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى .

 


 

[1]  مجمع البحرين – مادة – حرف -

[2] لسان‏العرب، مجلد 15، ص 131

[3] معجم الفرق الإسلامية ص 180

[4] المناقب ج : 4 ص : 428 وبحار الأنوار ج : 50 ص : 284

[5] معجم الفرق الإسلامية ص 235

[6] بحار الأنوار ج : 25 ص : 337 عن الغيبة للطوسي ص : 247ونقله في الخرائج ‏والجرائح ج : 1 ص : 459 و دلائل‏الإمامة ص : 273

[7]  نحن نشك في أصل هذه الحادثة وأن الكندي هذا هل هو أبو يعقوب  إسحاق الكندي الفيلسوف  المعروف  أم شخص آخر ؟ ، والسبب في شكنا أن المصدر لهذه الحادثة هو كتاب ( التبديل والتحريف ) لأبي القاسم الكوفي وهو من الغلاة وأظهر مذهب المخمسة وهو من الكذابين الوضاعين وقد جرحه علماء الرجال :

قال النجاشي : علي بن أحمد أبو القاسم الكوفي

رجل من أهل الكوفة كان يقول إنه من آل أبي طالب، و غلا في آخر أمره و فسد مذهبه و صنف كتبا كثيرة أكثرها على الفساد، كتاب الأنبياء، كتاب الأوصياء، كتاب البدع المحدثة، كتاب التبديل و التحريف .....

 توفي أبو القاسم بموضع يقال له كرمي من ناحية فسا. و بين هذه الناحية و بين فسا خمسة فراسخ، و بينها و بين شيراز نيف و عشرون فرسخا. توفي في جمادى الأولى سنة اثنتين و خمسين و ثلاثمائة. و قبره بكرمي بقرب الخان و الحمام أول ما يدخل كرمي من ناحية شيراز. و آخر ما صنف مناهج الاستدلال. و هذا الرجل تدعي له الغلاة منازل عظيمة

انظر : رجال ‏النجاشي ص : 266 رقم 691 ، وكذلك جرحه الشيخ الطوسي وابن الغضائري والعلامة الحلي وابن داود وغيرهم . انظر : الفهرست للطوسي ، ورجال ابن الغضائري ، وخلاصة الأقوال ص 365 رقم 1435 .

[8] بحار الأنوار ج : 10 ص : 392 عن المناقب ج : 4 ص : 424

[9]  المناقب  لابن شهر آشوب  ج 4 ص 457-458