1422هـ

1423هـ

1424هـ

1425هـ

1426هـ

1427

1428هـ

1429هـ

 

 

خذ العفو (1)

7 / 8 / 1429 هـ

8 / 8 / 2008 م

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِي اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ . وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ انْتَجَبَهُ لِوَلَايَتِهِ وَاخْتَصَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَأَكْرَمَهُ بِالنُّبُوَّةِ أَمِيناً عَلَى غَيْبِهِ وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ[1]

قال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف:199)

معنى الآية مختصراً:

يعني يا محمد اعفُ عن الناس وتسامح معهم واقبل من أخلاقهم الشيء الكثير الذي لا ترتضيه وتحمله واستعمل الوسطية معهم، وأمر بالعرف أي بالمعروف الذي يعرفه الناس ويحسنه العقل والآداب، ومن يسبك ويشتمك ويلعنك ويؤذيك فأعرض عنه فإنه من الجهلاء.

المصانعة مع الإنسان والاستعاذة من الشيطان:

أعداء الإنسان الذين يورطونه ويتغلبون عليه كثر، فهم في صراع دائم معه طيلة حياته، صراع الخير والشر، صراع الحق والباطل، ومن أبرز هؤلاء الأعداء:

1- الإنسان الذي هو من بني نوعه.

2- الشيطان والذي هو من نوع آخر.

وكلا العدوين فإن الإنسان مبتلىً بالتعامل معهما كطبيعة الحياة الدنيوية، والسؤال الذي يطرح نفسه ما هو الموقف الحازم الذي يجب أن يتخذه الإنسان في حياته مع هذين العدوين؟ وما هي أنجح الوسائل التي يجب أن يتعامل بها معهما؟ وما هي أقصر الطرق الموصلة للهدف معهما؟

يعرض لنا القرآن الكريم الجواب بصورة واضحة لا لبس فيها عندما يوازن بين هذين النوعين من الأعداء؛ الإنسان والشيطان وخطرهما، ثم كيف يقف الإنسان منهما ويتعامل معهما؟

فهل يشن عليهما حرباً لا هوادة فيها ويصارعهما طيلة حياته أو يصانعهما ويداريهما ويتعامل معهما بالحسنى؟

أو لا هذا ولا ذاك، بل يفرق في التعامل معهما لاختلاف طبيعتهما ويتعامل مع أحدهما بما يختلف عن التعامل مع الآخر.

ولا شك أن النموذج الأعلى لمن يتعامل مع هذين العدوين وينجح في تعامله معهما يجب أن يكون أكمل إنسان وأعظم إنسان على وجه الأرض حتى يقدم التجربة كاملة وناجحة حتى يقتدي به الآخرون ويستفيدوا من تجربته.

وبالفعل فإن الله سبحانه أمر نبيه وحبيبه المصطفى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله أن يقوم بهذه المهمة وأن يتعامل مع هذين العدوين كل بحسب طبعه وتختلف المعاملة بين الإنسان والشيطان  فالعدو الإنسي يجب التعامل معه بالمداراة والمصانعة وأن لا ييأس من تغيره ورجوعه عن مواقف الشر، ووضع المولى سبحانه لنبيه قواعد وأسس يجب أن ينطلق منها في دعوته إلى الله وإصلاح الإنسان.

أما بالنسبة إلى العدو الشيطاني فالتجربة دلت أنه لا رجاء في تغيره وتبدله وإصلاحه وحينئذ لا بد من الاستعاذة منه ومن نزغاته في كل الأحوال.

المشهد القرآني في التعامل مع العدو الإنساني والعدو الشيطاني:

فيما يلي نرى المشهد الذي يعرضه القرآن الكريم في ثلاث آيات يجب أن يتعامل بها الإنسان مع العدو الإنسي ثم يردفها المولى بثلاث آيات أخرى يأمره فيها بالاستعاذة من الشيطان الرجيم ومن نزغه وحبائله وشروره:

1- قال اللّه تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 199- 200]

 2- وقال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 96- 97]

3- وقال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[فصلت: 34- 36]

قال ابن كثير: (فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها وهو أن اللّه تعالى يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه ليرده عنه طبعه الطيب الأصل إلى الموادة والمصافاة، ويأمر بالاستعاذة به من العدو الشيطاني لا محالة إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانا ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل)[2]

عداوة الشيطان للإنسان:

ثم إن المولى سبحانه يذكر بني آدم بعداوة الشيطان لهم ولأبيهم آدم وأمهم حوّاء من قبل،  فيقول تعالى: {يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 27] فالتجربة لا تزال حية فكما أخرج أبويكم من الجنة وصار سبباً في شقائهما وتأسفا وندما على ما وقعا فيه من طاعتهما للشيطان فلا يفتننكم بإغراءاته وأمنياته ويوقعكم في الشقاء والعذاب الأليم وعذاب السعير فهو عدو حقيقي والعدو لا يريد بعدوه إلا جهنم كما قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6]

ثم إن المولى سبحانه يحذر بني آدم من موالاته ومصافاته والركون إليه والانخداع بأكاذيبه بل وحتى المدارات له فإن ذلك إلى البوار قال تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف: 50] فهل يترك عاقل مولاة المولى سبحانه ومصافاته والتعلق به وطاعته ويتعلق بمولاة الشيطان وذريته، وهو قد أقسم لأبينا آدم وأمنا حواء عليهما السلام أنه لهما لمن الناصحين وكذب فكيف معاملته لنا وقد قال: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82- 83] فإن العباد المخلصين ليس له عليهم سلطان ولا سيطرة بل سيطرته وسلطانه على الذين يوالونه ويتولونه ويطيعونه كما قال تعالى: {فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 98- 100].

الأخلاق في القرآن:

كلام ابن كثير المتقدم في حصر الآيات بالثلاث يعني في هذا النسق من أمر الله نبيه صلى الله عليه بمداراة الإنسان ثم يردفه بالاستعاذة من الشيطان، وإلا فالآيات التي أمرت النبي بمكارم الأخلاق كثيرة منها:

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (النحل:90).

وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} (النحل:127).

وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (لقمان: من الآية17).

وقوله تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (الشورى:43).

وقوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (المائدة: من الآية13).

وقوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران: من الآية134).

فهذه جملة من الآيات الدالة على مكارم الأخلاق في مقام الأمر بها أو المدح لمن اتصف بها.

أدب الله نبيه فأحسن تأديبه:

أدب اللّه نبيه محمدا صلى الله عليه وآله فأحسن تأديبه، فقد (كان صلى الله عليه وآله كثير الضراعة والابتهال إلى الله تعالى، دائم السؤال من الله تعالى أن يزينه بمحاسن الآداب ومكارم الأخلاق فكان صلى الله عليه وآله يقول في دعائه: (اللهم حَسّن خَلقي وخُلقي) ويقول: (اللهم جَنّبني منكرات الأخلاق)  فاستجاب اللّه تعالى دعاءه، وفاء بقوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (غافر: من الآية60) فأنزل عليه القرآن وأدبه به فكان خلقه القرآن)[3] وبذلك أتم الله له مكارم الأخلاق، ثم أرسله كافة للناس ليبلغ لهم مكارم الأخلاق حيث كانت الرسالة التي يحملها من الله إلى الأمة هي مكارم الأخلاق فقد روي عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله يَقُولُ: (بُعِثْتُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِهَا)[4]

كان خلقه القرآن:

كما تقدم فإن الله أدّب نبيه بالقرآن الكريم حتى اختلط دمه وعظمه وكل مشاعره به حتى أصبح بحق خلقه القرآن الكريم.

ومن الآيات التي أدب اللّه بها رسوله الأكرم (ص) قوله {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ}. ويبدو من الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وآله مرّ بمراحل متعددة مع هذا التأديب:

المرحلة الأولى: الأمر بمكارم الأخلاق:

دلت روايات كثيرة على أن الله سبحانه أدب رسوله بمكارم الأخلاق التي جاءت بها جملة من الآيات ومنها هذه الآية وأمره بما فيها فعن الحسن[5] بن علي بن النعمان عن أبيه عمن سمع أبا عبد الله عليه السلام وهو يقول: إن الله أدب رسوله صلى الله عليه وآله فقال يا محمد {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ} قال: خذ منهم ما ظهر وما تيسر، والعفو الوسط.[6]

وفي رواية أخرى لما نزل قول اللَّهُ تَعَالَى {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ}

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله يَا جَبْرَئِيلُ مَا هَذَا الْعَفْوُ؟.

قَالَ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ.

وَفِي خَبَرٍ آخَرَ (إِذَا جَثَتِ الْأُمَمُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُودُوا لِيَقُمْ مَنْ كَانَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَقُومُ إِلَّا مَنْ عَفَا فِي الدُّنْيَا عَنْ مَظْلِمَتِهِ)[7]

فهذه الروايات تقول أن هذه الآية هي روح مكارم الأخلاق ومحاسنها وخلاصتها ولبها والعمل بها هو عمل بمكارم الأخلاق التي هي أن تعفو عن ظالمك وتصل من قطعك وتحسن إلى من أساء إليك وتعطي من حرمك.

وهذه المكارم من الناحية العملية هي الحلقة المفقودة من الأمة الإسلامية وبالأخص من ينتسب إلى مدرسة أتباع أهل البيت عليهم السلام زوراً وبهتاناً، فقد أصبح الشعار هو السب والشتم واللعن والعداء والبغضاء بين القريب والبعيد وبين المسلمين وبين المذهب الواحد والعشيرة الواحدة والبيت الواحد، فانسلخت من أخلاقها التي بعث نبيها لتطبيقها، وأصبحت مساوئ الأخلاق هي المتحكمة في الأمة.

المرحلة الثانية: أن الله مدح نبيه بها:

فبعد العمل بما أمره الله به من مكارم الأخلاق واتصافه بها مدحه الله سبحانه بأعظم مدح وأثنى عليه أحسن الثناء وهذا أمر طبيعي يستحقه وهو أهله ففي بصائر الدرجات بسنده عَنْ رِبْعِيٍّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ أَدَّبَ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وآله فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهُ فَقَالَ: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ}.

فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ {وإِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيم‏}[8]

فالمدح إنما جاء بعد التأديب والتطبيق لمكارم الأخلاق، وقد عبرت بعض الروايات عن التطبيق العملي بما أمره الله به بحالة الوعي ثم مدحه الله بمكارم الأخلاق فقد جاء في كتاب [العدد القوية] قَالَ مَوْلَانَا الْحَسَنُ عليه السلام: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَدَّبَ نَبِيَّهُ أَحْسَنَ الْأَدَبِ فَقَالَ {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ} فَلَمَّا وَعَى الَّذِي أَمَرَهُ قَالَ تَعَالَى {ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}.

فَقَالَ لِجَبْرَئِيلَ عليه السلام وَمَا الْعَفْوُ ؟.

قَالَ: أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ.

فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ {وإِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏})[9]

المرحلة الثالثة: استعداده لحمل الرسالة الإلهية:

بعد المرور بالمرحلتين الأوليتين جاء دور المرحلة الثالثة وهي مرحلة التكامل، ووصل إلى درجة أن يكون نبياً ومبلغاً عن الله سبحانه، فقد تخلق بمكارم الأخلاق وطبقها عملياً ومدحه علام الغيوب بها ثم جاءت مرحلة تحمل الأمانة وتبليغ الرسالة فقد روي عَنْ رِبْعِيٍّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ أَدَّبَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهُ؛ فَقَالَ {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ}.

قَالَ فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ {وَإِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ}

فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ فَوَّضَ إِلَيْهِ دِينَهُ فَقَالَ {ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ})[10]

وقال الإمام الباقر عليه السلام: (أدب الله محمدا صلى الله عليه وآله أحسن الأدب فقال: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ} فلما وعى قال {وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا})[11]

الله يريد نجاح الدعوة لنبيه:

بعد بعثة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله من قبل الله سبحانه إلى الناس جميعاً وأمره أن يبلغها إليهم وبما أن إقناع الناس لم يكن بالأمر السهل مع وجود الموانع الكثيرة من هوى النفس والشيطان والنشأة على تربية منحرفة لمئات السنين وضع المولى سبحانه لحبيبه ونبيه وصفيه دستوراً وآلية من الآليات ليوصل تلك الرسالة العظيمة المهمة السهلة الصعبة بأسهل الطرق وأقربها إلى التأثير وبأقل كلفة من الخسائر والصعاب وأمره في أكثر من آية بهذه المهمة الشاقة.

بعد هذا المرور السريع على مجموعة الآيات التي تحدثت عن موقف الإنسان من عدوه الإنسي أو الشيطاني، وكيف أمر الله سبحانه نبيه، وعباده بالتعامل مع العدو الإنسي بالعفو، والمغفرة، والمداراة، والإحسان، والمصانعة، ومع العدو الشيطاني بالاستعاذة، والحذر منه، كما أشرنا إلى مكارم الأخلاق في القرآن وبعض الآيات التي تحدثت عنها.

وبما أن مكارم الأخلاق هذه مما عفي عليها الدهر واندرست على المستوى العملي فلنأتي عليها بشيء من التفصيل لعل الله يمن علينا بأن نتخلق بأخلاق رسول الله وأهل بيته الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين.

الآن لنتحدث عن هذه الآيات ونبدأ بما فتحنا حديثنا بها.

دستور العمل للتبليغ:

لنأخذ الآية التي افتتحنا حديثنا بها والتي خاطب المولى سبحانه رسوله الكريم بقوله {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف:199)

اعتبر كثير من المفسرين أن هذه الآية، تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات وأصول الفضائل والأخلاق الاجتماعية وهي تلي في أهميتها أصول العقيدة، من هنا عرض المولى سبحانه ثلاث قواعد دستورية أساسية لكل داعية إلى الله سواء أكان نبياً أو إماماً أو ولياً أو مصلحاً أو عالماً أو داعية من الدعاة أو مربياً اجتماعياً أو رئيساً لدولة أو رب أسرة أو لمن هو أدنى منه فإنه لا غنى عن هذه المواد الدستورية التي أمر الله نبيه بها وهي:

المادة الأولى من الدستور أخذ العفو:

والعفو في اللغة له معان متعددة:

أ- يأتي بمعنى الزيادة.

ب- كما يأتي بمعنى الحد والوسط.

ج- ويأتي بمعنى استسهال الأمور وعدم التعقيد لها.

 د- وأكثر ما يأتي بمعنى  الصفح عن الذنب وغفرانه والتجاوز عن الخاطئين، وهذا هو المراد في الآية المباركة {خُذِ الْعَفْوَ}

قال الراغب الأصفهاني:

العَفْوُ: القصد لتناول الشيء، يقال: عَفَاه واعتفاه، أي: قصده متناولا ما عنده، وعَفَتِ الرّيحُ الدّار: قصدتها متناولة آثارها، و بهذا النّظر قال الشاعر:

أخذ البلى أبلادها ........[12]

وعَفَتِ الدّار: كأنها قصدت هي البلى، وعَفَا النبت والشجر: قصد تناول الزيادة، كقولك: أخذ النبت في الزّيادة.

وعَفَوْتُ عنه: قصدت إزالة ذنبه صارفا عنه، فالمفعول في الحقيقة متروك، و (عن) متعلّق بمضمر.

فالعَفْوُ: هو التّجافي عن الذّنب. قال تعالى: {فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ‏}[الشورى/ 40]، {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏} [البقرة/ 237]، {ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ} [البقرة/ 52]، {إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ} [التوبة/ 66]، {فَاعْفُ عَنْهُمْ} [آل عمران/ 159]، وقوله: {خُذِ الْعَفْوَ} [الأعراف/ 199]، أي: ما يسهل قصده وتناوله، وقيل معناه: تعاط العفو عن الناس، وقوله: {وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة/ 219]، أي: ما يسهل إنفاقه. وقولهم: أعطى عفوا، فعفوا مصدر في موضع الحال، أي: أعطى وحاله حال العافي، أي: القاصد للتّناول إشارة إلى المعنى الذي عدّ بديعا، وهو قول الشاعر: كأنّك تعطيه الذي أنت سائله‏ .....[13] [14]

العفو في الاصطلاح:

قال الطبرسي: معناه خذ العفو من أخلاق الناس وأقبل الميسور منها عن مجاهد والحسن، ومعناه أنه أمره بالتساهل وترك الاستقصاء في القضاء والاقتضاء، وهذا يكون في الحقوق الواجبة لله وللناس وفي غيرها وهو في معنى‏ الخبر المرفوع (أحب الله عبدا سمحا بائعا ومشتريا قاضيا ومقتضيا)

وقيل هو العفو: في قبول العذر من المعتذر، وترك المؤاخذة بالإساءة وروي أنه لما نزلت هذه الآية سأل رسول الله صلى الله عليه وآله جبرائيل عن ذلك فقال: لا أدري حتى أسأل العالم.

ثم أتاه فقال يا محمد إن الله يأمرك: أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك‏[15]

وقال في جوامع الجامع:

«خُذِ الْعَفْوَ» أي خذ ما عفاك من أفعال النّاس وأخلاقهم وما يأتي منهم من غير كلفة، ولا تداقّهم واقبل الميسور منهم، ونحوه‏ قوله - عليه السّلام- (يسّروا ولا تعسّروا) أمر – سبحانه - بالتّسامح وترك الاستقصاء  في القضاء والاقتضاء «وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ» بالمعروف والجميل من الأفعال والحميد من الخصال، « وَأَعْرِضْ عَنِ