|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
عالمية الإسلام 29 / 7 / 1429 هـ 1 / 8 / 2008 م بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِي اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ . وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ انْتَجَبَهُ لِوَلَايَتِهِ وَاخْتَصَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَأَكْرَمَهُ بِالنُّبُوَّةِ أَمِيناً عَلَى غَيْبِهِ وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ[1] قال تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (الأعراف:158) وقال {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف:199) الإسلام دين عالمي: من سمات رسول الله صلى الله عليه وآله أن دعوته عامة لكل الناس وأن دينه دين عالمي وهذا ما دلت عليه مختلف الآيات في القرآن الكريم {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}[2] وقال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ}[3] وقال تعالى: {وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ}[4] وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[5] فعندما بُعِثَ لم يبعث لأهل مكة خاصة أو لقريش أو للعرب فحسب بل بعث للناس كافة من العرب والعجم والأبيض والأسود والحر والعبد والرجل والمرأة، ولأن دينه دين الحق والعدالة والحرية والمساواة والإنصاف والمحبة يريد أن تعم هذه المبادئ والمفاهيم أرجاء العالم وتعم النجاة والمصلحة للناس كافة فلا تفرقة ولا تمييز ولا ظلم ولا تعسف {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}، هذه هي المساواة بين أفراد البشر التي سبق بها القوانين الوضعية قبل 14 قرنا من الزمن في جلب الخير إليه ودفع الشر عنه وهذا هو معنى الرحمة التي كان صلى الله عليه وآله بعث بها للناس كافة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[6] هذه المبادئ التي استفاد منها من استفاد، وحجبها البعض الآخر عن نفسه فخسرها، سواء كان عن عناد ومكابرة أو عن جهل، كما قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}[7] ومما يدعو إلى العجب أن أكثر الآيات الدالة على عالمية الإسلام نزلت في مكة المكرمة والإسلام لم يتعد حدودها، ومع ذلك كان يبشر بدين عالمي. إشكالية اليهود: وقد أثار اليهود كعادتهم إشكالية حول عالمية الإسلام مستغلين قوله تعالى {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}[8] وقوله تعالى {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}[9]، فإنه خص الإنذار والدعوة لأم القرى وهي مكة المكرمة ومن حولها مما ينافي عالمية الإسلام، وحاولوا أن يثيروا زوبعة التناقض بين هذين المفهومين. والجواب: والجواب على هذه الشبهة يتكون من نقطتين : النقطة الأولى: أن القرية في المفهوم القرآني هي اسم للمكان المسكون سواء أكانت كبيرة كالمدن الكبيرة أو كانت صغيرة كما تستعمل للناس الساكنين في القرية يعني أهل القرية وقد أطلق على كل منهما في القرآن اسم القرية. قال الراغب الأصفهاني: الْقَرْيَةُ: اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس، وللناس جميعا، ويستعمل في كلّ واحد منهما. قال تعالى: {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ}[10] قال كثير من المفسّرين معناه: أهل القرية. وقال بعضهم[11]بل الْقَرْيَةُ هاهنا: القوم أنفسهم، وعلى هذا قوله: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً}[12]، وقال: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ}[13] وقوله: {وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى}[14] فإنّها اسم للمدينة، وكذا قوله: {وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى}[15]، {رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها}[16]. وحكي أنّ بعض القضاة دخل على عليّ بن الحسين رضي اللّه عنهما فقال: أخبرني عن قول اللّه تعالى: {وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً}[17] ما يقول فيه علماؤكم؟ قال: يقولون إنّها مكّة[18]، فقال: وهل رأيت؟ فقلت: ما هي؟ قال: إنّما عُنِيَ الرّجال. فقال: فقلت: فأين ذلك في كتاب اللّه؟ فقال: ألم تسمع قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ...} الآية[19]. وقال: {وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا}[20]، {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ} [البقرة/ 58][21] وفي جانب إطلاق القرية على المدن الكبيرة جاءت أكثر من آية تتحدث عن ذلك، فمثلا أخوة يوسف لمّا قالوا لأبيهم {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا}[22] والمراد بالقرية هي عاصمة مصر. وقال تعالى {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ}[23] المراد بها مدينة بيت المقدس. وقال تعالى {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ}[24] والمراد بها: العقبة (أيلة) والتي هي على خليج العقبة، وقيل طبرية، على شاطئ البحر. وقال تعالى: {وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ}[25] والمراد بها: أهل مدينة (سدوم) وهي بلدة كبيرة أكبر مدن المؤتفكة وهن خمس. وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ}[26] وهي (سدوم) أحد المدن الخمسة لقوم لوط أهلك الله أربعاً منها مع أهلها وبقيت الخامسة أهلك أهلها حيث أمطر عليها الحجارة[27] وقال تعالى {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ}[28] والمراد بها: (سدوم) وقال تعالى: {إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}[29]والمراد بها (سدوم) وقال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ}[30] والمراد بها بلدة (أنطاكية) وقال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً}[31] المراد بها (بيت المقدس) وقيل (أريحا) وقال تعالى: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا}[32] والمراد بها مكة المكرمة. وقال تعالى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (الأعراف:96) ومن المعلوم أن المراد هنا ليس أهل القرى فحسب دون أهل المدن بل المراد بها جميع سكان العالم وفي أي مكان يسكنون فالمؤمنون بالله وكتبه ورسله ويصدقون بها ويتقون فسوف تفتح عليهم البركات من السماء والأرض. فهذه الآيات وغيرها تدل على أن القرآن كان يطلق القرية على المكان الذي يسكن فيه الناس حتى وإن كانت مدينة كبيرة كما يطلقها على من يسكن المكان وهم أهل القرية. النقطة الثانية: أن أم بمعنى الأصل ولمّا تكون مكة المكرمة أم القرى يعني أصلها وأولها ، ومن فضائل مكة على غيرها أنها مبدأ انبساط الأرض فقد دلت الروايات الإسلامية الكثيرة على أن دحو الأرض إنما كان من تحت الكعبة المعظمة أي أن بدء ظهور الأرض اليابسة إنما كانت من مكة المكرمة فتصبح هي أم القرى والأماكن اليابسة التي هي حولها. جاء بخير الدنيا والآخرة: ومن الطبيعي في الظروف المتاحة لرسول الله صلى الله عليه وآله في وقته آن ذاك أن يخاطب المقربين إليه وأهل بيته وعشيرته وأهل بلدته وقومه ممن يصلهم هذا النداء المفعم بالرحمة والود والحنان والخوف عليهم من العذاب الأليم، وأن يبشرهم بخير الدنيا والآخرة وأن يخرجهم من الظلمات إلى النور وأن يخرجهم من مواطن الذل والعار إلى مدارج العز والكرامة والرفعة فخرج على قومه فقام على حجر وناداهم. (فقال: يا معشر قريش، يا معشر العرب أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وآمركم بخلع الأنداد والأصنام؛ فأجيبوني تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم، وتكونون ملوكا في الجنة. فاستهزءوا منه وقالوا جن محمد بن عبد الله. ولم يجسروا عليه لموضع أبي طالب فاجتمعت قريش على أبي طالب فقالوا يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سفه أحلامنا، وسب آلهتنا، وأفسد شباننا، وفرق جماعتنا؛ فإن كان يحمله على ذلك العدم جمعنا له مالا فيكون أكثر قريش مالا ونزوجه أي امرأة شاء من قريش. فقال له أبو طالب: ما هذا يا ابن أخ؟. فقال: يا عم هذا دين الله الذي ارتضاه لأنبيائه ورسله بعثني الله رسولا إلى الناس فقال: يا ابن أخ إن قومك قد أتوني يسألوني أن أسألك أن تكف عنهم ؟. فقال: يا عم لا أستطيع أن أخالف أمر ربي . فكف عنه أبو طالب . ثم اجتمعوا إلى أبي طالب فقالوا أنت سيد من ساداتنا فادفع إلينا محمدا لنقتله وتملك علينا. فقال أبو طالب قصيدته الطويلة يقول فيها: ولما رأيت القوم لا ود بينهم وقد قطعوا كل العرى والوسائل كَذَبْتُم وَبَيْتِ الله يُبْزَى مُحَمَّدٌ وَلمَّا نُطَاعِنْ دُونَهُ وَنُنَاضِلُ ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل فلما اجتمعت قريش على قتل رسول الله صلى الله عليه وآله، وكتبوا الصحيفة القاطعة، جمع أبو طالب بني هاشم وحلف لهم بالبيت والركن والمقام والمشاعر في الكعبة لئن شاكت محمدا شوكة لآتين عليكم يا بني هاشم. فأدخله الشعب وكان يحرسه بالليل والنهار قائما بالسيف على رأسه أربع سنين فلما خرجوا من الشعب حضر أبا طالب الوفاة فدخل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يجود بنفسه. فقال: يا عم ربيت صغيرا وكفلت يتيما فجزاك الله عني خيرا أعطني كلمة أشفع لك بها عند ربي فروي أنه لم يخرج من الدنيا حتى أعطى رسول الله الرضا)[33]. معنى يُبْزَى: قال ابن الأثيرالجزري: في قصيدة أبي طالب يعاتب قريشاً في أمر النبي صلى الله عليه وسلم: كَذَبْتُم وَبَيْتِ الله يُبْزَى مُحَمَّدٌ وَلمَّا نُطَاعِنْ دُونَهُ وَنُنَاضِلُ يُبْزَى: أي يُقهر ويغلب، أراد لا يُبْزَى، فحذف لا من جواب القسم، وهي مرادة، أي لا يقهر ولم نقاتل عنه وندافع.[34] وفلان يناضل عن فلان إذا رامى عنه وحاج وتكلم بعذره ودفع عنه.[35] الحث على الإيمان به: فبعد عرض الدعوة إلى الله سبحانه إلى الناس كافة كما كانت ربوبية المولى سبحانه الذي بيده كل شيء وهو الذي يحيي ويميت فيا أيها الناس الغافلون البعيدون الذين لا يعلمون لا تفوتكم هذه الفرصة الذهبية وتخسروا الدنيا والآخرة ففكروا في بدايتكم ونهايتكم وما الغاية من مجيئكم لهذه الدنيا وما الذي تستفيدون منها. وهذا الرسول الذي أرسلناه إليكم هو أول المتفاعلين مع تلك المبادئ والملتزمين بها وهذا يكشف لكم عن صدق نيته ودعوته والنتيجة هي الهداية إلى الله سبحانه، {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} إلى حقيقة التوحيد والعدل والإنصاف ومكارم الأخلاق التي بعث من أجلها. إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق: الشعار الذي رفعه رسول الله صلى الله عليه وآله في بيان فلسفة بعثته هو مكارم الأخلاق وتطبيقها والذي مدحه الله به في أعظم مدح له بقوله {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:4) ولو كان هناك مدح أعظم من هذا لمدحه به. الإنصاف من معالي مكارم الأخلاق: والإنصاف وحكم الإنسان للآخرين على نفسه هو من أعلى مكارم الأخلاق التي مدح الله نبيه بها. فقد جاء في الحديث الصحيح عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الصَّادِقِ عليه السلام فَقَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ؟ فَقَالَ: (الْعَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَصِلَةُ مَنْ قَطَعَكَ، وَإِعْطَاءُ مَنْ حَرَمَكَ، وَقَوْلُ الْحَقِّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِكَ)[36] إن التنكر لمبادئ الإسلام وأخلاق نبي الرحمة هو ظلم لرسول الله صلى الله عليه وآله الذي ضحى بالغالي والنفيس لها وحرص على تثبيتها بين القريب والبعيد. ارفعوا أيديكم عن الظلم لرسول الله: من أعظم الإجحاف بحق الإسلام أن نتعامل معه بأنه دين المسلمين فحسب، وأن نعطي صورة مشوهة عن الإسلام ومبادئه، صورة غير لائقة بعالميته وسماحته كما أنه من الظلم والتعدي والإجحاف بحق رسول الله صلى الله عليه وآله أن نتعامل معه بأنه نبي المسلمين فحسب أو نبي المذهب الواحد أو الأعراق أو القوميات فحسب ونحجم هذا النبي العظيم الذي وسع قلبه الدنيا وما فيها وصار رحمة للعالمين {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء:107). علينا نحن المسلمين أن لا نكون أول الظالمين لرسول الله صلى الله عليه وآله حينما نؤطره بالأطر الضيقة ونحجمه كما نريد نحن لا كما يريد هو، علينا أن لا نطوع سيرته وأخلاقه ومبادئه كما هو الوضع الذي نعيشه فنبرر أحقادنا وحسدنا وأخلاقنا السيئة وظلمنا بعضنا للبعض الآخر وسبنا وشتمنا بما ننسبه لرسول الله أو ما وضعه الوضاعون ودسه الكذابون وجئنا ليس لنصدقه فحسب بل أخذنا لندافع عن السفاسف بكل قوة. إن روح البعثة، وجوهر الدين، وكمال الإيمان، وخير الدنيا والآخرة، هي مكارم الأخلاق التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله من عند ربه وعاش من أجلها وتطبيقها وأوصى بها في حياته وبعد وفاته فصلوات الله عليه يوم ولد ويوم بعث ويوم عاش ويوم ارتحل إلى الرفق الأعلى. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين [1] الكافي ج: 3 ص: 422 في الصحيح عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام فِي خُطْبَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. [2] (الأنعام: من الآية19) [3] (صّ:87) [4] (القلم:52) [5] (الأنبياء:107) [6] (الأنبياء:107) [7] (سـبأ:28) [8] (الأنعام:92) [9] (الشورى: من الآية7) [10] [يوسف/ 82] [11] هو المبرّد في كتابه: ما اتفق لفظه ص 77. [12] [النحل/ 112] [13] [محمد/ 13] [14] [هود/ 117] [15] [يوسف/ 109] [16] [النساء/ 75] [17] [سبأ/ 18] [18] المعروف أنّ المراد بها بلاد الشام. انظر: الدر المنثور 6/ 693، وروح المعاني 22/ 129، وتفسير القرطبي 14/ 289، وتفسير الماوردي 3/ 357. [19] [الطلاق/ 8] وانظر : عمدة الحفاظ: قرى. [20] [الكهف/ 59] [21] معجم مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني . مادة قرى . [22] (يوسف: من الآية82) [23] (الأعراف: من الآية161) [24] (الأعراف: من الآية163) |