1422هـ

1423هـ

1424هـ

1425هـ

1426هـ

1427هـ

1428هـ

1429هـ

1430 هـ

 

 

    خطان لا يلتقيان شفقة النبي على أمته ولعنهم 

2 / 3 / 1430 هـ

27 / 2 / 2009 م

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

قال تعالى : { وَ الضُّحى‏ (1) وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى‏ (2) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى‏ (3) وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى‏ (4) وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ (5) }.

ثبت في الفقه أن الإنسان لا يجوز له أن يقسم بغير الله سبحانه ، أما الله  فجائز له أن يقسم بما شاء من خلقه وقد وقع ذلك في القرآن الكريم كثيراً فقد أقسم بالشمس وضحاها والقمر والليل والنهار والتين والزيتون والسماء والأرض والنفس وغيرها .

وفي هذه السورة المباركة يقسم الله عز وجل بقسمين من مخلوقاته :

1- يقسم بالضحى   والمراد بـ«الضحى» :أوائل النهار، أي حين يرتفع قرص الشمس في كبد السماء، و يعم نورها الأرض، و هو في الحقيقة أفضل ساعات النهار، لأنّه- على حدّ تعبير بعضهم- شباب النهار، و فيه لا يكون الجوّ حارا في فصل الصيف، و يكون الدف‏ء قد عمّ في فصل الشتاء و تصبح خلاله روح الإنسان مستعدة لممارسة النشاط.

2- ويقسم بالليل فيقول : وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى , أي: إذا سكن, والتعبير هنا مجازي لأن الليل لا يسكن ولا يتوقف وإنما الإنسان هو الذي يسكن وعبر عن الليل بالسكون لأن الناس فيه يهدؤون ويسكنون .

فالمهم في الليل هدوؤه و سكينته ممّا يضفي على روح الإنسان و أعصابه هدوءا و ارتياحا، و يعدّه لممارسة نشاط يوم غده، و هو لذلك نعمة مهمّة استحقت القسم بها.

بين القسمين و محتوى السّورة تشابه كبير و ارتباط وثيق. النهار مثل نزول نور الوحي على قلب النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و الليل كانقطاع الوحي المؤقت، و هو أيضا ضروري في بعض المقاطع الزمنية.

على أي حال، ففي هذا التعبير سكن لقلب النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تسلية له، ليعلم أن التأخير في نزول الوحي إنّما يحدث لمصلحة يعلمها اللّه تعالى، و ليس- كما يقول الأعداء- لترك اللّه نبيّه أو سخطه عليه.

 فهو مشمول دائما بلطف اللّه و عنايته الخاصّة، و هو دائما في كنف حماية اللّه سبحانه.

كشف الحقيقة  

في معالجة الحالة النفسية التي يثيرها الأعداء ضد رسول الله صلى الله عليه وآله وتصويرهم أن الله قد غضب عليه وأبعده عن رحمته.

وبعد القسمين يأتي جواب القسم ليكشف الحقيقة  وهو قوله { ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى‏ }  ودعك :أي تركك وابتعد وأعرض عنك .

 وقلى : هو شدة البغض وهنا ينفي المولى أن يكون قد ترك حبيبه المصطفى أو أنه قلاه وأبغضه ، وقلى في مقابل الغلو لذلك روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : هلك فيّ رجلان : محب غال ، ومبغض قالٍ [1].

فالقال هو شديد البغض والمعنى أن الله لم يترك رسوله ولم يعرض عنه كما أنه لم يبغضه .

تعظيم المولى لرسوله  

وهنا في هذه السورة أراد الله سبحانه أن يبرز عظمته فخيب آمال الشامتين به ورفع ما أصاب رسوله من الحزن والألم  عند ما توقف الوحي عنه ورد شماتة الشامتين وكيد الأعداء إلى نحورهم .

سبب النّزول:‏

قال ابن عباس: احتبس الوحي عنه صلى الله عليه وآله خمسة عشر يوما فقال المشركون :إن محمدا قد ودعه ربه و قلاه و لو كان أمره من الله تعالى لتتابع عليه فنزلت السورة .

و قيل :إنما احتبس الوحي اثني عشر يوما (عن ابن جريج )و قيل :أربعين يوما (عن مقاتل )

 وقيل : إن المسلمين قالوا ما ينزل عليك الوحي يا رسول الله ؟.

فقال : و كيف ينزل علي الوحي و أنتم لا تنقون براجمكم و لا تقلمون أظفاركم .

و لما نزلت السورة قال النبي صلى الله عليه وآله  لجبرائيل (عليه السلام) ما جئت حتى اشتقت إليك .

فقال جبرائيل (عليه السلام) و أنا كنت أشد إليك شوقا و لكني عبد مأمور و ما نتنزل إلا بأمر ربك‏ [2]

و اختلفت الرّوايات في مدّة انقطاع الوحي، قيل 12 يوما، و قيل 15 ، و قيل 19 ، و قيل 25 ، و قيل 40 يوماً .و في رواية إنّها ليلتان أو ثلاث.

 المنهج يتكرر 

إن شماتة الأعداء وفرحهم بتوقف الوحي عن رسول الله (ص) وعزوهم ذلك إلى غضب الله عليه ، إن هذه الحالة بل والمنهجية التي اتخذها المشركون تتكرر من قبل الجماعات المختلفة فيما بينهم فأي فريق يختلف مع الفريق الآخر أو الطائفة الأخرى أو المذهب الآخر يتربص به الدوائر ويتمنى زوال نعمته ووقوعه في النقمة وإذا ما حل بأحدهما شيء اعتبره الآخر عقوبة له من قبل الله لأنه خالف رأيه أو فكره أو مذهبه .

إن هذه الحالة مستمرة على مر التاريخ ومع أبنا الطائفة الواحدة والمذهب الواحد ، وقصة مرض الفضل بن شاذان الذي توفي بسببه وما أشاعه الغلاة عليه من أن هذا غضب من الله عليه وعدم رضا إمام زمانه عنه بل ومع الأسف الشديد حتى إلى يومنا هذا , فليس ما يحدث بين المؤمنين والمتدينين وأهل العلم من تراشق الاتهامات بين الطوائف والمذاهب إلا دليل صدق على ما قلناه .

ومثل هذه الأمور في كثير من الأحيان تدل على :

عدم الإلتزام بالموضوعية والإنصاف فيما بينهم .

كما تكشف عن خبث السرائر ومرض النفوس التي تحمل مثل هذه التصورات .

التأييد من الله لرسوله 

{ وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى }  فسرت هذه الآية بتفسيرين :

1- أن المراد بالأولى هي الدنيا والمراد بالآخرة هي الدار الآخرة ، وعلى هذا فيكون المعنى أن الله سبحانه أعزك في دار الدنيا ونصرك وأظهرك على الدين كله وأنعم عليك بمختلف النعم هذا كله في الدنيا ولكن في الآخرة وهي دار الجزاء الحقيقي سوف يعطيك ‏ويجازيك بأعظم وأسنى وأكبر وأكثر مما أعطاك في الدنيا .

2- أن المراد بالأولى هي مقدم حياة الرسول وأولها ، والآخرة هي مؤخر حياته ، وعلى هذا يكون أن الله سبحانه رعاك وحفظك في أول حياتك وسخر لك جدك عبد المطلب في تربيتك وحنوه عليك ثم أعطف عليك عمك أبا طالب فحامى عنك أكثر من نفسه وولده وسخر لك أموال زوجتك خديجة وغيرها من نعم جمة ، وبما أنك صبرت في صغرك على مختلف صنوف العذابات و الحزن واللم من اليتم والفقر واضطهاد الآخرين وصبرت على الأذية في سبيله حتى أن كان بعض المشركين يلقي عليك الفرث والدم والبعض يضع رجله على رأسك في حالة سجودك حتى تكاد روحك أن تخرج من شدة الألم والاستهزاء بك ولكن بعد هذه الحقبة الزمنية من حياتك سوف يعطيك - وبالأخص في أواخر حياتك - التأييد بالنصر ويعز دينك ويخضع لك العالم وتكون آخرتك أفضل من أولك .

و تأتي البشرى للنبي الكريم لتقول له:

{ وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ } سواء أكان في دار الدنيا أو الدار الآخرة (بحسب التفسيرين) و هذا أعظم و أكرام و أسمى احترام من ربّ العالمين لعبده المصطفى محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. فالعطاء الرّباني سيغدق عليه حتى يرضى ...

حتى ينتصر على الأعداء و يعّم نور الإسلام الخافقين، كما أنّه سيكون في الآخرة أيضا مشمولا بأعظم الهبات الإلهية.

( أنت في هذه الدنيا مشمول بألطاف اللّه تعالى، و في الآخرة أكثر و أفضل.

 أنت آمن من غضب اللّه في الأمد القريب و البعيد. و باختصار أنت عزيز في الدنيا و الآخرة ... في الدنيا عزيز و في الآخرة أعزّ ...

قيل إن «الآخرة» و «الأولى» يشيران إلى بداية عمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و نهايته، أي إنّك ستستقبل في عمرك نصرا و نجاحا أكثر ممّا استدبرت.

 و في ذلك إشارة إلى اتساع رقعة انتشار الإسلام و انتصارات المسلمين المتلاحقة على الأعداء،                       

 و فتوحهم في الغزوات، و نموّ دوحة التوحيد، و اندثار آثار الشرك و عبادة الأوثان.

و لا مانع من الجمع بين التّفسيرين ) . [3]

خطان لا يلتقيان شفقة النبي على أمته ولعنهم

النّبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم باعتباره خاتم الأنبياء، و قائد البشرية ، كان حريصاً أشد الحرص على أمته وقد بذل الغالي والنفيس في سبيل سعادته ونجاتهم في الدنيا والآخرة وبما أن الله سبحانه أعطاه منزلة أن يرضيه فلا يمكن أن يتحقق رضاه في نجاته فحسب ، بل إنّه سيكون راضيا حين تقبل منه شفاعته في نجاة أمته من العذاب الأليم .

ومن هذا المنطلق نرى أن هذه الروحية والشفقة من رسول الله في نجاة أمته وأن ألمه الشديد على عدم إيمانهم بل بخع نفسه ووصول نفسه إلى حد تكاد تتلف فيه أسفاً عليهم ورحمة بهم وما تحدث القرآن عن حاله في أكثر من آية حيث قال تعالى : { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } (الشعراء:3)  يقال بخع نفسه بخعا ، أي قتلها غما [4]. وقال تعالى : { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً } (الكهف:6) إن هذه الروحية التي بلغها رسول الله صلى الله عليه وآله في شفقته على أمته لا تكاد تتناسب مع دعوى روح الانتقام والدعاء على العصاة من أمته أو سبه لهم وكثرة لعنهم الذي  هو معنى إبعادهم عن رحمة الله والدعاء عليهم  ، إن هذه التصرفات التي تنسب إلى رسول الرحمة لا تنسجم بتاتاً مع تلك الروح التي تريد نجاتهم في الدارين .

و من هنا جاءت الرّوايات المتعددة لتؤكد أن آية { وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ } أكثر آيات القرآن الكريم دلالة على قبول الشفاعة منه عليه أفضل الصلاة و السلام.

وفي حديث رواه محمّد بن علي عليهما السّلام عن عمّه محمّد ابن الحنفية عن أبيه أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال : «أشفع لامّتي حتّى يناديني ربّي : أرضيت يا محمّد؟

 فأقول: نعم يا ربّ رضيت»

ثمّ إنّ أمير المؤمنين التفت إلى جماعة و قال:

 «يا أهل العراق تزعمون أن أرجى آية في كتاب اللّه عزّ و جلّ: { يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ ... } الآية ، و إنّا أهل البيت نقول أرجى آية في كتاب اللّه: { وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ } و هي و اللّه الشفاعة ليعطيها في أهل لا إله إلّا اللّه حتى تقول: ربّ رضيت ) «[5]» [6]

ففي هذه الرواية يؤكد أن أرجى آية في كتاب الله هي هذه الآية حيث فيها الشفاعة لأهل لاإله إلا الله وأن رضى نبي الرحمة صلى الله عليه وآله تحصل بشفاعته لأمته .

فلسفة انقطاع الوحي

إن نزول الوحي وانقطاعه ولو لفترة معينة قصيرة أو طويلة كل ذلك يعود إلى من بيده أزمة الأمور وهو الله سبحانه فقط وفقط وبهذا يتبيّن من الآيات الكريمة في هذه السّورة أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يملك لنفسه شيئا إلّا من عند اللّه ... لم يكن له اختيار حتى في نزول الوحي. متى ما شاء اللّه ينزل الوحي و متى ما شاء ينقطع، و لعل انقطاع الوحي كان ردّا على أولئك الذين كانوا يطالبون النّبي بمعاجز مقترحة وفق أذواقهم، أو كانوا يقترحون عليه تغيير بعض الأحكام و النصوص، و كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول لهم: { قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ إِلَيَّ ...} [7] وفي هذه الآية رد صريح وواضح على من يتصور أن الدين كله خرافات ورؤى ومنامات.

وأشكال البدع التي كانت قائمة في المجتمعات المتخلفة ووردت على مجتمعاتنا باسم الدين والشعائر الحسينية أو الإسلامية ويتصور البعض أن القادة الميامين مثل الإمام علي والحسن والحسين عليهم السلام  إنما كان هدفهم التفاخر والمدح والثناء والتغلب على الطرف الآخر حتى ولو كان على حساب الإسلام والمسلمين ولا يهمهم إلا صنع المعجزات وإحياء الموتى .

 إن مثل هذا التصور الخاطئ الذي تسلل إلى المعاهد العلمية يتضاد مع حكمة انقطاع الوحي وأن النبي صلى الله عليه وآله لم يتمكن من تغيير مسيره  فلا الرسول ولا الأئمة ليس لهم إرادة مستقلة عن إرادة الله .

الخطبة الثانية

الفتن الطائفية في صالح من ؟      

أنطلق في حديثي عن الفتن الطائفية من الحديث السابق عن الآية المباركة وفي سبب نزولها فقد

 قيل في سبب نزول الآية : سألت اليهودُ رسولَ اللّه عن ذي القرنين و أصحاب الكهف و عن الروح .

فقال: سأخبركم غدا، و لم يقل إن شاء اللّه ، فاحتبس عنه الوحي هذه الأيّام، فاغتم لشماتة الأعداء فنزلت السّورة تسلية لقلبه [8].

والجواب :

1- أن هذه النغمة والتي توعز بأن سبب احتباس الوحي أن النبي لم يعلق كلامه على مشيئة الله فعاقبه الله بتأخير الوحي عنه لم تكن هي الوحيدة بل مثلها دعاوي أخرى مثل أن الله أهلك أمماً بسبب معصية من أحدهم إن مثل هذه الروايات مستبعدة كل البعد .

2- أن السورة مكية واليهود إنما كانوا يسألون النبي في المدينة وليس في مكة  .

3- أن من اختلق هذه الرواية إنما يريد أن يشوه سمعة النبي وإثارة الضجة الإعلامية ضده وأنه بعيد عن الله والتوكل والاعتماد عليه .

إن قدسية الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأئمة البقيع المدفونين فيه وحرمة المدينة المنورة مما اتفق عليها جميع المسلمين .

ولكن الأحداث التي حدثت في الأيام القليلة الماضية من 25/2/ 1430 إلى 29/2/1430 هـ في المدينة المنورة وداخل بقيع الغرقد لا تعدو :

1-  أن تكون فتنة طائفية يستفيد منها أعداء البلاد من الداخل والخارج .

2- كما أنها هتك لحرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهار عليهم السلام .

فعلى الجميع أن يضبط أعصابه وأن يتجنب الاستفزاز للآخرين وأن لا يُستفز من قبلهم .

كما أنه على العقلاء من مختلف الأطراف أن يعوا هذه الفتنة ويؤدوها في مهدها .

وإلا فإن أي تصادم بين الفئات أو الطوائف المختلفة سوف يجعل الخسارة على الجميع والكل سوف يندم .            


 

[1]  نهج البلاغة حكمة 469 .

[2]  مجمع البيان تفسير سورة والضحى .

[3] انظر تفسير الأمثل .

[4] قاله الجوهري في الصحاح .

[5] تفسير نور الثقلين، ج 5، ص 595، الحديث رقم 12، في الأصل تفسير أبو الفتوح الرازي، ج 12، ص 110.

[6] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج‏20، ص: 277

[7] يونس، الآية 15.

[8] مجمع البيان تفسير سورة والضحى .