|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
الإمام الحجة عليه السلام يبرأ من الغلاة والمفوضة 14 / 8 / 1429 هـ 15 / 8 / 2008 م بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِي اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ . وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ انْتَجَبَهُ لِوَلَايَتِهِ وَاخْتَصَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَأَكْرَمَهُ بِالنُّبُوَّةِ أَمِيناً عَلَى غَيْبِهِ وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ[1] السلام عليك يا حجة الله وابن حججه، السلام عليك يا نور الله في أرضه الذي يهتدي به المهتدون، السلام عليك يا بقية الله في أرضه وحجته على خلقه، السلام عليك يا منقذ البشرية من العمى والضلال، السلام عليك يا من تملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً، السلام عليك يا من تُحقِّقُ العدل في ربوع الأرض شرقها وغربها، السلام عليك يا أمل المستضعفين والمحرومين في العالم، السلام عليك أيها المنتظِر لأمر الله حتى تخرج إلى الملأ في ذكرى ميلاد المصلح المنتظر عليه السلام نرفع أسمى آيات التبريك والمودة والمحبة إلى مقام العلماء الأعلام والمصلحين، والمحرومين والمعذبين على وجه الأرض، كما نقف بكل تقدير واعتزاز أمام المجاهدين الأبطال والشهداء السعداء وما قدموه من تضحيات، الذين رفعوا رأس الأمتين الإسلامية والعربية عالية عزيزة في انتصارات تموز 2006م وأذلوا العدو الصهيوني المندحر. إننا نقف أمام هؤلاء العظماء عاجزين عن شكرنا لهم وتقديرنا إياهم على ما قدموه في سبيل رضا إمامهم وعزة الإسلام والمسلمين. الإمام المهدي عليه السلام هو الإمام الثاني عشر من أئمة الهدى أئمة أهل بيت والوحي والرسالة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، أولئك النفر الذين جاءوا للدعوة إلى توحيد الله وتنزيهه وتعظيمه وتقديسه فهم الدعاة إلى الله والأدلاء على مرضاة الله والمخلصون في توحيد الله، جاءوا لمحاربة الظلم والاستبداد، جاءوا لنصرة المحرومين والمعذبين جاءوا لإحقاق الحق وإزهاق الباطل، وبكل جدارة قاموا بمسؤولياتهم حتى وصلت النوبة إلى آخرهم وقائمهم الحجة بن الحسن صلوات الله عليه وعلى آبائه. من الطبيعي من أولويات الإمام المهدي عليه السلام بداية من غيبته الصغرى وحتى خروجه ومروراً بغيبته الكبرى هي الدعوة إلى توحيد الله سبحانه ونفي الشرك عنه وتنزيهه عما لا يليق بساحة قدسه وعز جلاله وما لا يتناسب مع ملكوت سلطانه. إن الإمام المهدي عليه السلام كآبائه الطاهرين هو حارس الشريعة ورافع الشبهات التي تعلق بأذهان الناس فيما يتصل بتوحيد الله في الصفات والأفعال والعبادة {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} (آل عمران: من الآية18) و المحافظة على الشريعة الإسلامية من الداخل أو الخارج. خلال القرنين الأوليين من صدر الإسلام سادت موجة الغلو والتفويض من بعض الفئات لبعض الشخصيات العظيمة فقد نُسبت الإلوهية والنبوة والخلق والرزق والإحياء والإماتة إلى بعض أئمتنا عليهم السلام كما نُسب ذلك إلى غيرهم وقد تصدى أئمة أهل البيت عليهم السلام إلى هذه الفئات المنحرفة بكل قوة وشدة وجدارة وشجبوا هذه الأفكار الهدامة التي نسبت إليهم وتبرؤوا من قائلها، وقد تردد في كلماتهم وما أثر عنهم من أن هؤلاء من الغلاة والمفوضة وهم منحرفون عن خط الإسلام وروح الإيمان، كما فعل الإمام أمير المؤمنين والإمام الصادق والإمام الرضا عليهم السلام