1422هـ

1423هـ

1424هـ

1425هـ

1426هـ

1427

1428هـ

1429هـ

 

 

الإنصاف يرفع الخلاف (3)

8 / 7 / 1429 هـ

11 / 7 / 2008 م

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِي اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ . وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ انْتَجَبَهُ لِوَلَايَتِهِ وَاخْتَصَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَأَكْرَمَهُ بِالنُّبُوَّةِ أَمِيناً عَلَى غَيْبِهِ وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ[1]

من حِكَمِ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قوله: (الإنصاف يرفع الخلاف ويوجب الائتلاف)[2]

هذه هي الحلقة الثالثة للحديث عن هذه الحكمة الرائعة العظيمة الجليلة التي وضعت النقاط على الحروف ووضعت الدواء للداء وبينت أن السبب وراء الخلافات في المجتمع إنما هو عدم الإنصاف وجريان الظلم باسم الدين أو السياسة أو حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية ولكن هيهات أين الثرى وأين الثريا وأين العدالة والإنصاف من الظلم.

في هذه الحلقة أحببت أن ألقي بعض الضوء على هذه الحكمة البليغة بعرض بعض الصور الجميلة عن الإنصاف وأثره في بناء المجتمع المتحاب المتعايش مما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهار عليهم السلام .

تقدم لدنيا أن الإنصاف سيد الأعمال، وأنه من أشد ما فرض الله على العباد، وأنه من أشد ما ابتلي به المؤمن، وأنه أحلى من العسل وألين من الزبد وأطيب ريحاً من المسك، وأنه سبب نزول الرحمة على العباد وبه يقوم النظام الاجتماعي للبشرية، وأن المنصف من أقرب الخلق إلى الله.

الإنصاف من معالي مكارم الأخلاق:

جاء الإسلام يركز مكارم الأخلاق في المجتمع ويحث عليها وعلى تطبيقها، بل الهدف من بعثة رسول الإنسانية محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التحيات هو الإتيان بها، كما في قوله المشهور (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وقد مدحه الله سبحانه بها عندما قال {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:4).

والإنصاف وحكم الإنسان للآخرين على نفسه هو من أعلى مكارم الأخلاق التي مدح الله نبيه بها.

فقد جاء في الحديث الصحيح عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الصَّادِقِ عليه السلام  فَقَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ؟

فَقَالَ: (الْعَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَصِلَةُ مَنْ قَطَعَكَ، وَإِعْطَاءُ مَنْ حَرَمَكَ، وَقَوْلُ الْحَقِّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِكَ)[3]

المراد من العفو عمن ظلمك: في الجانب الشخصي والفردي أو الحزبي الذي يملك الإنسان حق التصرف فيه ويرجع الفضل له ولمن تحت يده إذا عفا فيعد العفو عنه فضيلة ومن مكارم الأخلاق وهنا تختفي الأنا والأنانيات وحب الذات على حساب الآخرين ويصبح الشخص شجاعاً مجاهداً لنفسه، أما الحقوق العامة المغتصبة للأمة وللشعوب كما في فلسطين وغيرها فإن العفو عن الغاصب يُعد جريمة لا تغتفر وليست فضيلة. وهكذا في بقية الصفات.

هذه الصفات الأربع التي ذكرها الإمام الصادق عليه السلام أنها هي مكارم الأخلاق أو من أبرزها وأعلاها هي في الواقع يتيمة وغريبة في مجتمعاتنا بل العمل مكرس على خلافها تماماً حتى في المجتمعات العلمية والمتدينة إنما ترى التغاضي عن الحقوق العامة وعدم الاهتمام بها، بينما في الحقوق الخاصة وبين أفراد المجتمع يُربى على نزعة الانتقام والكيل بمكيالين والصاع بصاعين حتى أصبحت هذه الحالة هي المطلوبة ومن معالي الأخلاق ومن صلب الدين والإيمان!.

فمن الذي يعفو عمن ظلمه؟ فهل يعفو الزوج عن زوجه؟ وهو يرى أن تنازله لها والعفو عنها مذلة وإهانة ومهانة له، وهل الزوجة تعفو عن زوجها وهي ترى أن تنازلها له هذا عين المذلة والابتذال والإهانة لها ويُعد ذلك في نظر العرف جريمة في حقها؟ وهل الأخ يعفو عن أخيه؟ أو الوالد يعفو عن ولده أو الصديق يعفو عن صديقه؟

وهل العالِم في الحوزة العلمية إذا ظلمه شخص مثله يتنازل ويعفو عنه؟ أو أن المشاحنات والعداوات تبقى لعشرات السنين ثم يبرر ذلك بألف دليل ودليل.

أليس ما يفتعله البعض من الخلاف أو الاختلاف في الرأي ويجيره لصالح الاعتداء على الآخرين من بني جنسه هو أسوأ ظلم في حق الآخرين؟ فأين يأتي العفو عمن ظلمك؟ فبدل أن يعفو وتكون عنده ملكة العفو تكون عنده ملكة الظلم باسم الدين والعدل. حتى أصبح الشخص يجلس ويحضر مجالس الوعظ والإرشاد لمدة50 سنة ولم يتغير عما هو عليه ولا يتنازل لأقرب المقربين له من زوجه أو ولده أو أخيه، فكيف يعفو عمن ظلمه من الأباعد، إنها حالة مزرية إلى أبعد حد.

ومن الذي يصل من قطعه؟ إلا القليل النادر.

ومن الذي يعطي من حرمه؟ إلا النزر القليل.

ومن الذي يحكم على نفسه للآخرين وينصفهم من نفسه؟ فهل الرؤساء أو الوزراء أو العلماء أو القضاة أو المثقفون أو المفكرون يحكمون على أنفسهم للآخرين ويعترفون بخطئهم؟ إن هذا مما لم يمر في خلد أحد.

إن مجتمعاتنا  - مع الأسف الشديد - رُبيت عملياً على خلاف هذه الصفات تماماً، وباسم الدين والمذهب والدفاع عن الحق وعن أهل البيت عليهم السلام - وهم براء من هذه التصرفات - وقد بلغت الحالة أن تعد هذه الصفات في المفهوم العام من مساوئ الأخلاق وليست من مكارمه.

من مكارم الأخلاق:

في مقام التأكيد على مكارم الأخلاق والالتزام بها روي عن محمد بن علي بن‏ الحسين بن زيد بن علي، قال حدثنا علي بن موسى الرضا، قال حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): عليكم بمكارم الأخلاق، فإن الله (عز وجل) بعثني بها، وإن من مكارم الأخلاق أن يعفو الرجل عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، وأن يعود من لا يعوده[4].

وصية رسول الله لأمته:

روى الشيخ الصدوق (ت 381هـ) بسند صحيح في الأمالي حديثاً طويلاً حول أسماء رسول الله صلى الله عليه وآله وأسماء أدوات منزله وأسماء سيوفه رواه عن عاصم بن حميد عن محمد بن قيس[5] عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام قال إن اسم رسول الله صلى الله عليه وآله  في صحف إبراهيم‏ - إلى أن قال في آخره -:

فذكر علي عليه السلام أنه وجد في قائمة سيف من سيوفه [أي رسول الله] صحيفة فيها ثلاثة أحرف: (صل من قطعك، وقل الحق ولو على نفسك، وأحسن إلى من أساء إليك)[6]

ورواه في (من لا يحضره الفقيه) بسند آخر وفي آخره قال: فَذَكَرَ عَلِيٌّ عليه السلام أَنَّهُ وَجَدَ فِي قَائِمَةِ سَيْفٍ مِنْ سُيُوفِهِ صَحِيفَةً فِيهَا ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ: (صِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وَقُلِ الْحَقَّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِكَ، وَأَحْسِنْ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْك‏)[7]

وقيل أن هذه السيف هو ذو الفَقَار كما جاء عن علي عليه السلام قال: وجدت في ذؤابة ذي الفَقَار صحيفة فيها: صل من قطعك، وأعط من حرمك، وقل الحق ولو على نفسك[8].

السلام لجميع العالَم:

يتصور البعض أن حقائق الإيمان تتركز على السب والشتم للآخرين والعداء لهم ومحاربتهم وكل يكيل التهم والافتراءات للطرف الآخر باسم الدين والمذهب والإيمان، أما الروايات المروية عن أهل البيت عليهم السلام فلها موقف آخر فإن حقائق الإيمان تكمن في الإنفاق على الآخرين وبالأخص في حال الإقتار، وأن ينصف الإنسان من نفسه وأن يبذل السلام لجميع العالم وليس لمن يعرفهم ويعزهم ويتفق معهم دينيا ومذهبيا أو ثقافياً فقط بل لجميع العالم، فقد روي عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام قَالَ ثَلَاثَةٌ مِنْ حَقَائِقِ الْإِيمَانِ: الْإِنْفَاقُ مِنَ الْإِقْتَارِ، وَالْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِجَمِيعِ الْعَالَمِ[9].

من الذي ينال ولاية أهل البيت؟

أصبحت ولاية أهل البيت عليهم السلام موضع مزايدات لمن يريد أن يحقق مكاسب معينة مادية أو معنوية، ولا يفتأ البعض أن يدخل في ولاية أهل البيت من يشاء ويعجبه ويؤيده في آرائه وثقافته بل وسبه وشتمه وعدائه وحقده للآخرين، ويخرج منها من يخالفه في آرائه ومواقفه تطبيقاً لقاعدة (جورج بوش: من لم يكن معنا فهو ضدنا) هكذا يتصور البعض عن علم أو جهل وبحسن نية أو سوء نية هكذا الواقع الخارجي.

أما روايات أهل البيت عليهم السلام المتضافرة فلها موقف آخر في من تناله وتشمله ولاية أهل البيت عليهم السلام فقد طرحت شروطاً معينة:

1-      الالتزام بطاعة الله والانتهاء بنواهيه.

2-      الورع في دين الله .

3-      الاجتهاد في العمل لله وعدم الكسل.

4-      أن يعمل عمل الإمام الذي يدعي الانتساب إليه والائتمام به.

من تلك الروايات ما رواه هاشم بن سعيد، وسليمان الديلمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال خرجت مع أبي حتى انتهينا إلى القبر والمنبر، فإذا أناس من أصحابه، فوقف عليهم فسلم، وقال والله إني لأحبكم، وأحب ريحكم وأرواحكم، فأعينونا على ذلك بورع واجتهاد، فإنكم لن تنالوا ولايتنا إلا بالورع والاجتهاد، من ائتم بإمام فليعمل بعمله.[10]

فهذه الرواية وغيرها كثير صريحة أن ولاية أهل البيت لن تنال إلا بالورع عن محارم الله ومن تلك المحارم اتهام الآخرين وسبهم وشتمهم وغيبتهم وتجويز بهتانهم، وأن من يدعي الولاية لأهل البيت عليهم السلام ثم يدخل من يشاء ويخرج من يشاء سوف يكون أشد الناس حسرة يوم القيامة كما روى خلاد أبو علي، قال: قال لنا جعفر بن محمد (عليهما السلام) وهو يوصينا: (اتقوا الله، وأحسنوا الركوع والسجود، وكونوا أطوع عباد الله، فإنكم لن تنالوا ولايتنا إلا بالورع، ولن تنالوا ما عند الله (تعالى) إلا بالعمل، وإن أشد الناس حسرة يوم القيامة لمن وصف عدلا وخالفه إلى غيره.[11]

تعيير الآخرين بعدم العدالة:

في الصحيح عَنْ رَوْحٍ ابْنِ أُخْتِ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: (اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فَإِنَّكُمْ تَعِيبُونَ عَلَى قَوْمٍ لَا يَعْدِلُونَ)[12]

قوله: (اتقوا الله واعدلوا) أي أطيعوا الله في أوامره ونواهية واعدلوا فيما بينكم ولا تجوروا (فإنكم تعيبون على قدم لا يعدلون) بين الناس فينبغي أن تعدلوا حتى لا يعيب عليكم غيركم ولئلا يتوجه عليكم اللوم والإنكار في قوله تعالى {لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ} (الصف: من الآية2)[13].

ثواب كف الأذى عن الناس:

في حديث عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: لمّا كلّم الله عز وجل موسى بن عمران عليه السلام - إلى أن قال -:

قال موسى عليه السلام: إلهي فما جزاء مَن كفَّ أذاه عن الناس وبَذَلَ معروفه لهم؟.

قال: يا موسى، تناديه النار يوم القيامة: لا سبيل لي عليك.

.................

قال: إلهي فما جزاء مَنْ صَبَرَ على أذى الناس وشَتْمهم فيك؟.

قال: أعينه على أهوال يوم القيامة.[14]

من أنصف الناس فذاك المؤمن حقاً:

عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: (مَنْ وَاسَى الْفَقِيرَ مِنْ مَالِهِ، وَأَنْصَفَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ، فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ حَقّاً)[15]

قال المازندراني (ت 1081هـ) قوله: (فذلك المؤمن حقا) أريد أنه المؤمن الكامل الذي تكاملت أخلاقه الفاضلة وتمت أوصافه الكاملة فمن وجد فيه الأمران علم أنه في غاية الكمال من الإيمان[16].

ثلاث خصال تزيد في عز المسلم:

عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ ثَلَاثٌ لَا يَزِيدُ اللَّهُ بِهِنَّ الْمَرْءَ الْمُسْلِمَ إِلَّا عِزّاً: الصَّفْحُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَإِعْطَاءُ مَنْ حَرَمَهُ، وَالصِّلَةُ لِمَنْ قَطَعَهُ[17]

العمل الذي يدخل الجنة:

عَنْ يَحْيَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الْبِلَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَبِي الْبِلَادِ رَفَعَهُ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وَهُوَ يُرِيدُ بَعْضَ غَزَوَاتِهِ فَأَخَذَ بِغَرْزِ رَاحِلَتِهِ. فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا أَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ.

فَقَالَ: مَا أَحْبَبْتَ أَنْ يَأْتِيَهُ النَّاسُ إِلَيْكَ فَأْتِهِ إِلَيْهِمْ، وَمَا كَرِهْتَ أَنْ يَأْتِيَهُ النَّاسُ إِلَيْكَ فَلَا تَأْتِهِ إِلَيْهِمْ خَلِّ سَبِيلَ الرَّاحِلَةِ[18]

قوله: (فأخذ بغرز راحلته) الغرز بالفتح والسكون ركاب الراحلة من جلد وإذا كان من خشب أو حديد فركاب[19].

المنصف من نفسه يرضاه الناس حكماً لهم:

عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ مَنْ أَنْصَفَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ رُضِيَ بِهِ حَكَماً لِغَيْرِهِ[20]

قال المازندراني: الظاهر أن (رُضِيَ) على صيغة المجهول أي رَضِيَ الله تعالى أو كل عاقل أن يكون هو حاكما لغيره يحكم بين الخلق لأن بناء الحكم على الإنصاف والعدل، وفيه حث على الاتصاف به لأن السياسة البدنية والرئاسة المدنية متوقفة عليه ومفهومه أن غير المتصف به لا يصلح للحكومة[21].

ما يدل على الخير:

عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى آدَمَ عليه السلام أَنِّي سَأَجْمَعُ لَكَ الْكَلَامَ فِي أَرْبَعِ كَلِمَاتٍ.

قَالَ يَا رَبِّ وَمَا هُنَّ؟

قَالَ: وَاحِدَةٌ لِي، وَوَاحِدَةٌ لَكَ، وَوَاحِدَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَوَاحِدَةٌ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ.

قَالَ: يَا رَبِّ بَيِّنْهُنَّ لِي حَتَّى أَعْلَمَهُنَّ.

قَالَ: أَمَّا الَّتِي لِي فَتَعْبُدُنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئاً.

وَأَمَّا الَّتِي لَكَ فَأَجْزِيكَ بِعَمَلِكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ.

وَأَمَّا الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَعَلَيْكَ الدُّعَاءُ وَعَلَيَّ الْإِجَابَةُ.

وَأَمَّا الَّتِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ فَتَرْضَى لِلنَّاسِ مَا تَرْضَى لِنَفْسِكَ وَتَكْرَهُ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ[22]

الشرح قوله: (إني سأجمع لك الكلام في أربع كلمات) دل على أن هذه الكلمات جامعة لكل دال على الخيرات وهو كذلك لأن العارف بالله والسائر إلى الله قصده أمور أربعة الأول هو الله تعالى وحده لا شريك له والكلمة الأولى إشارة إليه، والثاني: تحصيل المثوبات الأخروية عند كمال الحاجة إليها، والكلمة الثانية إيماء إليه، والثالث إصلاح حاله في الدنيا وتقويم شأنه وقت السير بتحصيل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي بعون الله وتوفيقه، والكلمة الثالثة رمز إليه، والرابع العدل بين رفقائه والإنصاف فيما بينهم ليتمكن لهم السير إلى الله وتكمل نظامهم، وله مدخل عظيم في بقاء النوع والوصول إلى المقصود، والكلمة الرابعة إشارة إليه، وإذا تأملت في هذه الكلمات وجدت الحكمة العملية والنظرية مندرجة فيها وقد قسم أرسطاطاليس العدل على ثلاثة أقسام الأول رعاية العبودية، والثاني رعاية حقوق المشاركة، والثالث رعاية حقوق الاسلاف، والكلمة الأولى في هذا الحديث إشارة إلى الأول، والكلمة الأخيرة إلى الأخيرين[23].

المنصف هو الغالب:

عَنْ يُوسُفَ الْبَزَّازِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ: مَا تَدَارَأَ اثْنَانِ فِي أَمْرٍ قَطُّ فَأَعْطَى أَحَدُهُمَا النَّصَفَ صَاحِبَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، إِلَّا أُدِيلَ مِنْهُ[24]

الشرح قوله: (ما تدرأ اثنان - الخ) تدارأوا تدافعوا في الخصومة والخدعة، وأديل منه أي جعلت الغلبة والنصرة له عليه، يقال أدالنا الله على عدونا أي نصرنا عليه وجعل الغلبة لنا، وفي الفائق أدال الله زيدا من عمرو نزع الله الدولة من عمرو وآتاها زيدا[25].

الخطبة الثانية

الفقر الموت الأكبر:

تعددت الروايات المتقدمة في أن مواساة الأخ لأخيه بل والإيثار للآخرين في الجانب المادي والمعنوي وبذل المال لسائر الناس من حقائق الإيمان ويجب على الإنسان أن يجد ويجتهد في معيشته وأن يكف نفسه وعياله عن الآخرين وأن لا يعرض نفسه لخطر الفقر، وإن كان وردت الروايات المتعددة في أن الإنسان لا ينبغي أن تكون الدنيا همه فقط ولا يجعل الدنيا شغله الشاغل. هذا على المستوى الفردي والشخصي للإنسان.

أما على المستوى الاجتماعي والإنتاج والضمان الاجتماعي لأفراد المجتمع فقد حث الإسلام على الإنتاج وجعله جهاداً في سبيل الله وحبذ أن لا يبيع عقاراً إلا وأن يستبدل به غيره أو مما هو أحسن منه كما أكد  على توزيع الثروة توزيعاً عادلا.

الوضع الحالي لنا:

نمر الآن بمنعطف خطير حيث العالم يعيش الغلاء الفاحش ونحن جزء منه شئنا أم أبينا وعلينا أن نحاسب أنفسنا كجزء من هذا العالم المتقلب.

التبذير والإسراف:

الإسلام وقف موقفاً سلبيا من عنوانين ربما نعيشهما الآن وهما التبذير والإسراف.

والتبذير: التفريق يعني المضيع لأمواله والمفرق لها وأن يضعها في غير موضعها قال تعالى {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ } (الإسراء: من الآية27)

أتصور أن التبذير قائم على قدم وساق والأمثلة على ذلك كثيرة سواء كان في جانب النساء التي تضيع الأموال الطائلة في أتفه الأشياء أو الرجال حيث أتلفوا أموالهم وضيعوها في كثير من المساهمات التي قضت على أموالهم. أو أن يأكل ربع المائدة وينثر 3 أرباعها على السفرة أو في الزبالة.

والإسراف: السرف: تجاوز الحد من كل فعل يفعله الإنسان وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر حيث أن الإنسان يستعمل أكثر مما يحتاجه من أكل أو شرب أو ملابس أو سكن أو غيرها فلو كان بحاجة أن يأكل كيلواً واحد من اللحم أو الرز فيأكل 2 أو3 فالزائد يكون إسرافاً وهكذا قال تعالى {وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأنعام: من الآية141) وقال تعالى {وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} (غافر: من الآية43)

الاقتصاد نصف المعيشة:

علينا أن نقتصد في معيشتنا وأن نعود أنفسنا وأولادنا ومجتمعنا على الاقتصاد والمحافظة على النعم التي أنعم الله بها علينا وقد ورد أن الاقتصاد نصف المعيشة بل المعيشة كلها.

سياسة أمريكا:

الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية لا يهمها العالم ولا الفقراء بمقدار ما يهمها مصالحها الاقتصادية بل إن ما قاله الرئيس الأمريكي السابق كيسنجر حول الوضع الاقتصادي في العالم:

1-      أنه لا بد من الحد للسكان في العالم. لأن كثرته يزيد العداوة لأمريكا.

2-      القضاء على الأعداد الزائدة بالحروب. كما عملت أمريكا في اليابان.

3-      استعمال الحبوب الآن وحرقها في الطاقة.

كل هذه السياسات الأمريكية وما تثيره من حروب في المنطقة لا يبشر بخير للعالم وبالأخص في منطقتنا.

علينا أن نفكر في مصالحنا ونحافظ على ما بأيدينا من نعم ونتعرف على عدونا الحقيقي وسنرى أمريكا والكيان الصهيوني في المقدمة حتى نكون على حذر منهما.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين &#