|
|
|
|
|
أدوات العلم والمعرفة مدرسة أهل البيت وآليات المعرفة الميراث المفيد حرق كتب ابن لهيعة تلف كتب ابن أبي عمير حرق مكتبة الصاحب بن عباد حرق السيرة النبوية حرق مكتبة دار العلم ببغداد حرق مكتبة الطوسي حرق مكتبات الفاطميين في مصر الفتن تحرق الفكر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين . قال تعالى : (رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) (2و3) البينة إن القضاء على الفكر والمعرفة والحكمة وأدواتها يعد أكبر جريمة في حق الإنسانية جمعاً بل إن من يقوم بذلك يخرج عن حد الإنسانية إلى حد البهيمية والحيوانية لذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام :( قيمة كل امرأ ما يحسنه ) . نعم ما يحسنه من معرفة وعلوم ولهذا يمكن أن نطلق على الإسلام دين العلم والمعرفة ، فلا توجد حضارة من الحضارات ولا دين من الأديان كالحضارة والدين الإسلامي في تركيزه على العلم والمعرفة والحكمة بل ولم يولي الإسلام قضية من القضايا اهتماماً كما أولاها للعلم والمعرفة والحكمة فقد بجل العلم والعلماء ورفعهما إلى أعلى مستوى وهو مستوى العبادة لله بل هو عبادة ، وأول سورة نزلت في القرآن هي التي تحدثت عن العلم والمعرفة قال تعالى : {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ {1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ {3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ {5} . وأن العلم وسيلة إلى الكمال البشري والقيمة الإنسانية وبدونه لا يحصل ذلك ، والذين يخشون الله في السر والعلانية هم العلماء قال تعالى : {.....إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} (28) فاطر وكما قدس الإسلام العلم والمعرفة كذلك قدس واحترم أدوات العلم والمعرفة وما يوصل إليها وحث على إيجادها والاحتفاظ بها والمحافظة عليها وبغض النظر عن سبب نزول الآية التي افتتحنا حديثنا بها {رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} إلا أنها بشكل عام تعطي احترام وتقديس للصحف التي يقرأها الرسول وأن هذه الصحف فيها كتب قيمة يستفيد منها المرء في آخرته ودنياه فمثلا الكتابة التي هي وسيلة لنقل المعارف والتصورات من ذهن إلى آخر ومن جيل متقدم إلى جيل متأخر تحفظ العلوم والمعارف التي تحصل عليها المتقدم وأتعب نفسه في تحصيلها وربما أقامت التجارب عليها ولعلها استغرقت الوقت الكثير . وكذلك حفظ الحقوق والحضارات والحقوق البشرية كلها إنما تحفظ بالكتابة وأطول آية في القرآن هي التي تتحدث عن الكتابة وأنها من الأمور الضرورية في حياة البشر والمحافظة على حضارتهم ومكاسبهم في هذه الدنيا قال تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ...... } 282 / البقرة . وسميت سورة من سور القرآن بسورة القلم وهو آلة من آليات العلم قال تعالى : {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} (1) القلم . مدرسة أهل البيت وآليات المعرفة للتاريخ ينبغي للإنسان المسلم أن يعرف أنه في صدر الإسلام اهتمت مدرسة أهل البيت عليهم السلام اهتماماً كثيراً بآلية المعرفة وبالأخص فيما يرجع إلى كتابة الحديث والعلوم الأخرى فقد جمع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام القرآن الكريم وألف أكثر من كتاب وكذلك أصحابه وأولاده من بعده واستمر شيعتهم من العلماء والمفكرين على هذا .[1] وقد أكد أئمة أهل البيت عليهم السلام على شيعتهم بكتابة العلوم والمعارف حتى تنتقل إلى الأجيال الآتية فعَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ : ( اكْتُبُوا فَإِنَّكُمْ لَا تَحْفَظُونَ حَتَّى تَكْتُبُوا ) .[2] إن الشريعة الإسلامية كثيراً ما كانت تزهد المسلم في جمع حطام الدنيا عقاراً كان أم نقداً وأن لذلك تبعات عليه في آخرته ودنياه وقد دلت على ذلك روايات كثيرة جداً . ولكن بالنسبة إلى العلم والمعرفة وأدواتها وآلياتها على العكس من ذلك تماماً فقد أكدت النصوص الدينية أن المسلم يجب عليه أن يهتم بذلك وأن يورثها أبناءه فمن حكم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : لا ميراث كالأدب فقد جاء فِي نَهْجِ الْبَلَاغَةِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أَنَّهُ قَالَ : ( لَا غِنَى كَالْعَقْلِ وَ لَا فَقْرَ كَالْجَهْلِ وَ لَا مِيرَاثَ كَالْأَدَبِ وَ لَا ظَهِيرَ كَالْمُشَاوَرَةِ ) .[3] وفي جانب الكتب والمحافظة عليها فقد جاء عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام ( احْتَفِظُوا بِكُتُبِكُمْ فَإِنَّكُمْ سَوْفَ تَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا ) .[4] نعم إن الأمة الإسلامية بأمس الحاجة إلى الكتب التي ذهبت على مر التاريخ خصوصاً فيما يرجع إلى تحديد الوظيفة العملية للمسلم . وعَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) : ( اكْتُبْ وَ بُثَّ عِلْمَكَ فِي إِخْوَانِكَ فَإِنْ مِتَّ فَأَوْرِثْ كُتُبَكَ بَنِيكَ فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانُ هَرْجٍ لَا يَأْنَسُونَ فِيهِ إِلَّا بِكُتُبِهِمْ ) .[5] في هذه الرواية دعا : 1- إلى المحافظة على العلم بتقييده وكتابته حتى لا ينساه . 2- وبثه بين المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات حتى ينتفعوا به . 3- أن العالم يورث كتبه بنيه فهذا خير ميراث يتركه المرء خلفه . ارخيمدس ( أو ) ارشيمدوس اليوناني ذكره القفطي في كتابه أخبار الحكماء ص 48 قال : ارشيمدوس الحكيم الرياضي يوناني كان بمصر وبها حقق علمه وأخذ عن المصريين أنواعا من فنون الهندسة لأنهم كانوا قائمين بها من قديم وله كتب جميلة جليلة . وقيل أن الروم أحرقت من كتبه خمسة عشر حملا . قيل أنه ولد في سرقوسة سنة 287 قبل الميلاد ويعتبره العلماء مكتشف قواعد الآليات والسائلات قتله أحد جنود الروم حين فتحهم مدينة سرقوسة الاجرام العائمة طبع في المجلة الآسيوية الفرنساوية 1879 م . [6] في صدر الإسلام تصدت مجموعة إلى حرق الحديث وبعض العلوم الأخرى ظناً منها أن هذا هو الذي يحفظ الإسلام وهو توهم باطل . وبعد ذلك ظهرت الفتن الطائفية وغيرها وأدت إلى تلف الكثير الكثير مما تحتاجه الأمة الإسلامية وأشير في هذه العجالة إلى بعض ما حصل . عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي قاضي مصر وعالمها عده ابن قتيبة في معارفه من رجال الشيعة [7] وقال ابن عدي : إنه شديد الإفراط في التشيع [8] ولد 96هـ وتوفى 174 هـ . أحرقت كتبه سنة 170هـ [9] أو69 هـ . روى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني أبي قال حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع قال أحرقت كتب بن لهيعة سنة تسع وستين قال ولقيته أنا سنة أربع وستين يعني بن لهيعة قال إسحاق ومات بن لهيعة في سنة أربع وسبعين أو ثلاث وسبعين .[10] محمد بن أبي عمير زياد بن عيسى الازدي البغدادي ، المتوفى 217هـ . جليل القدر عظيم المنزلة ، أدرك الإمام أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام وسمع منه أحاديث ، وروى عن الرضا عليه السلام . قال النجاشي ( جليل القدر ، عظيم المنزلة فينا وعند المخالفين ) .[11] وقال شيخ الطائفة الطوسي : " له مصنفات كثيرة ، وذكر ابن بطة أن له أربعة وتسعين كتابا ، منها : كتاب النوادر ، كبير حسن ، وكتاب الاستطاعة والأفاعيل والرد على أهل القدر و الجبر ، وكتاب الإمامة ، وكتاب البداء ، وكتاب المتعة ومسائله عن الرضا ( عليه السلام ) ، و غير ذلك . . . " بسبب الدكتاتورية والاستبداد ومطاردة الأحرار وجرمهم الوحيد حبهم لله ولرسوله وأهل بيته {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} ( 8 / البروج ) وولائه لآل المصطفى صلى الله عليه وآله على هذا ، حبسه سلطان زمانه أربع سنين أو أكثر ، وقيل : إن أخته دفنت كتبه في تلك الأيام ، و قيل : بل تركتها في غرفة ، فسال عليها المطر ، فضاعت [12]. الصاحب كافي الكفاة أبو القاسم ، إسماعيل بن أبي الحسن عباد بن العباس بن عباد بن أحمد بن إدريس الطالقاني . ولد في 16 ذي القعدة سنة 326هـ وتوفي 24من صفر 385هـ بالري . قال الأميني : كانت للصاحب مكتبة عامرة وقد نوه بها لما أرسل إليه صاحب خراسان الملك نوح بن منصور الساماني في السير يستدعيه إلى حضرته ، ويرغبه في خدمته وبذل البذول السنية ، فكان من جملة أعذاره قوله : ثم كيف لي بحمل أموالي مع كثرة أثقالي ؟ وعندي من كتب العلم خاصة ما يحمل على أربعمائة حمل أو أكثر . في ( معجم الأدباء ) قال أبو الحسن البيهقي : وأنا أقول : بيت الكتب الذي بالري دليل على ذلك بعد ما أحرقه السلطان محمود بن سبكتكين فإني طالعت هذا البيت فوجدت فهرست تلك الكتب عشر مجلدات ، فإن السلطان محمود لما ورد إلى الري قيل له : إن هذه الكتب كتب الروافض وأهل البدع فاستخرج منها كل ما كان في علم الكلام وأمر بحرقه . قال العلامة الأميني : يظهر من كلام البيهقي هذا أن عمدة الكتب التي أحرقت هي خزانة كتب الصاحب ، وهكذا كانت تعبث يد الجور بآثار الشيعة وكتبهم ومآثرهم . وكان خازن تلك المكتبة ومتوليها أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي المقري المتوفى 381 وأبو محمد عبد الله الخازن بن الحسن الاصبهاني [13]. روى الزبير بن بكار : أن سليمان بن عبد الملك في زمان ولايته للعهد مر بالمدينة حاجا ، وأمر أبان بن عثمان أن يكتب له سير النبي (ص) ومغازيه فقال أبان هي عندي أخذتها مصححة ممن أثق به فأمر عشرة من الكتاب بنسخها فكتبوها في رق فلما صارت إليه نظر فإذا فيها ذكر الأنصار في العقبتين - يقصد بيعة الأنصار في العقبتين الأولى والثانية وذكر الأنصار في بدر ، فقال سليمان : ما كنت أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل فأما أن يكون أهل بيتي - أي الخلفاء الأمويين - غمصوا عليهم ، وأما أن يكونوا ليس هكذا ، فقال أبان بن عثمان : أيها الأمير ! لا يمنعنا ما صنعوا بالشهيد المظلوم - يقصد الخليفة عثمان - من خذلانه ، أن نقول الحق . هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا . قال سليمان : ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتى أذكره لأمير المؤمنين - يقصد والده عبد الملك - لعله يخالفه ، فأمر بذلك الكتاب فحرق ، ولما رجع أخبر أباه بما كان فقال عبد الملك وما حاجتك أن تقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل تعرف أهل الشام أمورا لا نريد أن يعرفوها ، قال سليمان فلذلك أمرت بتحريق ما نسخته حتى أستطلع رأي أمير المؤمنين فصوب رأيه [14] . * * * قال العلامة السيد العسكري : هكذا يأمر خلفاء المسلمين وأولياء عهدهم بحرق كتب سنة الرسول لئلا يعرف المسلمون ما يخالف مصالحهم وقد فعلت السلطة أكثر من ذلك حين حرقت مكتبات فيها من كتب سنة الرسول (ص) ما يخالف اتجاههم [15] . قال عنها الأستاذ كوركيس عواد في كتابه ( خزائن الكتب القديمة في العراق ) تحت عنوان (دار العلم ببغداد = خزانة سابور ) قال : " كانت هذه الخزانة مفخرة أدبية رائعة ، ومأثرة أسداها إلى عشاق البحث ، رجل جمع بين الأدب والسياسة ، فخلد التاريخ ذكره بها . ذلك الرجل ، هو ( أبو نصر سابور بن أردشير ) المتوفى سنة 416هـ = 1025م ، وهو الذي وزر لبهاء الدولة البويهي ثلاث مرات ، ووزر أيضاً اشرف الدولة . وكان سابور كاتباً سديداً ، عفيفاً عن الأموال ، كثير الخير . غير أن أشهر ما اشتهر به كان خزانة الكتب التي أنشأها ببغداد في محلة الكرخ سنة 381هـ = 991م ، ووقف عليها الوقوف . فإنه في هذه السنة ، ابتاع داراً في الكرخ ، بين السورين ، وعمرها وبيّضها وسماها دار العلم ، ووقفها على أهله ونقل إليها كتباً ابتاعها وجمعها ، وعمل لها فهرستاً . ورد النظر في أمورها ومراعاتها والاحتياط عليها ، إلى الشريفين أبي الحسين محمد بن أبي شيبة ، وأبي عبد الله محمد بن أحمد الحسني ، والقاضي أبي عبد الله الحسين بن هارون الضبي ، وكلف الشيخ أبا بكر محمد بن موسى الخوازرمي فضل عناية بها . وأشار بعض المؤرخين ، إلى أن عدد ما اشتملت عليه هذه الخزانة ، كان أكثر من عشرة آلاف مجلد ، بل كان عددها بوجه التدقيق ( عشرة آلاف مجلد وأربعمائة مجلد من أصناف العلوم ، منها مائة مصحف بخطوط بني مقلة " .[16] وقال ابن كثير : في ذكر حوادث سنة 416 ه بترجمة سابور بن أردشير : سابور بن أردشير وزر لبهاء الدولة ثلاث مرات ، ووزر لشرف الدولة ، وكان كاتباً سديداً عفيفاً عن الأموال ، كثير الخير ، سليم الخاطر ، وكان إذا سمع المؤذن لا يشغله شيء عن الصلاة ، وقد وقف دارا للعلم في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ، وجعل فيها كتبا كثيرة جدا ، ووقف عليها غلة كبيرة فبقيت سبعين سنة ثم أحرقت عند مجيء الملك طغرل بك في سنة خمسين وأربعمائة ، وكانت محلتها بين السورين ، وقد كان حسن المعاشرة إلا أنه كان يعزل عماله سريعا خوفا عليهم من الأشر والبطر ، توفي فيها وقد قارب التسعين .[17] وهذه المكتبة من أهم المكتبات في العالم والتي تضم في طياتها أندر الكتب المخطوطة . قال ياقوت الحموي بترجمة بين السورين في معجم البلدان : بين السورين ، اسم لمحلة كبيرة كانت بالكرخ وبها كانت خزانة الكتب التي وقفها وزير بهاء الدولة ولم تكن في الدنيا أحسن كتبا منها كانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة وأصولهم المحررة واحترقت في ما أحرق من محال الكرخ عند ورود طغرل بك أول ملوك السلجوقية ؟ بغداد . ومع ذلك كله فإن الباقي منها أصبح نواة للمكتبات المهمة في بغداد . شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي ولد في شهر رمضان سنة 385هـ وقدم إلى العراق سنة 408هـ وتوفي ليلة الاثنين 22من المحرم سنة 460 هـ قال السليقي : هاجر إلى مشهد أمير المؤمنين عليه السلام خوفاً من الفتن التي تجددت ببغداد وأحرقت كتبه وكرسي كان يجلس عليه للكلام عليه .[18] الشيخ كان يسكن في جانب الكرخ ببغداد وكانت المكتبة السابقة التي أنشأها أبو نصر ( سابور أردشير ) تحت يده ويستفيد منها إلى أن تم حرقها من السلجوقية 448هـ مع مكتبة الطوسي الخاصة . قال ابن كثير في كتابه البداية والنهاية ، في أوضاع سنة 460 هجرية : " أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ، فقيه الشيعة ودفن في مشهد علي ، وكان مجاورا به حين أحرقت داره بالكرخ وكتبه ، سنة ثمان وأربعين إلى محرم هذه السنة فتوفي ودفن هناك " [19]. وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء : " وقد أحرقت كتبه عدة نوب في رحبة جامع القصر . . " [20]. وفعل أكثر من ذلك مع مخازن كتب الخلفاء الفاطميين بمصر كما ذكره المقريزي (المتوفى : 848 ه ) في ذكر الخزانات التي كانت في قصر الفاطميين عن خزانة الكتب ، وكانت من عجائب الدنيا ويقال أنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت بالقاهرة في القصر ويقال : أنها كانت تشمل ألف وستمائة ألف كتاب ، وقال قبلها [ أخذ جلودها عبيدهم وإماؤهم برسم عمل ما يلبسونه في أرجلها وأحرق ورقها تأولا منهم أنها خرجت من قصر السلطان وأن فيها كلام المشارقة الذي يخالف مذهبهم سوى ما غرق وتلف وحمل إلى سائر الأقطار وبقي منها ما لم يحرق وسفت عليه الرياح التراب فصارت تلالاً باقية إلى اليوم في نواحي آثار تعرف بتلال الكتب ] . قال العسكري : أسس مكتبة الكرخ وزير البويهيين من أتباع مدرسة أهل البيت فلما استولى السلجوقيين من أتباع مدرسة الخلفاء أحرقوها وأحرقوا مكتبة الشيخ الطوسي بالكرخ ، وفعل أكثر من ذلك مع خزائن كتب الخلفاء الفاطميين بمصر عند استيلاء صلاح الدين على الحكم . يا ترى كم كتم عنا من سنة الرسول بسبب تحريق الكتب والمكتبات التي كان أصحابها من مخالفي مدرسة الخلفاء ، وكم كان فيها أحاديث صحيحة مسلسلة عن رسول الله (ص) في حق آل الرسول بما في ضمنها أحاديثه في الوصية ، ذهبت عنا بسبب هذا النوع من الكتمان والله أعلم بذلك . وأهم من كل ما ذكرنا من أصناف كتمان سنة الرسول (ص) تحريف سنة الرسول وسيرة الصحابة . قال ابن كثير : ثم دخلت سنة ثلاث وستمائة فيها جرت أمور طويلة بالمشرق بين الغورية والخوارزمية ، وملكهم خوارزم شاه بن تكش ببلاد الطالقان . وفيها ولى الخليفة القضاء ببغداد لعبد الله بن الدامغاني . وفيها قبض الخليفة على عبد السلام بن عبد الوهاب بن الشيخ عبد القادر الجيلاني ، بسبب فسقه وفجوره ، وأحرقت كتبه وأمواله قبل ذلك لما فيها من كتب الفلاسفة ، وعلوم الأوائل ، وأصبح يستعطي بين الناس ، وهذا بخطيئة قيامه على أبي الفرج بن الجوزي ، فإنه هو الذي كان وشى به إلى الوزير ابن القصاب حتى أحرقت بعض كتب ابن الجوزي ، وختم على بقيتها ، ونفي إلى واسط خمس سنين ، والناس يقولون : في الله كفاية وفي القرآن ، وجزاء سيئة سيئة مثلها ، والصوفية يقولون : الطريق يأخذ . والأطباء يقولون الطبيعة مكافئة [21]. وهكذا نرى الهمجية والغوغائية والجهل والتعصب والحسد والفتن والحروب تقضي على العلم والثقافة والفكر فتحرق وتبيد جهود آلاف السنين وترجع بالأمة إلى الخلف مئات بل آلاف الدهور وتخسر أعز ما لديها من ثروة وميراث تفتخر به على كل الأمم ولا نقول إلا ما قال الله سبحانه {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ } (156) البقرة . والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين .
[1] انظر : تاريخ فقه أهل البيت وأثره في إصلاح الفرد والمجتمع . بحث لنا [2] الكافي ج : 1 ص : 52 . [3] نهج البلاغة ص : 488 حكمة 54 وسائل الشيعة ج : 12 ص : 40 ح15586 . [4] الكافي ج : 1 ص : 52 . [5] الكافي ج : 1 ص : 52 . [6] معجم المطبوعات العربية - اليان سركيس ج 1 ص 422 . [7] المعارف ص 624 . [8] الكامل لابن عدي ج 3 ص 389 طبع دار الكتب العلمية . [9] الكامل لابن عدي ج 5 ص 238 . [10] العلل - أحمد بن حنبل ج 2 ص 67 ح 1572 . [11] رجال النجاشي ج 2 ص 204 . [12] انظر : اختيار معرفة الرجال 2 / 854 ، رجال النجاشي 2 / 204 - 208 ، رجال الطوسي ص 388 ، الفهرست للطوسي ص 142 ، نقد الرجال ص 284 ، رجال العلامة الحلي ص 140 ، الكنى والالقاب 1 / 199 ، - مرآة الكتب- التبريزي ص 57 . [13] الغدير - الشيخ الأميني ج 4 ص 47 . [14] الموفقيات ص : 332 - 333 . [15] معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 1 ص 260 . [16] تاريخ التشريع الإسلامي للدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي ص 318 . [17] البداية والنهاية - ابن كثير ج12 ص 24 . [18] الخلاصة ( رجال العلامة ) ص 148 . [19] البداية والنهاية - ابن كثير ج 12 ص 119 . [20] انظر : سير أعلام النبلاء 18 / 335 ، لسان الميزان 5 / 153 ، الكامل لابن الأثير 8 / 81 ، البداية والنهاية 12 / 97 ، المنتظم 16 / 8 . [21] البداية والنهاية - ابن كثير ج 13 ص 55 .
|
||
|
|
|