وآخرهم الإمام المهدي عليه السلام. ففي الغيبة الصغرى خرجت التوقيعات والرسائل وَرَدِّ الأجوبة منه في الرد على الغلو والغلاة الذين نسبوا الإلوهية أو النبوة لهم، أو نسبوا لهم فضائل خارجة عن الحد والقصد فقد تبرأ من هؤلاء جملة وتفصيلا. كما ردَّ الإمام المهدي عليه السلام وتبرأ ممن نسب لهم التفويض بأن الله فوض لهم الخلق والرزق والإحياء والإماتة، وفنَّد هذه الأكاذيب والدعاوى الباطلة التي نسبوها إلى أئمة أهل البيت عليهم السلام. معنى الغلو: قال الشيخ المفيد (قدس الله روحه): (هو تجاوز عن الحد[2] والخروج عن القصد قال الله تعالى {يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} الآية فنهى عن تجاوز الحد في المسيح، وحذّر من الخروج عن القصد في القول وجعل ما ادعته النصارى غلوا لتعدية الحد على ما بيناه والغلاة من المتظاهرين بالإسلام هم الذين نسبوا أمير المؤمنين والأئمة من ذريته عليهم السلام إلى الإلهية والنبوة ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا إلى ما تجاوزوا فيه الحد وخرجوا عن القصد)[3] ففي نظر الشيخ المفيد أن الغلاة على أقسام ثلاثة: 1- الفئات التي نسبت الإلوهية والربوبية إلى الأئمة عليهم السلام. 2- الفئات التي نسبت النبوة لهم . 3- الفئات التي نسبت الفضل لهم (في الدين والدنيا وتجاوزوا فيه الحد وخرجوا عن القصد) أي عن حالة الوسطية والاعتدال، والقصد هو الاعتدال. ويواصل الشيخ المفيد كلامه بقوله: (وهم ضلال كفار حكم فيهم أمير المؤمنين صلوات الله عليه بالقتل والتحريق بالنار وقضت الأئمة عليهم السلام، عليهم بالإكفار والخروج عن الإسلام). معنى التفويض: معناه: أن الله سبحانه خلق محمداً وعلياً ثم فوّض لهما خلق الناس ورزقهم وإحيائهم وإماتتهم. فقد (رُوِيَ عَنْ زُرَارَةَ أَنَّهُ قَالَ قُلْتُ لِلصَّادِقِ عليه السلام إِنَّ رَجُلًا مِنْ وُلْدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَإٍ يَقُولُ بِالتَّفْوِيضِ. فَقَالَ: وَمَا التَّفْوِيضُ؟. قُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ مُحَمَّداً وَعَلِيّاً صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا فَفَوَّضَ إِلَيْهِمَا فَخَلَقَا وَرَزَقَا وَأَمَاتَا وَأَحْيَيَا فَقَالَ عليه السلام: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ إِذَا انْصَرَفْتَ إِلَيْهِ فَاتْلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ الرَّعْدِ: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} (الرعد: من الآية16) فَانْصَرَفْتُ إِلَى الرَّجُلِ فَأَخْبَرْتُهُ فَكَأَنِّي أَلْقَمْتُهُ حَجَراً أَوْ قَالَ فَكَأَنَّمَا خَرِسَ)[4] وفي [عيون أخبار الرضا عليه السلام] عَنْ يَزِيدَ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الشَّامِيِّ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عليه السلام بِمَرْوَ. فَقُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ رُوِيَ لَنَا عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنَ مُحَمَّدٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: (لَا جَبْرَ وَلَا تَفْوِيضَ [بَلْ] أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ) فَمَا مَعْنَاهُ فَقَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَفْعَلُ أَفْعَالَنَا ثُمَّ يُعَذِّبُنَا عَلَيْهَا فَقَدْ قَالَ بِالْجَبْرِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَوَّضَ أَمْرَ الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ إِلَى حُجَجِهِ عليهم السلام فَقَدْ قَالَ بِالتَّفْوِيضِ، وَالْقَائِلُ بِالْجَبْرِ كَافِرٌ، وَالْقَائِلُ بِالتَّفْوِيضِ مُشْرِكٌ ....)الْخَبَرَ[5] وقال الشيخ المفيد (والمفوضة صنف من الغلاة، وقولهم الذي فارقوا به من سواهم من الغلاة اعترافهم بحدوث الأئمة وخلقهم ونفي القدم عنهم، وإضافة الخلق والرزق مع ذلك إليهم، ودعواهم أن الله تعالى تفرد بخلقهم خاصة، وأنه فوض إليهم خلق العالم بما فيه وجميع الأفعال). الأئمة يبرؤون من الغلاة والمفوضة: أئمتنا عليهم السلام وقفوا موقفاً سلبياً من الغلاة والمفوضة بمختلف أشكالهم ومراتبهم، ليس من يدعي الربوبية لعباد الله فقط بل من يسلك مقدمات تلك الدعوى بعنوان الحب المفرط والولاء الكاذب؛ قال أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام: (يَهْلِكُ فِيَّ اثْنَانِ مُحِبٌّ غَالٍ وَمُبْغِضٌ قَالٍ)[6] كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام فيمن أفرط في حبه وأنه يبرأ من الغلاة؛ قَالَ عَلِيٌّ عليه السلام: (يَهْلِكُ فِيَّ اثْنَانِ وَلَا ذَنْبَ لِي مُحِبٌّ مُفْرِطٌ وَمُبْغِضٌ مُفْرِطٌ، وَإِنَّا لَنَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِمَّنْ يَغْلُو فِينَا فَيَرْفَعُنَا فَوْقَ حَدِّنَا كَبَرَاءَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عليه السلام مِنَ النَّصَارَى)[7] إن تصفيف الخرافات والهوسات ونسبتها إلى الأئمة والأولياء حتى يؤدي بهم أن يخرجوهم من حد البشرية إلى حد العبودية والربوبية لهي من أعظم المصائب التي حلت بهم عليهم السلام وهي أوقع وآلم على قلوبهم من السهام والرماح والسيوف التي قتلوا بها، لهذا نفى أئمتنا عليهم السلام عن أنفسهم العلم بالغيب، والخلق والرزق، والحياة والموت، وغيرها من أمور مختصة بالله سبحانه. الإمام المهدي يتبرأ ممن يقول أن الأئمة يعلمون الغيب: روى الطبرسي في كتاب [الاحتجاج] قال: وَمِمَّا خَرَجَ عَنْ صَاحِبِ الزَّمَانِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - رَدّاً عَلَى الْغُلَاةِ - مِنَ التَّوْقِيعِ جَوَاباً لِكِتَابٍ كُتِبَ إِلَيْهِ عَلَى يَدَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ هِلَالٍ الْكَرْخِيِّ يَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، تَعَالَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَمَّا يَصِفُونَ، سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ لَيْسَ نَحْنُ شُرَكَاءَهُ فِي عِلْمِهِ، وَلَا فِي قُدْرَتِهِ، بَلْ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ غَيْرُهُ كَمَا قَالَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} وَأَنَا وَجَمِيعُ آبَائِي مِنَ الْأَوَّلِينَ آدَمُ وَنُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَغَيْرُهُمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَمِنَ الْآخِرِينَ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ مَضَى مِنَ الْأَئِمَّةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ إِلَى مَبْلَغِ أَيَّامِي وَمُنْتَهَى عَصْرِي عَبِيدُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى} يَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ قَدْ آذَانَا جُهَلَاءُ الشِّيعَةِ وَحُمَقَاؤُهُمْ وَمَنْ دِينُهُ جَنَاحُ الْبَعُوضَةِ أَرْجَحُ مِنْهُ. وَأُشْهِدُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَكَفَى بِهِ شَهِيداً وَمُحَمَّداً رَسُولَهُ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَنْبِيَاءَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ وَأُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ كُلَّ مَنْ سَمِعَ كِتَابِي هَذَا أَنِّي بَرِيءٌ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مِمَّنْ يَقُولُ إِنَّا نَعْلَمُ الْغَيْبَ أَوْ نُشَارِكُ اللَّهَ فِي مُلْكِهِ أَوْ يُحِلُّنَا مَحَلًّا سِوَى الْمَحَلِّ الَّذِي نَصَبَهُ اللَّهُ لَنَا وَخَلَقَنَا لَهُ أَوْ يَتَعَدَّى بِنَا عَمَّا قَدْ فَسَّرْتُهُ لَكَ وَبَيَّنْتُهُ فِي صَدْرِ كِتَابِي وَأُشْهِدُكُمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ نَتَبَرَّأُ مِنْهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْرَأُ مِنْهُ وَمَلَائِكَتَهُ وَرُسُلَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ. وَجَعَلْتُ هَذَا التَّوْقِيعَ الَّذِي فِي هَذَا الْكِتَابِ أَمَانَةً فِي عُنُقِكَ وَعُنُقِ مَنْ سَمِعَهُ أَنْ لَا يَكْتُمَهُ مِنْ أَحَدٍ مِنْ مَوَالِيَّ وَشِيعَتِي حَتَّى يَظْهَرَ عَلَى هَذَا التَّوْقِيعِ الْكُلُّ مِنَ الْمَوَالِي، لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَتَلَافَاهُمْ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ اللَّهِ الْحَقِّ وَيَنْتَهُونَ[8] عَمَّا لَا يَعْلَمُونَ مُنْتَهَى أَمْرِهِ، وَلَا يَبْلُغُ مُنْتَهَاهُ؛ فَكُلُّ مَنْ فَهِمَ كِتَابِي وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى مَا قَدْ أَمَرْتُهُ وَنَهَيْتُهُ فَلَقَدْ حَلَّتْ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ مِنَ اللَّهِ وَمِمَّنْ ذَكَرْتُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ[9] ونخرج من هذا النص بعدة أمور: 1- أن هذا الكتاب كان رداً على الغلاة كما فهمه الراوي أو الطبرسي. 2- نفي علم الغيب عن الأئمة وعن الأنبياء عليهم السلام. 3- أنهم عبيد الله ولا يشاركونه في علم الغيب ولا الخلق ولا الرزق. 4- أن من يدعي مثل هذه الأمور لهم يؤذيهم وهو من الجهلاء والحمقاء. 5- أن من يدعي مثل هذه الأمور للأئمة فهو ضعيف الدين وخفيف إلى حد أن جناح البعوضة أقوى منه. 6- أن هذه الرسالة أمانة في عنق كل من سمعها أن لا يكتمها عن أحد من شيعة أهل البيت عليهم السلام. 7- تبليغ هذه المفاهيم التي ذكرها الإمام في هذا الكتاب إلى كل الشيعة وكل من سمعها عليه أن يبلغها لبقية الشيعة . 8- أن من يدعي علم الغيب للأئمة فهو من الغلاة كما هو صريح هذا النص. 9- الإمام المهدي عليه السلام يأمل بل ويأمر كل من سمع كتابه هذا وفهمه عليه أن يرجع عن معتقده الباطل من القول بأن الأئمة يعلمون الغيب 10- ومن لم يرجع عن المعتقدات الباطلة فسوف تحل عليه اللعنة من الله وهي إبعاده عن رحمته ويحل عليه غضبه. 11- هذه الرواية من الإمام المهدي عليه السلام في نفي علم الغيب عنهم تتطابق مع الآيات القرآنية التي خصصت علم الغيب بالله وحده دون خلقه. هل الأنبياء والأئمة يعلمون الغيب أم لا؟ هذه من المسائل التي بحثت من القرون الأولى في التاريخ الإسلامي وعلى مستوى المذاهب والفئات؛ بل وفي داخل الفرق نفسها بين مثبت ونافٍ، واختلفت الأقوال والروايات كما أن ظاهر بعض الآيات يوهم نسبة علم الغيب إلى غير الله وعلى أساسه قسم بعض العلماء علم الغيب إلى عدة أقسام منها ما هو مختص بالله ومنها ما يعلم به غيره. وسوف أشير إلى ذلك مختصراً بما يتناسب مع المقام. تعريف علم الغيب : لفظة (الغيب ) تقابل (الشهود) أي أن الغيب خلاف الحضور والشهود. والعالم بالغيب هو الذي يعلم الغيب بذاته مستقلا دون تعليم من غيره وهذا ما ذكره الشيخ المفيد المتوفى (413 هـ) في نفيه علم الغيب عن الأئمة عليهم السلام بقوله: (فأما إطلاق القول عليهم أنهم يعلمون الغيب فهو منكر بيّن الفساد، لأن الوصف بذلك إنما من يستحقه من علم الأشياء بنفسه لا بعلم مستفاد، وهذا لا يكون إلا لله – عز وجل – وعلى قولي هذا جماعة أهل الإمامة إلا من شذّ عنهم من المفوضة ومن انتمى إليهم من الغلاة)[10] هذا التعريف من الشيخ المفيد هو أحسن التعاريف لعلم الغيب وأسده وأمتنه، وبنى عليه أجوبته في جميع الأسئلة والشبه والإشكالات التي ترد عليه حول علم الغيب، ونخلص من هذا التعريف بعدة أمور: 1- أن هذا التعريف من الشيخ المفيد يحصر كل ما يطلق عليه علم الغيب حقيقة بأنه مختص بالله سبحانه؛ لأنه هو الذي يعلم الأشياء بنفسه لا بعلم مستفاد من غيره، أما الأنبياء والأئمة عليهم السلام فإن علمهم من غيرهم. 2- أن هذا التعريف يرفع ما يدعى من توهم التنافي بين الآيات في نفسها فعلى هذا التعريف لا تنافي بينها، وكذلك تَنافي الروايات في حد ذاتها. 3- أن دعوى علم الغيب للأئمة من الأمور المنكرة بينة الفساد التي لا يجوز لعالم أن يقول بها. 4- ولأجل وضوح المسألة لدى العلماء فإن الشيعة الإمامية قاطبة -إلا من شذ منهم -كانوا يقولون أن الأنبياء والأئمة لا يعلمون الغيب. هذا في زمن الشيخ المفيد وما قبله وربما فيما بعده بفترة معينة، ونحن نعلم أن الشيخ المفيد توفي سنة (413هـ) أي أن القرون الأربعة الأولى أو الخمسة من صدر الإسلام كانت الشيعة على هذا القول بأجمعهم. 5- أن الذين يقولون أن الأئمة يعلمون الغيب هم الغلاة والمفوضة ممن اندسوا في التشيع. 6- أما لماذا انتشر الآن القول بأن الأئمة يعلمون الغيب خلافاً لما عليه الشيعة الإمامية في القرون الأربعة الأولى؟ فهذا ما نتركه للمستمع والقارئ اللبيب. الآيات القرآنية: الآيات القرآنية على طائفتين إحداهما واضحة كل الوضوح في حصر علم الغيب بالله ونفيه عن غيره وثانيتهما تشير إلى أن الله أطلع أنبياءه ورسله على علم الغيب وهما كما يلي: الطائفة الأولى: 1- {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (الأنعام:59). 2- {فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ} (يونس: من الآية20). 3- {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} (النمل: من الآية65). 4- {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} (الأنعام: من الآية50). 5- {وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} (هود: من الآية31). 6- {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} (الأعراف: من الآية188). 7- {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} (الاحقاف:9). 8- {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ}[11] فهذه الطائفة من الآيات واضحة كل الوضوح في حصر علم الغيب بالله. الطائفة الثانية: والتي ربما يستدل بها البعض على علم الغيب لغير الله وهي كما يلي: 1- {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ}[12] 2- {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ} (هود: من الآية49). 3- {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} (الجـن:26-28). 4- {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْ& |