1422هـ

1423هـ

1424هـ

1425هـ

1426هـ

1427

1428هـ

1429هـ

 

 

الإنصاف يرفع الخلاف (5)

22 / 7 / 1429 هـ

25 / 7 / 2008 م

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِي اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ . وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ انْتَجَبَهُ لِوَلَايَتِهِ وَاخْتَصَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَأَكْرَمَهُ بِالنُّبُوَّةِ أَمِيناً عَلَى غَيْبِهِ وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ[1]

من حِكَمِ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قوله: (الإنصاف يرفع الخلاف ويوجب الائتلاف)[2]

لا زال حديثنا عن الإنصاف وعن مدى تأثيره في رفع الخلاف بين الأمة بل بين الإنسانية وإحداث الائتلاف فيما بينهم.

وأحببنا هنا أن نكثر من نقل الروايات وضرب الأمثلة في أهمية الإنصاف وآثاره الإيجابية وخطر الظلم والعدوان على الآخرين حتى تستأنس أذهاننا بعملية الإنصاف وتتحول إلى ثقافة نمارسها في حياتنا اليومية وعلى مختلف الأصعدة.

الإنصاف في الأخوة:

الأخوة على قسمين:

1- أخوة المكاشرة والضحك.

2- الأخوة الصادقة.

والثاني قليل، لذلك تحتاج الأخوة الصادقة إلى قواعد أساسية أشار الإمام الصادق عليه السلام إلى ثلاث منها؛ فمِنْ كَلَام له عليه السلام سَمَّاهُ بَعْضُ الشِّيعَةِ نَثْرَ الدُّرَر أنه قال:

(تَحْتَاجُ الْإِخْوَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ فَإِنِ اسْتَعْمَلُوهَا، وَإِلَّا تَبَايَنُوا، وَتَبَاغَضُوا وَهِيَ:

1- التَّنَاصُفُ 2- وَالتَّرَاحُمُ 3- وَنَفْيُ الْحَسَدِ.

[ما يقوي الترابط بين القرابة]:

إِذَا لَمْ تَجْتَمِعِ الْقَرَابَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: تَعَرَّضُوا لِدُخُولِ الْوَهْنِ عَلَيْهِمْ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ بِهِمْ، وَهِيَ:

1-      تَرْكُ الْحَسَدِ فِيمَا بَيْنَهُمْ: لِئَلَّا يَتَحَزَّبُوا فَيَتَشَتَّتَ أَمْرُهُمْ.

2-      وَالتَّوَاصُلُ : لِيَكُونَ ذَلِكَ حَادِياً لَهُمْ عَلَى الْأُلْفَةِ .

3-      وَالتَّعَاوُنُ : لِتَشْمِلَهُمُ الْعِزَّةُ .

[من أهم ما يحتاجه الزوج مع زوجته]:

لَا غِنَى بِالزَّوْجِ عَنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ وَهِيَ:

1-      الْمُوَافِقَةُ : لِيَجْتَلِبَ بِهَا مُوَافَقَتَهَا، وَمَحَبَّتَهَا، وَهَوَاهَا .

2-      وَحُسْنُ خُلُقِهِ مَعَهَا .

3-      وَاسْتِعْمَالُهُ اسْتِمَالَةَ قَلْبِهَا:

أ‌-          بِالْهَيْئَةِ الْحَسَنَةِ فِي عَيْنِهَا .

ب‌-    وَتَوْسِعَتُهُ عَلَيْهَا .

[من أهم ما تحتاجه الزوجة مع زوجها]:

وَلَا غِنَى بِالزَّوْجَةِ فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا الْمُوَافِقِ لَهَا عَنْ ثَلَاثِ خِصَالٍ وَهُنَّ :

1-      صِيَانَةُ نَفْسِهَا عَنْ كُلِّ دَنَسٍ : حَتَّى يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ إِلَى الثِّقَةِ بِهَا فِي حَالِ الْمَحْبُوبِ وَالْمَكْرُوهِ .

2-      وَحِيَاطَتُهُ : لِيَكُونَ ذَلِكَ عَاطِفاً عَلَيْهَا عِنْدَ زَلَّةٍ تَكُونُ مِنْهَا .

3-      وَإِظْهَارُ الْعِشْقِ لَهُ :

أ‌-          بِالْخِلَابَةِ [3].

ب‌-    وَالْهَيْئَةِ الْحَسَنَةِ لَهَا فِي عَيْنِه)[4]

الإنصاف والأخوة:

قَالَ علي عليه السلام: مَعَ الْإِنْصَافِ تَدُومُ الْأُخُوَّةُ.[5]

إنصاف الصاحب:

في رسالة الحقوق للإمام زين العابدين عليه السلام: (وَأَمَّا حَقُّ الصَّاحِبِ فَأَنْ تَصْحَبَهُ بِالتَّفَضُّلِ وَالْإِنْصَافِ، وَتُكْرِمَهُ كَمَا يُكْرِمُكَ، وَلَا تَدَعْهُ يَسْبِقْ إِلَى مَكْرُمَةٍ فَإِنْ سَبَقَ كَافَأْتَهُ، وَتَوَدُّهُ كَمَا يَوَدُّكَ وَتَزْجُرُهُ عَمَّا يَهُمُّ بِهِ مِنْ مَعْصِيَةٍ، وَكُنْ عَلَيْهِ رَحْمَةً، وَلَا تَكُنْ عَلَيْهِ عَذَاباً، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه‏)[6]

لا تطالب الأخوان بالإنصاف:

كثير من الناس أعمى عن عيوبه مفتح العينين على عيوب الآخرين فهو دائم النقد للآخرين ومن ذلك عدم الإنصاف منهم بينما هو لا ينقد نفسه: هل ينصف الآخرين أم لا؟! لهذا ينبغي له أخلاقيا أن لا يطالب إخوانه بالإنصاف وينسى نفسه؛ كما جاء في الأثر عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مَخْلَدٍ قَالَ سَمِعْتُ الصَّادِقَ عليه السلام يَقُولُ: (لَيْسَ مِنَ الْإِنْصَافِ مُطَالَبَةُ الْإِخْوَانِ بِالْإِنْصَافِ)[7]

زكاة القدرة الإنصاف:

عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: زَكَاةُ الْعِلْمِ نَشْرُهُ، زَكَاةُ الْجَاهِ بَذْلُهُ، زَكَاةُ الْحِلْمِ الِاحْتِمَالُ، زَكَاةُ الْمَالِ الْإِفْضَالُ، زَكَاةُ الْقُدْرَةِ الْإِنْصَافُ، زَكَاةُ الْجَمَالِ الْعَفَافُ، زَكَاةُ الظَّفَرِ الْإِحْسَانُ، ...... زَكَاةُ الْعِلْمِ بَذْلُهُ لِمُسْتَحِقِّهِ وَإِجْهَادُ النَّفْسِ فِي الْعَمَلِ بِهِ[8]

المنصف في ظل عرش الله:

عَنْ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: (ثَلَاثُ خِصَالٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ أَوْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ كَانَ فِي ظِلِّ عَرْشِ اللَّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ:

رَجُلٌ أَعْطَى النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ مَا هُوَ سَائِلُهُمْ، وَرَجُلٌ لَمْ يُقَدِّمْ رِجْلًا وَلَمْ يُؤَخِّرْ رِجْلًا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ لِلَّهِ رِضًا، وَرَجُلٌ لَمْ يَعِبْ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ بِعَيْبٍ حَتَّى يَنْفِيَ ذَلِكَ الْعَيْبَ عَنْ نَفْسِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَنْفِي مِنْهَا عَيْباً إِلَّا بَدَا لَهُ عَيْبٌ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ شُغُلًا بِنَفْسِهِ عَنِ النَّاسِ)[9]

المنصف سابق إلى ظل العرش:

عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله:

السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ الْعَرْشِ طُوبَى لَهُمْ.

قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ هُمْ ؟.

قَالَ: الَّذِينَ يَقْبَلُونَ الْحَقَّ إِذَا سَمِعُوهُ، وَيَبْذُلُونَهُ إِذَا سُئِلُوهُ، وَيَحْكُمُونَ لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ، هُمُ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ الْعَرْشِ[10]

المنصف رحمة للأمة:

روى الطَّبْرِسِيُّ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): أَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَانْصَحِ الْأُمَّةَ، وَارْحَمْهُمْ؛ فَإِذَا كُنْتَ كَذَلِكَ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ بَلْدَةٍ وَأَنْتَ فِيهَا وَأَرَادَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ نَظَرَ إِلَيْكَ فَرَحِمَهُمْ بِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى {وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى‏ بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ‏}[11]

المنصف في رحمة الله:

عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ الصَّائِغِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقَ (ع) يَقُولُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَهُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ وَيُسْكِنَهُ جَنَّتَهُ فَلْيُحْسِنْ خُلُقَهُ، وَلْيُعْطِ النَّصَفَ مِنْ نَفْسِهِ، وَلْيَرْحَمِ الْيَتِيمَ، وَلْيُعِنِ الضَّعِيفَ، وَلْيَتَوَاضَعْ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُ[12]

من لم ينصف فهو ظالم:

جاء فِي عَهْدِ الإمام علي عليه السلام إِلَى مالك الْأَشْتَرِ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنْصِفِ اللَّهَ، وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ (خَاصَّتِكَ وَمِنْ أَهْلِكَ) وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَفْعَلْ تَظْلِمْ، وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ، وَكَانَ لِلَّهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ وَيَتُوبَ.... الْخَبَرَ[13]

أعظم ثواب هو ثواب الإنصاف:

روى الْآمِدِيُّ فِي الْغُرَرِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَعْظَمَ الْمَثُوبَةِ مَثُوبَةُ الْإِنْصَافِ[14]

الإنصاف أفضل الإيمان:

قَالَ علي عليه السلام: إِنَّ أَفْضَلَ الْإِيمَانِ إِنْصَافُ الرَّجُلِ مِنْ نَفْسِهِ[15]

من أنصف من نفسه فقد تجاوز الخطر:

قَالَ علي عليه السلام: (إِنَّكَ إِنْ أَنْصَفْتَ مِنْ نَفْسِكَ أَزْلَفَكَ اللَّهُ)[16]

أي قربك الله إليه وبذلك تجاوزت خطر العذاب وغضب الجبار.

الإنصاف من معالي مكارم الأخلاق:

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: عَلَيْكُمْ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَإِنَّ رَبِّي بَعَثَنِي بِهَا، وَإِنَّ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ: أَنْ يَعْفُوَ الرَّجُلُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِيَ مَنْ حَرَمَهُ، وَيَصِلَ مَنْ قَطَعَهُ، وَأَنْ يَعُودَ مَنْ لَا يَعُودُهُ[17]

أشد الناس حسرة من لم ينصف:

عَنْ خَلَّادٍ أَبِي عَلِيٍّ قَالَ قَالَ لَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (ع) وَهُوَ يُوصِينَا اتَّقُوا اللَّهَ وَأَحْسِنُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَكُونُوا أَطْوَعَ عِبَادِ اللَّهِ فَإِنَّكُمْ لَنْ تَنَالُوا وَلَايَتَنَا إِلَّا بِالْوَرَعِ وَلَنْ تَنَالُوا مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا بِالْعَمَلِ وَإِنَ‏ أَشَدَّ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمَنْ وَصَفَ عَدْلًا وَخَالَفَهُ إِلَى غَيْرِهِ[18]

الولاية بالعمل والإنصاف وليست بالتهريج:

مِنْ كِتَابِ صِفَاتِ الشِّيعَةِ، لِلصَّدُوقِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله مَكَّةَ قَامَ عَلَى الصَّفَا فَقَالَ:

يَا بَنِي هَاشِمٍ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ، وَإِنِّي شَفِيقٌ عَلَيْكُمْ، لَا تَقُولُوا إِنَّ مُحَمَّداً مِنَّا، فَوَ اللَّهِ مَا أَوْلِيَائِي مِنْكُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِكُمْ إِلَّا الْمُتَّقُونَ.

أَلَا فَلَا أَعْرِفُكُمْ تَأْتُونِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْمِلُونَ الدُّنْيَا عَلَى رِقَابِكُمْ، وَيَأْتِي النَّاسُ يَحْمِلُونَ الْآخِرَةَ.

أَلَا وَإِنِّي قَدْ أَعْذَرْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَفِيمَا بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبَيْنَكُمْ، وَإِنَّ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ‏)[19]

الخطبة الثانية

1-      وفاة الإمام الكاظم عليه السلام:

مرت علينا في هذه الأيام ذكرى وفاة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، الإمام السابع من أئمة أهل البيت عليهم السلام، الإمام الذي عاش في أحلك الظروف وأصعبها، الإمام الذي عاش شطراً من حياته في قعر السجون وظلمات الزنازين، وبين جدران الطوامير.

وقفات مع مواعظ الإمام وتوجيهاته :

1- من هم الشيعة ومن هم الموالون لأهل البيت؟:

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ الْعَلَوِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ عليه السلام قَالَ كَثِيراً مَا كُنْتُ أَسْمَعُ أَبِي يَقُولُ لَيْسَ مِنْ شِيعَتِنَا مَنْ لَا تَتَحَدَّثُ الْمُخَدَّرَاتُ بِوَرَعِهِ فِي خُدُورِهِنَّ.

وَلَيْسَ مِنْ أَوْلِيَائِنَا مَنْ هُوَ فِي قَرْيَةٍ فِيهَا عَشَرَةُ آلَافِ رَجُلٍ فِيهِمْ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَوْرَعُ مِنْهُ[20]

2- قول الحق:

وَقَالَ لِبَعْضِ شِيعَتِهِ أَيْ فُلَانُ اتَّقِ اللَّهَ وَقُلِ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ فِيهِ هَلَاكُكَ‏ فَإِنَّ فِيهِ نَجَاتَكَ

أَيْ فُلَانُ اتَّقِ اللَّهَ وَدَعِ الْبَاطِلَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَجَاتُكَ فَإِنَّ فِيهِ هَلَاكَك‏[21]

ويتمثل ذلك بالدرجة الأولى في تحقيق الطالب العلمية والقول بها.

3- تقسيم الوقت:

وَقَالَ (ع) اجْتَهِدُوا فِي أَنْ يَكُونَ زَمَانُكُمْ أَرْبَعَ سَاعَاتٍ:

1-        سَاعَةً لِمُنَاجَاةِ اللَّهِ .

2-        وَسَاعَةً لِأَمْرِ الْمَعَاشِ

3-        وَسَاعَةً لِمُعَاشَرَةِ الْإِخْوَانِ وَالثِّقَاتِ الَّذِينَ يُعَرِّفُونَكُمْ عُيُوبَكُمْ وَيُخْلِصُونَ لَكُمْ فِي الْبَاطِنِ.

4-        وَسَاعَةً تَخْلُونَ فِيهَا لِلَذَّاتِكُمْ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ وَبِهَذِهِ السَّاعَةِ تَقْدِرُونَ عَلَى الثَّلَاثَةِ سَاعَاتٍ.

لَا تُحَدِّثُوا أَنْفُسَكُمْ بِفَقْرٍ وَلَا بِطُولِ عُمُرٍ فَإِنَّهُ مَنْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالْفَقْرِ بَخِلَ وَمَنْ حَدَّثَهَا بِطُولِ الْعُمُرِ يَحْرِصُ.

اجْعَلُوا لِأَنْفُسِكُمْ حَظّاً مِنَ الدُّنْيَا بِإِعْطَائِهَا مَا تَشْتَهِي مِنَ الْحَلَالِ وَمَا لَا يَثْلِمُ الْمُرُوَّةَ وَمَا لَا سَرَفَ فِيهِ، وَاسْتَعِينُوا بِذَلِكَ عَلَى أُمُورِ الدِّينِ فَإِنَّهُ رُوِيَ لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَرَكَ دُنْيَاهُ لِدِينِهِ أَوْ تَرَكَ دِينَهُ لِدُنْيَاهُ[22]

4- التفقه في الدين:

وَقَالَ (ع) تَفَقَّهُوا فِي دِينِ اللَّهِ فَإِنَّ الْفِقْهَ مِفْتَاحُ الْبَصِيرَةِ وَتَمَامُ الْعِبَادَةِ وَالسَّبَبُ إِلَى الْمَنَازِلِ الرَّفِيعَةِ وَالرُّتَبِ الْجَلِيلَةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَفَضْلُ الْفَقِيهِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الشَّمْسِ عَلَى الْكَوَاكِبِ وَمَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي دِينِهِ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ لَهُ عَمَلا.

5- سبب البلاء النازل:

وَقَالَ (ع) كُلَّمَا أَحْدَثَ النَّاسُ مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعُدُّونَ[23]

6- العفو والإصلاح:

وَقَالَ (ع) يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَجْرٌ فَلْيَقُمْ فَلَا يَقُومُ إِلَّا مَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ‏[24]

7- من هو السخي؟:

وَقَالَ (ع) السَّخِيُّ الْحَسَنُ الْخُلُقِ فِي كَنَفِ اللَّهِ لَا يَتَخَلَّى اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً إِلَّا سَخِيّاً وَمَا زَالَ أَبِي يُوصِينِي بِالسَّخَاءِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ حَتَّى مَضَى‏[25]

8- حسن الجوار:

وَقَالَ (ع) لَيْسَ حُسْنُ الْجِوَارِ كَفَّ الْأَذَى وَلَكِنَّ حُسْنَ الْجِوَارِ الصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى[26]

9- الموعظة:

كَتَبَ هَارُونُ الرَّشِيدُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (ع) عِظْنِي وَأَوْجِزْ فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ تَرَاهُ عينيك [عَيْنُكَ‏] إِلَّا وَفِيهِ مَوْعِظَةٌ[27]

10- الإحسان إلى النّاس:

يقول القرشي: من معالي أخلاق الإمام موسى عليه السلام الإحسان إلى النّاس وقضاء حوائجهم، وقد أباح لعليّ بن يقطين الدخول في حكومة هارون التي هي غير شرعيّة لأجل قضاء حوائج النّاس، وقد اشتهرت كلمته: «كَفّارَةُ عَمَلِ السُّلْطانِ الإِْحْسانُ إِلَى الإِْخْوانِ»، وقد فزع إليه جماعة من المنكوبين والمظلومين، فكشف عنهم ما ألمّ بهم من ظلم الحكومة العبّاسية، كان منهم شخص من أهالي الري كانت عليه أموال طائلة للدولة، وهو لا يتمكّن من تسديدها ، وهام في تيّارات من الفكر في كيفيّة خلاصه، سأل عن حاكم الري فأخبر أنّه من الشيعة، فطوت نيّته السفر إلى الإمام موسى عليه السلام يستجير به، فسافر إلى المدينة والتقى بالإمام عليه السلام، فعرض عليه ما هو عليه من المحنة، واستجاب له الإمام عليه السلام، فزوّده برسالة إلى والي الريّ جاء فيها بعد البسملة:

«اعْلَمْ أَنَّ اللهَ تَعالى تَحْتَ عَرْشِهِ ظِلاًّ لاَ يَسْكُنُهُ إِلاَّ مَنْ أَسْدى إِلى أَخيهِ مَعْرُوفاً، أَوْ نَفَّسَ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ أَدْخَلَ عَلى قَلْبِه سُرُوراً، وَهـذا أَخوكَ، وَالسَّلام».

وأخذ الرسالة، وأخذ يجدّ في السير حتّى انتهى إلى الريّ، وقصد الحاكم ليلاً، فخرج إليه غلامه فقال له:

«مَن أنت ؟».

«رسول الصابر موسى».

وهرع الغلام إلى مولاه فأخبره بذلك، فخرج الحاكم حافي القدمين، فعانقه وقبّل ما بين عينيه، وأخذ يسأله عن حال الإمام، ثمّ ناوله رسالة الإمام، فجعل يوسعها تقبيلاً، ولمّا قرأها استدعى بأمواله وثيابه فقاسمه في جميعها، وأعطاه قيمة ما لا  يقبل القسمة، وهو يقول:

«يا أخي، هل سررتك؟».

«إي واللّه، وزدت على ذلك».

ثمّ استدعى السجل فشطب على جميع الديون التي عليه، وأعطاه براءة منها، وخرج الرجل من عنده وقد غمرته الأفراح والمسرّات، ورأى أن يجازيه على إحسانه فيمضي إلى بيت اللّه الحرام ويدعو له، ويخبر الإمام عليه السلام بما أسداه عليه من المعروف والإحسان، ولمّا أقبل موسم الحجّ مضى إليه ودعا للرجل في البيت الحرام، ثمّ مضى إلى المدينة فالتقى بالإمام عليه السلام وأخبره بما أسداه عليه من البرّ واللطف، فسّر الإمام سروراً بالغاً، فقال الرجل للإمام: