1422هـ

1423هـ

1424هـ

1425هـ

1426هـ

1427

1428هـ

1429هـ

 

 

مفهوم التشيع بين الواقعية والدعوى

25 / 9 / 1429 هـ

26 / 9 / 2008 م

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِي اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ . وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ انْتَجَبَهُ لِوَلَايَتِهِ وَاخْتَصَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَأَكْرَمَهُ بِالنُّبُوَّةِ أَمِيناً عَلَى غَيْبِهِ وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ[1]

قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (آل عمران:31)

الآية المباركة تشير إلى أن المحبة الجوفاء المعتمدة على مجرد الدعوى الفارغة من كل دليل ودون أن تتكئ على أمور واقعية ، لا يمكن أن تصدق، بل المحبة الواقعية هي التي تعتمد على الجانب العملي لما يريده المحبوب ومتابعته في أقواله وأفعاله وتحقيق آماله ورغباته وهذا ما عبرت عنه الآية {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} فإن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله هو المنفذ لما يريده الله في الأرض فمن اتبعه فقد أطاع الله ومن جانبه وتركه فقد عصى الله.

فالآية تقول على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله أن كل من يدعي محبة الله لا تقبل دعواه بلا برهان ودليل على محبته، فمن كان صادقاً في هذه الدعوى فعليه أن يتبعني وذلك لأني رسوله والممثل لأوامره ونواهيه ولم آلو جهداً في إيصال ما يرديه الله إلى عباده فمن يلتزم بما أقوله له فإن الله سوف يحبه ويغفر له ما تقدم من ذنبه والله غفور لذنوب العباد رحيم بهم.

المحبة في اللغة:

فسرت المحبة في اللغة بالإرادة وقيل أن المحبة أبلغ من الإرادة وهي أخص منها فكل محبة إرادة ولا عكس فمحبة الله للعبد رحمته وإعطاؤه الثواب ومحبة العبد لله هي طاعته وامتثال أمره (و محبة اللّه للعبد هي إرادته لثوابه ومحبة العبد للّه هي إرادته لطاعاته)[2].

قال الفيض الكاشاني: المحبّة من العبد ميل النّفس إلى الشّيء، لكمال أدركت فيه، بحيث تحملها على ما يقرّبها إليه ومن اللّه رضاه عن العبد، وكشفه الحجاب عن قلبه. والعبد إذا علم أنّ الكمال الحقيقي ليس إلّا للّه، وأنّ كلّ ما يراه كمالا من نفسه أو من غيره فهو من اللّه وباللّه وإلى اللّه لم يكن حبّه إلّا للّه وفي اللّه وذلك يقتضي إرادة طاعته والرّغبة فيما يقرّبه إليه. فعلامة المحبّة إرادة الطّاعة والعبادة والاجتهاد البليغ في اتّباع من كان وسيلة له إلى‏ معرفة اللّه ومحبّته ممّن كان عارفا باللّه محبّا إيّاه محبوبا له فإنّ من هذه صفاته، إنّما نال هذه الصّفات بالطّاعة على الوجه المخصوص، وهو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومن يحذو حذوه فمن أحبّ اللّه فلا بدّ له من اتّباع الرّسول في عبادته وسيرته وأخلاقه وأحواله حتّى يحبّه اللّه إذ بذلك يحصل التّقرّب إلى اللّه، وبالتّقرّب يحصل محبّة اللّه تعالى إيّاه، كما قال سبحانه: «وإن العبد ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»[3].

وأيضا لمّا كان الرّسول حبيب اللّه فكلّ من يدّعي محبّة اللّه، لزمه محبّة الرّسول لأنّ محبوب المحبوب محبوب، ومحبّة الرّسول إنّما تكون بمتابعته وسلوك سبيله، قولا وعملا وخلقا وحالا وسيرة وعقيدة، ولا يتمشّى دعوى محبّة اللّه إلّا بهذا، فإنّه قطب المحبّة ومظهرها، فمن لم يكن له من متابعته نصيب لم يكن له من المحبّة نصيب ومن تابعه حقّ المتابعة ناسب باطنه وسرّه وقلبه ونفسه باطن الرّسول وسرّه وقلبه ونفسه، وهو مظهر محبّة اللّه، فلزم بهذه المناسبة أن يكون لهذا التّابع قسط من محبّة اللّه بقدر نصيبه من المتابعة، فيلقي اللّه محبّته عليه، ويسري من باطن روح الرّسول نور تلك المحبّة إليه فيكون محبوبا للّه محبّا له. ومن لم يتابعه يخالف باطنه باطن الرّسول، فبعد عن وصف المحبوبيّة، وزال[4] المحبّة عن قلبه أسرع ما يكون، إذ لو لم يحبّه اللّه لم يكن محبّا له، وفي حكم الرّسول من أمر اللّه والرّسول بحبّه واتّباعه، وهم الأئمّة الأوصياء عليهم السّلام.[5]

وعلى ما تقدم من دعوى محبة الله وأنها لا تتحقق إلا بالعمل ومتابعة الرسول صلى الله عليه وآله قولا وفعلا وتقريرا.

هنا تطرح عدة مفاهيم بين أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام مثل: المحبة لأهل البيت، والتولي لهم والبراءة من أعدائهم، والمشايعة لهم، وفي حالة الانتساب إليهم وتطبيق هذه المفاهيم على الواقع يحصل الحوار والنقاش حول حدود هذه المفاهيم سعة وضيقاً وقوة وضعفاً وما هو المفهوم منها أكثر قداسة وأكثر التصاقا بهم وبتطلعاتهم وأهدافهم الرسالية.

في البداية إننا نلمس بعض الاختلافات في فهم هذه العناوين المطروحة في الساحة الإسلامية بل وفي الساحة الشيعية وبين ما تطرحه الروايات المروية في التراث الشيعي، وهذا الاختلاف ليس بالشيء القليل الذي يمكن التغاضي عنه بل أدى إلى النزاعات الداخلية والخارجية ورتب عليها بعض الفتاوى التحريضية من الإقصاء والتضليل ونشر بعض الثقافات المترتبة على فهم بعض هذه العناوين.

سنحاول أن نسلط الضوء على فهم هذه المفاهيم: المحبة، التولي والتبري، التشيع. ومقارنتها بعضها مع بعض استلهاما من الروايات المروية في تراث أهل البيت عليهم السلام.

السلة المتكاملة:

إننا وفي هذه الأيام التي نعيش فيها ذكرى شهادة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام رأس أئمة أهل البيت ومن ينتسب إليه الشيعة ، علينا أن نرجع إلى رواياتهم عليهم السلام التي تتحدث عن المفاهيم لنرى موقفها منها حتى نستلهم منها ثقافتنا لنكون مصداقاً لقولهم عليهم السلام: (إِنَّا لَا نَعُدُّ الرَّجُلَ مُؤْمِناً حَتَّى يَكُونَ لِجَمِيعِ أَمْرِنَا مُتَّبِعاً مُرِيداً، أَلَا وَإِنَّ مِنِ اتِّبَاعِ أَمْرِنَا وَإِرَادَتِهِ الْوَرَعَ؛ فَتَزَيَّنُوا بِهِ يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ، وَكَبِّدُوا [وكيدوا خ ل] أَعْدَاءَنَا بِهِ يَنْعَشْكُمُ اللَّهُ)[6] علينا أن نضع رواياتهم جميعاً في سلة واحدة متكاملة وفي نفس الوقت علينا أن نكون لجميع أمرهم متبعين لا أن نكون انتقائيين فنأخذ ما يحلو لنا وما يعجبنا ونترك ما لا يعجبنا أو لا ينسجم مع رغباتنا وسياستنا وثقافتنا التي دخلت علينا بشكل وآخر، وفيما يلي نذكر بعض هذه المفاهيم مشفوعة بالروايات في هذا الشأن:

التشيع:

التشيع: مأخوذ من المشايعة والمتابعة في القول والعمل والامتثال بأوامر المتبوع والانتهاء بنواهيه، وهذا المفهوم في نظر أئمة أهل البيت عليهم السلام من المفاهيم المهمة المتميزة ومن المراتب العالية الشريفة التي يجب على مدعيها أن يكون صادقاً فيما يدعيه كما أن هذا المفهوم أرفع درجة من مفهوم المحبة بالرغم من أن المحبة الحقيقية تلازم العمل على طبق إرادة المحبوب فإن أكثرية الأمة الإسلامية إن لم يكن كلها تحب قربى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله بنص آية المودة: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} (23) سورة الشورى. وإن كانت المحبة تختلف شدة وضعفاً ومن شخص إلى آخر ومن فئة إلى أخرى.

مفهوم التشيع في روايات أهل البيت:

1-      طاعة الله:

تركز جملة من الروايات على أن الشيعة الحقيقيين هم المطيعون لله عز وجل فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: (لَا تَذْهَبْ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ، فَوَ اللَّهِ مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ)[7]

2-      تقوى الله:

يحث أهل البيت عليهم السلام شيعتهم على التقوى والورع عن محارم الله في مختلف المجالات والمناسبات، ويجعلون هذا هو ملاك التشيع لهم، فقد روي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ الْعَلَوِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ عليه السلام قَالَ: (كَثِيراً مَا كُنْتُ أَسْمَعُ أَبِي يَقُولُ لَيْسَ مِنْ شِيعَتِنَا مَنْ لَا تَتَحَدَّثُ الْمُخَدَّرَاتُ بِوَرَعِهِ فِي خُدُورِهِنَّ، وَلَيْسَ مِنْ أَوْلِيَائِنَا مَنْ هُوَ فِي قَرْيَةٍ فِيهَا عَشَرَةُ آلَافِ رَجُلٍ فِيهِمْ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَوْرَعُ مِنْهُ)[8]

مفهوم المحبة والولاية في روايات أهل البيت:

عرضت عدد من الروايات مفهوم التشيع من أنه هو تقوى الله وطاعته والورع عن محارم الله وأن مواصفات الشيعة هي مكارم الأخلاق والابتعاد عن مساوئه وأن مجرد دعوى المحبة لأهل البيت وأئمتهم لا تكفي  في تحقق مفهوم التشيع؛ كما جاء في الرواية عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: قَالَ لِي يَا جَابِرُ أَيَكْتَفِي مَنِ انْتَحَلَ التَّشَيُّعَ أَنْ يَقُولَ بِحُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟.

فَوَ اللَّهِ مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَأَطَاعَهُ، وَمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ يَا جَابِرُ إِلَّا بِالتَّوَاضُعِ، وَالتَّخَشُّعِ، وَالْأَمَانَةِ، وَكَثْرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَالْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ، وَالتَّعَاهُدِ لِلْجِيرَانِ مِنَ الْفُقَرَاءِ، وَأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ، وَالْغَارِمِينَ، وَالْأَيْتَامِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَكَفِّ الْأَلْسُنِ عَنِ النَّاسِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، وَكَانُوا أُمَنَاءَ عَشَائِرِهِمْ فِي الْأَشْيَاءِ.

قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا نَعْرِفُ الْيَوْمَ أَحَداً بِهَذِهِ الصِّفَةِ!!.

فَقَالَ: يَا جَابِرُ لَا تَذْهَبَنَّ بِكَ الْمَذَاهِبُ حَسْبُ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ أُحِبُّ عَلِيّاً، وَأَتَوَلَّاهُ ثُمَّ لَا يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ فَعَّالًا؛ فَلَوْ قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ رَسُولَ اللَّهِ، فَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله  خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ عليه السلام ثُمَّ لَا يَتَّبِعُ سِيرَتَهُ، وَلَا يَعْمَلُ بِسُنَّتِهِ، مَا نَفَعَهُ حُبُّهُ إِيَّاهُ شَيْئاً، فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْمَلُوا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ، لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ قَرَابَةٌ، أَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَيْهِ، أَتْقَاهُمْ، وَأَعْمَلُهُمْ بِطَاعَتِهِ.

يَا جَابِرُ وَاللَّهِ مَا يُتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَّا بِالطَّاعَةِ، وَمَا مَعَنَا بَرَاءَةٌ مِنَ‏ النَّارِ، وَلَا عَلَى اللَّهِ لِأَحَدٍ مِنْ حُجَّةٍ، مَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعاً فَهُوَ لَنَا وَلِيٌّ، وَمَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِياً فَهُوَ لَنَا عَدُوٌّ، وَمَا تُنَالُ وَلَايَتُنَا إِلَّا بِالْعَمَلِ وَالْوَرَعِ)[9]

ويمكن لنا أن نستفيد من هذه الرواية ما يلي:

1- التركيز على عنوان التشيع وأن محتواه الحقيق هو طاعة الله والتقوى والورع.

2- ذكر مواصفات الشيعة وأنها مكارم الأخلاق من التواضع والتخشع والأمانة وكثرة ذكر الله .... والابتعاد عن مساوئ الخلاق.

3- أن دعوى التشيع الحقيقي إنما هي مربوطة بالعمل بطاعة الله والتقوى والورع عن محارم الله وطاعة رسوله الكريم .

4- لا يوجد بين الله وبين أحد مهما عظم قرابة إلا بالتقوى والطاعة.

5- هذه الرواية تنفي أن يكون عند أئمة أهل البيت براءة لأحد من النار لمجرد الانتساب إليهم بدون عمل.

6- تحديد معنى التولي والتبري وأنهما يدوران مدار طاعة الله وعصيانه فمن كان مطيعاً لله فهو من الموالين لأهل البيت وإن لم يعلن ذلك على الملأ ومن كان لله عاصياً فهو من أعداء أهل البيت وإن ملأ الدنيا صياحاً وإعلاماً؛ كما جاء في الرواية المتقدمة: (مَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعاً فَهُوَ لَنَا وَلِيٌّ، وَمَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِياً فَهُوَ لَنَا عَدُوٌّ) كائناً من كان انتسب إليهم أو لم ينتسب.

7 – أن ولاية أهل البيت لا تنال ولا تدرك إلا بالطاعة والعمل لله وبما يريده الله ورسوله الكريم  وقد أيدت الرواية المتقدمة رواية أخرى عَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام: (أَبْلِغْ شِيعَتَنَا أَنَّهُ لَنْ يُنَالَ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِعَمَلٍ، وَأَبْلِغْ شِيعَتَنَا أَنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَصَفَ عَدْلًا ثُمَّ يُخَالِفُهُ إِلَى غَيْرِهِ)[10]

والحاصل أن المحبة لأهل البيت عليهم السلام ليست مجرد دعوى فارغة بدون طاعة الله ورسوله.

وكذلك مفهوم التولي بأهل البيت والبراءة من أعدائهم واللذان يرجعان إلى الجانب العقدي  لا يكونان إلا بطاعة الله وطاعة رسوله والتقوى والورع عن محارم الله وبهذا يتحقق التولي لهم والبراءة من أعدائهم كما جاء في النص المتقدم (أَلَا وَإِنَّ مِنِ اتِّبَاعِ أَمْرِنَا وَإِرَادَتِهِ الْوَرَعَ؛ فَتَزَيَّنُوا بِهِ يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ، وَكَبِّدُوا [وكيدوا خ ل ] أَعْدَاءَنَا بِهِ يَنْعَشْكُمُ اللَّهُ)، لأن البراءة من أعدائهم تعني مباينتهم عقائدياً وعملياً مع الاحتفاظ بالسلوك الأخلاقي، أما  السب والشتم واللعن والتي هي من مساوئ الأخلاق فلا تحقق مفهوم التبرؤ لا من قريب ولا من بعيد.

الفرق بين المحبة والتشيع في نظر الإمام الحسن عليه السلام:

يتراءى من جملة من الروايات أن مفهوم التشيع في تراث أتباع مدرسة أهل البيت من المفاهيم المقدسة وأنه أعلى وأسمى من مفهم المحبة والتولي لهم عليهم السلام.

وهنا يوضح الإمام الحسن عليه السلام أهمية صدق دعوى التشيع لمن يدعيها وينتسب إليهم ويتفوق على مفهوم المحبة والتولي فقد يكون المسلم داخلاً في المحبين ولكن ليس من المتشيعين.

فقد قَالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام إِنِّي مِنْ شِيعَتِكُمْ!!!.

فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ لَنَا فِي أَوَامِرِنَا وَزَوَاجِرِنَا مُطِيعاً؛ فَقَدْ صَدَقْتَ، وَإِنْ كُنْتَ بِخِلَافِ ذَلِكَ؛ فَلَا تَزِدْ فِي ذُنُوبِكَ بِدَعْوَاكَ مَرْتَبَةً شَرِيفَةً لَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا لَا تَقُلْ لَنَا أَنَا مِنْ شِيعَتِكُمْ وَلَكِنْ قُلْ أَنَا مِنْ مُوَالِيكُمْ وَمُحِبِّيكُمْ وَمُعَادِي أَعْدَائِكُمْ وَأَنْتَ فِي خَيْرٍ وَإِلَى خَيْرٍ[11]

الفرق بين المحبة والتشيع في نظر الإمام الحسين عليه السلام:

قَالَ رَجُلٌ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَنَا مِنْ شِيعَتِكُمْ.

قَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَدَّعِيَنَّ شَيْئاً يَقُولُ اللَّهُ لَكَ كَذَبْتَ وَفَجَرْتَ فِي دَعْوَاكَ، إِنَّ شِيعَتَنَا مَنْ سَلِمَتْ قُلُوبُهُمْ مِنْ كُلِّ غِشٍّ، وَغِلٍّ، وَدَغَلٍ، وَلَكِنْ قُلْ أَنَا مِنْ مُوَالِيكُمْ وَمُحِبِّيكُم‏[12]

فمفهوم التشيع أخص وأعلى وأسمى وأقدس وأفضل من مفهومي المحبة والموالاة.

إن هذا التصحيح للخلط بين هذه المفاهيم قد تصدى له أئمة أهل البيت وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقد ورد ذلك عن رسول الله وفاطمة وعلي بن الحسين والرضا عليهم السلام.

الحالة الوسطية:

أئمة أهل البيت عليهم السلام في علاقتهم مع الله وتقديسه وتعظيمه يشددون على أنفسهم وشيعتهم ومحبيهم والموالين لهم بل وبقية المسلمين ممن يسمع لهم، ولا تأخذهم في الله لومة لائم فتراهم يحثون على التقوى والعمل الصالح وكل ما يؤدي إلى الارتباط بالله وتعظيمه وتقديسه ولا يتساهلون في ذلك على الإطلاق ويدفعون الناس إلى الدرجات العلى وأعلى درجات العبادة.

أما فيما يرجع إليهم أنفسهم وما يعتقده الآخرون فيهم فيدعونهم إلى الحالة الوسطية بين الإفراط والتفريط فتراهم يحذرون شيعتهم ومحبيهم والموالين لهم من التطرف والغلو فيهم فلا يرتضون من أتباعهم أن يرفعوهم إلى درجة الغلو ويدعوا لهم الإلوهية أو الربوبية وأن يخرجوهم من حد البشرية {بل عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} (الانبياء:26-27) {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم: من الآية6)

فعَنْ أَبَانٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (الباقر عليه السلام) قَالَ: يَا مَعْشَرَ الشِّيعَةِ - شِيعَةِ آلِ مُحَمَّدٍ - كُونُوا النُّمْرُقَةَ الْوُسْطَى يَرْجِعُ إِلَيْكُمُ الْغَالِي وَيَلْحَقُ بِكُمُ التَّالِي.

فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَعْدٌ جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا الْغَالِي؟

قَالَ: قَوْمٌ يَقُولُونَ فِينَا مَا لا نَقُولُهُ فِي أَنْفُسِنَا فَلَيْسَ أُولَئِكَ مِنَّا وَلَسْنَا مِنْهُمْ.

قَالَ: فَمَا التَّالِي؟

قَالَ: الْمُرْتَادُ يُرِيدُ الْخَيْرَ يُبَلِّغُهُ الْخَيْرَ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ.

ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا مَعَنَا مِنَ اللَّهِ بَرَاءَةٌ وَلا بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللَّهِ قَرَابَةٌ وَلا لَنَا عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ وَلَا نَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا بِالطَّاعَةِ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُطِيعاً لِلَّهِ تَنْفَعُهُ وَلَايَتُنَا وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ عَاصِياً لِلَّهِ لَمْ تَنْفَعْهُ وَلَايَتُنَا وَيْحَكُمْ لَا تَغْتَرُّوا وَيْحَكُمْ لَا تَغْتَرُّوا[13].

نستفيد من هذه الرواية عدة أمور:

1- أن هذه الرواية تريد أن تفهم الشيعة أنه لا يجوز لكم أن تغالوا في أهل البيت وتقولوا فيهم ما لم يقولوه في أنفسهم كأن تدعوا لهم الربوبية أو الإلوهية أو أنهم يخلقون ويرزقون أو يُحيون أو يُميتون أو أنهم يعلمون الغيب وغير ذلك مما هم منه براء ولا يرتضونه وقد أنكروه وتبرؤوا ممن ينسبه إليهم في عدة روايات.

2- يجب عليكم أيها الشيعة أن تختاروا حالة الوسطية وتكونوا النُّمْرُقة الوسطى وهي الوسادة الصغيرة التي يتكأ عليها الإنسان والجمع نمارق قال تعالى: (وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ) (الغاشية:15) فالأئمة يريدون من شيعتهم أن يكونوا في حالة الوسط.

قال المجلسي: وكأن التشبيه بالنمرقة باعتبار أنها محل الاعتماد، والتقييد بالوسطى لكونهم واسطة بين الإفراط والتفريط، أو التشبيه بالنمرقة الوسطى باعتبار أنها في المجالس صدر ومكان لصاحبه يلحق به، ويتوجه إليه من على الجانبين[14].

3-  تشير الرواية إلى تنبيه بعض الشيعة الذين يحملون في أذهانهم أن مجرد الانتساب إلى علي عليه السلام وأولاده المعصومين عليهم السلام كاف في النجاة من النار ولا يحتاج إلى عمل.

4- الإمام عليه السلام يصرح في هذه الرواية وغيرها أنه لا توجد عندهم براءة لأحد من النار بدون عمل وورع وتقوى وليس لهم على الله حجة .

5- وهو الأهم أن مفهوم التولي لأهل البيت عليهم السلام يرتكز على طاعة الله ورسوله والتقوى والورع عن محارم الله فلا تصلح ولا تقبل دعوى التولي بمجرد الدعوى ورفع الشعارات في داخل الطائفة أو خارجها بدون العمل بل مفهوم التولي لهم هو أن يكون المدعي لهذه المرتبة مطيعاً لله حتى ينتفع بهذه الدعوى ومن كان عاصياً لله ولرسوله فلن تنفعه.

والحاصل أن التولي لهم عليهم السلام هو الإيمان الصادق والإسلام الحقيقي والبراءة من أعدائهم هي البراءة من أعداء الله ورسوله فلم تكن الولاية لأهل البيت والبراءة من أعدائهم شيئاً آخر غير الولاء لله ولرسوله والبراءة من أعدائهما.

ما ينبغي للشيعة في مواجهة الناس:

كل فئة إذا نسبت إلى عقيدة ما أو إلى دين ما، أو مذهب ما، أو حزب من الأحزاب فإن هذه الفئة سوف تكون مرآة لمن تنتسب إليه ولأن الشيعة ينتسبون في عقيدتهم وهويتهم وأخلاقهم وفقههم إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام فسوف ينظر الآخرون إلى هذه المدرسة وأئمتها بواسطة شيعتهم، فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): (يا معشر الشيعة إنكم قد نسبتم إلينا، كونوا لنا زينا، ولا تكونوا علينا شينا)[15].

إن من أوضح النصوص التي وردت عن أهل البيت عليهم السلام في دعوة شيعتهم أن يكونوا زيناً لهم ومرآة صافية لأخلاق أهل البيت وأن لا يكونوا عليهم شيناً هذا النص الذي خاطب الأمام الصادق عليه السلام شيعته وأوضح فيه أنكم منسوبون إلينا بأي شكل من الأشكال فلا بد أن تكونوا بمستوى المسؤولية  وأن تنظروا إلى أئمتكم ما ذا يقولون فاتبعوهم وارووا عنهم محاسن كلامهم وأن تفعلوا مثل ما يفعلون.

الخطبة الثانية

يوم القدس العالمي: