|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
الإنصاف يرفع الخلاف (4) 15 / 7 / 1429 هـ 18 / 7 / 2008 م بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِي اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ . وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ انْتَجَبَهُ لِوَلَايَتِهِ وَاخْتَصَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَأَكْرَمَهُ بِالنُّبُوَّةِ أَمِيناً عَلَى غَيْبِهِ وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ[1] من حِكَمِ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قوله: (الإنصاف يرفع الخلاف ويوجب الائتلاف)[2] بمناسبة ولادة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام نتحدث عنه وعن مواقفه المشرفة من احترامه للرأي الآخر وعدله وإنصافه وما يوجب لمَّ شمل الأمة وتوحيد كلمتها ولكن هذا الحديث من لسانه كما رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة. علي عليه السلام عمل على الإنصاف والعدالة طيلة حياته وضرب المثل الأعلى وكان لا تأخذه في الله لومة لائم لرفع الظلم والعدوان عن الفرد والمجتمع . وكما ذكرنا، لنستمع إليه وهو يتحدث عن الإنصاف مع الشعب، والحقوق المتبادلة بين الناس، والحرية، والرأي والرأي الآخر، والديمقراطية، والمساواة في الحقوق بين الناس. إن علياً عليه السلام بحق صوت العدالة الإنسانية، وإن عدله وإنصافه شمل محبيه ومبغضيه وشانئيه، بل حتى لمن كان يتربص به الدوائر وقد قتله مثل ابن ملجم المرادي، كما شمل عدله المسلمين وغيرهم. كلام علي عليه السلام في الحقوق المتبادلة بين الحاكم والمحكوم: خطب الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أيام خلافته وهو على رأس الدولة والقائد العام للقوات المسلحة في أصحابه فقال: (أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً بِوِلَايَةِ أَمْرِكُمْ، وَلَكُمْ عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ، فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الْأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ، وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ، لَا يَجْرِي لِأَحَدٍ إِلَّا جَرَى عَلَيْهِ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ إِلَّا جَرَى لَهُ، وَلَوْ كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلَا يَجْرِيَ عَلَيْهِ، لَكَانَ ذَلِكَ خَالِصاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلًا مِنْهُ، وَتَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُهُ حق الوالي وحق الرعية ثُمَّ جَعَلَ - سُبْحَانَهُ - مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ[3] فِي وُجُوهِهَا، وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَلَا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ. وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ - سُبْحَانَهُ - مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ، وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي، فَرِيضَةٌ[4] فَرَضَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِكُلٍّ عَلَى كُلٍّ، فَجَعَلَهَا نِظَاماً لِأُلْفَتِهِمْ، وَعِزّاً لِدِينِهِمْ، فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِصَلَاحِ الْوُلَاةِ، وَلَا تَصْلُحُ الْوُلَاةُ إِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ، فَإِذَا أَدَّتْ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّهُ، وَأَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ، وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ، وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ، وَجَرَتْ عَلَى أَذْلَالِهَا[5] السُّنَنُ[6]، فَصَلَحَ بِذَلِكَ الزَّمَانُ، وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَيَئِسَتْ مَطَامِعُ الْأَعْدَاءِ. وَإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا، أَوْ أَجْحَفَ[7] الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ، اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ، وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ، وَكَثُرَ الْإِدْغَالُ[8] فِي الدِّينِ، وَتُرِكَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ[9]، فَعُمِلَ بِالْهَوَى، وَعُطِّلَتِ الْأَحْكَامُ، وَكَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ، فَلَا يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمِ حَقٍّ عُطِّلَ[10]، وَلَا لِعَظِيمِ بَاطِلٍ فُعِلَ! فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الْأَبْرَارُ، وَتَعِزُّ الْأَشْرَارُ، وَتَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْعِبَادِ. فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ، وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ - وَإِنِ اشْتَدَّ عَلَى رِضَا اللَّهِ حِرْصُهُ، وَطَالَ فِي الْعَمَلِ اجْتِهَادُهُ - بِبَالِغٍ حَقِيقَةَ مَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ. وَلَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغِ جُهْدِهِمْ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقِّ بَيْنَهُمْ، وَلَيْسَ امْرُؤٌ - وَإِنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ - بِفَوْقِ أَنْ يُعَانَ[11] عَلَى مَا حَمَّلَهُ اللَّهُ مِنْ حَقِّهِ، وَلَا امْرُؤٌ - وَإِنْ صَغَّرَتْهُ النُّفُوسُ، وَاقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ[12] - بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ. فَأَجَابَهُ عليه السلام رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِكَلَامٍ طَوِيلٍ، يُكْثِرُ فِيهِ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَيَذْكُرُ سَمْعَهُ وَطَاعَتَهُ لَهُ، فَقَالَ عليه السلام: إِنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ عَظُمَ جَلَالُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي نَفْسِهِ، وَجَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ، أَنْ يَصْغُرَ عِنْدَهُ - لِعِظَمِ ذَلِكَ - كُلُّ مَا سِوَاهُ، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَلَطُفَ إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا ازْدَادَ حَقُّ اللَّهِ عَلَيْهِ عِظَماً. وَإِنَّ مِنْ أَسْخَفِ[13] حَالَاتِ الْوُلَاةِ عِنْدَ صَالِحِ النَّاسِ، أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ، وَيُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْكِبْرِ، وَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنِّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الْإِطْرَاءَ[14]، وَاسْتِمَاعَ الثَّنَاءِ، وَلَسْتُ - بِحَمْدِ اللَّهِ - كَذَلِكَ، وَلَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطاً[15] لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ. وَرُبَّمَا اسْتَحْلَى النَّاسُ[16] الثَّنَاءَ بَعْدَ الْبَلَاءِ[17]، فَلَا تُثْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاءٍ لِإِخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَإِلَيْكُمْ مِنَ التَّقِيَّةِ (البقية)[18] فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا، وَفَرَائِضَ لَا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا، فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَلَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي[19] بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ[20] وَلَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ[21]، وَلَا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالًا فِي حَقٍّ قِيلَ لِي، وَلَا الْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي؛ فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ. فَلَا تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ، أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ، وَلَا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلَّا أَنْ يَكْفِيَ اللَّهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي[22]؛ فَإِنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لَا رَبَّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لَا نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا، وَأَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى وَأَعْطَانَا الْبَصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى)[23] هذه الخطبة العظيمة تحتوي على أبحاث عديدة جليلة ذات صلة وثيقة بالوضع الراهن للأمة سوف نشير إلى ما يسعه المقام. الحقوق للجميع: أول ما يطالعنا في حديثه عليه السلام طرحه للحقوق المتبادلة بين جميع الناس من الرجال والنساء ومختلف طبقات المجتمع من الرئيس والمرؤوس والزوج وزوجه والوالد وولده والأخ وأخيه، ويوجد ترابط بين الحقوق فليس من العدل والإنصاف أن البعض يطالب بحقوقه على الآخرين وينسى حقوق الآخرين عليه، أو يفترض أن له حق العيش في الحياة وأن الآخرين ليس لهم ذلك أو أن له حق التعبير عن رأيه ومعتقده ولا يعطي الآخرين مثل هذا الحق فيقول عليه السلام: (ثُمَّ جَعَلَ - سُبْحَانَهُ - مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا، وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَلَا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ). فهذه الحقوق ناشئة من حق الله سبحانه على عباده وهنا تكبر وتتعمق هذه الحقوق لأنها ترجع إلى حق الله والمقصر فيها مقصر في حق الله. يقول بعض العلماء: (مثاله إن حق الزوج لا يثبت على الزوجة إلا بأداء المهر والنفقة، وحق الزوجة لا يثبت على الزوج إلا بالطاعة وترك النشوز، فيوجب أداء المهر والنفقة طاعة الزوجة ويوجب الطاعة وترك النشوز النفقة والسكنى وغيرهما). أشد الحقوق إلزاماً: الحقوق المتبادلة بين الحاكم والمحكوم من أشد الحقوق فريضة وإلزاماً فلا تساهل فيها من الطرفين فيجب على الجميع القيام بأدائها فيما بينهم للكل على الكل فكما أن الحاكم حاكم على شعبه وبطريق مشروع فله الحق عليهم بالسمع والطاعة والمشورة والنصيحة في السر والعلانية. يقول عليه السلام: (وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ - سُبْحَانَهُ - مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ، وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي، فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِكُلٍّ عَلَى كُلٍّ) فالحقوق المتبادل بين الحاكم والمحكوم من أشد ما فرض الله على العباد من حقوق وهذه الفريضة شاملة لجميع أفراد الشعب فكل فرد من أفراده له حق على الحاكم، والحاكم له حق على جميع أفراد الشعب فبمقدار ما للحاكم من حق على شعبه فلهم عليه مثل الذي له عليهم فلا تفاوت ولا تباين فيها وإن اختلفت الطبقة فعلى الحاكم المحافظة على شعبه وتحصينهم من الأعداء في الداخل والخارج، والمحافظة على دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم، وكرامتهم، والحكم بينهم بالعدل والإنصاف، وأن ينظر لهم بعين المساواة لا تفوق ولا تمايز للقريب على البعيد ولا للرئيس على المرؤوس، ولا للغني على الفقير بل الجميع أمام القانون سواسية. سهولة وصف العدل وصعوبة تطبيقه: اعتاد الناس وبالأخص أهل الكلام والخطب والمواعظ، والعلماء، وأهل التنظير، وأهل السياسة، على الحديث عن الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، بل وحقوق الحيوانات والنباتات حتى عقدت المؤتمرات العالمية، على مستوى العالم، وبذلت الأموال الطائلة حول هذه العناوين البراقة التي ينخدع بها كثير من الناس. هذا في جانب التنظير. وأما في جانب التطبيق العملي فكل ذلك يتغير ويتبدل ويتبخر؛ فلا حرية واقعية، ولا ديمقراطية، ولا حقوق حيوان، ولا حقوق إنسان، ولا إنصاف، ولا عدالة حتى بين المُنَظِّرِين أنفسهم فضلا عن غيرهم، ولا نحتاج إلى دليل لإثبات ذلك بعد ما يشاهد العالم كله من الظلم المنتشر في العالم والحروب الطاحنة لإبادة البشرية واستعمال الأسلحة الفتاكة وأبسط شيء يعبر عن ذلك المجاعة المنتشرة الآن ، والغلاء الفاحش في العالم، وسحب أموال الناس وإفقارهم بأي طريقة من الطرق، إن الظلم والعدوان قد عمَّ العالم أكثر من أي وقت مضى لذا يقول علي عليه السلام (فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الْأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ، وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ). (يعني وصف الحق سهل ومجال نعته قولا، واسع على كل أحد، لكن القيام بواجبه والإنصاف فيه فعلا من أصعب الأمور، وأشدها، وأضيقها مجالا على الأكثرين). بينما علي عليه السلام يؤسس القواعد الرصينة للعدل والإنصاف، والحرية، والرأي والرأي الآخر، ويكشف لك عن عظمة الإسلام وتقدمه في جميع الميادين وأنه سبق جميع النظم التقدمية في حقوق الإنسان والحيوان. فعلي عليه السلام أول من يطبق هذه المبادئ على نفسه، حيث يفسح المجال لأصغر فرد من المجتمع أن يناقش وأن يبدي ما عنده لأكبر شخصية تقف على هرم الدولة ألا وهو الخليفة والوالي على الأمة ولا غضاضة في ذلك في نظر علي عليه السلام، أما صغار النفوس وضيقو الأفق فإنهم يضيقون بذلك ذرعاً حتى وإن ادعوا العلم والمعرفة، أو ادعوا السياسة والحرية وحقوق الإنسان، وحكم الشعب فإنك لن تجد في قاموسهم هذا، وإن وجد ففي القشور فقط، أو السراب الذي يحسبه الظمآن ماءً. موقف علي من مدح الناس له: يتصور البعض أن محبة علي بن أبي طالب عليه السلام وأداء حقه هو مجرد المدح والثناء له بالنثر أو الشعر وعقد المهرجانات الشعبية لتكريمه فقط، حتى ولو كان القائم بمثل هذه الأعمال من أكبر المقصرين مع الله، وهذا تصور خاطئ يتنافى مع سيرة علي وأولاده الأئمة المعصومين عليهم السلام ومع ما أثر من أحاديثهم وحكمهم ومواعظهم ودعوة الناس إلى طاعة الله وتطبيق هذه المبادئ. فعلي عليه السلام قد ركز في القسم الثاني من هذه الخطبة على عدم اعتنائه بالمدح والثناء بل ولم يدر في خاطره وخلده مثل هذه الإغراءات في حياته وبعد شهادته فهي تغر غير علي بن أبي طالب عليه السلام، أما علي بن أبي طالب عليه السلام فمع المبادئ التي جاهد من أجلها طيلة حياته وبذل دمه الشريف في سبيل تحقيقها حتى سقط في محراب العشق الإلهي. علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار، علي مع القرآن والقرآن مع علي، علي مع العدل والإنصاف، علي مع التقوى التي لا زال لسانه يرددها ويوصي بها إلى آخر حياته، مع .... مع ... فمن كان مع هذه المبادئ وكان حريصاً على تطبيقها فهو مع علي ويحب علياً، ومن لم يكن مع هذه المبادئ فهو من أعداء علي حتى ولو ملأ الخافقين بدعاياته وخرافاته. فعَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: قَالَ لِي: يَا جَابِرُ أَيَكْتَفِي مَنِ انْتَحَلَ التَّشَيُّعَ أَنْ يَقُولَ بِحُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ؛ فَوَ اللَّهِ مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ، وَأَطَاعَهُ، وَمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ يَا جَابِرُ إِلَّا بِالتَّوَاضُعِ، وَالتَّخَشُّعِ، وَالْأَمَانَةِ، وَكَثْرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَالْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ، وَالتَّعَاهُدِ لِلْجِيرَانِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ، وَالْغَارِمِينَ، وَالْأَيْتَامِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَكَفِّ الْأَلْسُنِ عَنِ النَّاسِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، وَكَانُوا أُمَنَاءَ عَشَائِرِهِمْ فِي الْأَشْيَاءِ. قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا نَعْرِفُ الْيَوْمَ أَحَداً بِهَذِهِ الصِّفَةِ؟. فَقَالَ: يَا جَابِرُ لَا تَذْهَبَنَّ بِكَ الْمَذَاهِبُ حَسْبُ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ أُحِبُّ عَلِيّاً وَأَتَوَلَّاهُ ثُمَّ لَا يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ فَعَّالًا؛ فَلَوْ قَالَ إِنِّي أُحِبُّ رَسُولَ اللَّهِ فَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ عليه السلام ثُمَّ لَا يَتَّبِعُ سِيرَتَهُ وَلَا يَعْمَلُ بِسُنَّتِهِ مَا نَفَعَهُ حُبُّهُ إِيَّاهُ شَيْئاً؛ فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْمَلُوا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ قَرَابَةٌ أَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَيْهِ أَتْقَاهُمْ وَأَعْمَلُهُمْ بِطَاعَتِهِ. يَا جَابِرُ: وَاللَّهِ مَا يُتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَّا بِالطَّاعَةِ، وَمَا مَعَنَا بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَلَا عَلَى اللَّهِ لِأَحَدٍ مِنْ حُجَّةٍ، مَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعاً فَهُوَ لَنَا وَلِيٌّ، وَمَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِياً فَهُوَ لَنَا عَدُوٌّ، وَمَا تُنَالُ وَلَايَتُنَا إِلَّا بِالْعَمَلِ وَالْوَرَعِ)[24] ومثل هذه الرواية روايات كثيرة عنهم عليهم السلام. قال بعض العلماء (العارف لا يغتر بمدح الخلق وثنائهم، لأن رضى الناس غاية لا تدرك ومدائحهم لا تتم ولا تستقيم، فما من إنسان مدحه قوم، إلا وذمه قوم، والعاقل لا يغتر بما ليس فيه سعادة الدارين، ومن كان محمودا عند اللّه لا يضر مذمة الخلق، ومن أخلص للّه زين اللّه قلوب الناس بمحبته، ورضي اللّه عنه، ومن طلب محمدة الناس وأقبل على الطاعات خوفا من مذمة الناس كشف اللّه أستار نفاقه وأخزاه وابتلاه بمذمة الناس، وفاته رضى اللّه لذلك). وقال آخر حول مبدأ العدالة وكيف أن الإسلام رفع من قيمتها إلى أعلى درجات الكمال: (والعدالة، هي إحدى تلك القيم التي رجعت إلى الحياة والاعتبار، بالإسلام. فإنه لم يوص أتباعه بالعدالة فحسب، ولم يقنع منهم بإجرائها وتطبيقها فقط، بل المهم أنه رفع من قيمتها ووزنها وثقلها وثمنها في الأفكار).[25] الخلاصة: الحقوق المتبادلة بين الكل حتى مع الله. فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الْأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ، وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ وصف العدل سهل وتطبيقه هو الصعب. الحقوق المتبادلة بين الحاكم والمحكوم: هنا أركز على ما أشار إليه الإمام علي عليه السلام وجعله من أشد ما فرض الله على المجتمع من حقوق، ذلك حق الراعي والرعية حق الحاكم والمحكوم فإذا قام كل منهما بأداء حقوق الآخر فله آثار إيجابية وهي كما يلي: 1- سبب لوحدة الأمة الإسلامية. 2- العز لدينها بعزازة الحق وتطبيقه . 3- قوة الدين بتطبيقه . 4- انتشار العدل في ربوع الأمة . 5- صلاح الناس وبعدهم عن الظلم . 6- قوة الدولة وبقائها واستمرارها أكثر . 7- يأس الأعداء في تحقيق مطامعهم التي يتحينون بها الفرص . وأما إذا اختلف الشعب مع الحاكم ولم يقم كل واحد بحق الآخر فسوف تبرز آثار سلبية منها: 1- اختلاف الأمة وتناحرها فيما بينها وضعفها. 2- ظهور الجور والظلم فيها. 3- الفساد في الدين حيث تخرج البدع ويدخل في الدين ما ليس منه . 4- انعدام القيم في الأمة . 5- العمل بالهوى والنفس الأمّارة بالسوء . 6- تُعَطل الأحكام . 7- الاستهانة بالدين واستيلاء الظلم . 8- تُذل الأبرار . 9- تُعز الأشرار . 10- تكثر تبعات الله على العباد . والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين |