منبر الجمعة

1422

 

1424

 

1423

لتحميل الأحاديث  اضغط هنا

 

1425

 

لتحميل الأحاديث أضغط هنا

 

 

 

 

 

  

 

نبي الرحمة

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

النبي الرحيم      رحمة للعالمين      هدف البعثة      حالة الناس قبل البعثة      شبه الجزيرة العربية قبل البعثة  

الحالة بعد البعثة     عظمة الرسالة والرسول      الطغيان للإنسان     العلاج  

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين

( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) (107) الأنبياء .

الرحمة : رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم ، وقد تستعمل تارة في الرقة المجردة وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة نحو : رحم الله فلاناً . وإذا وصف به الباري فليس يراد به إلا الإحسان المجرد دون الرقة ، وعلى هذا روي أن الرحمة من الله إنعام وإفضال ، ومن الآدميين رقة وتعطف ... والرحمة منطوية على معنيين : الرقة ، والإحسان فركز تعالى في طبائع الناس الرقة ، وتفرد بالإحسان . [1]

وصف المولى سبحانه بالرحمة الرحمانية والرحمة الرحيمية والأولى عامة والثانية خاصة .

النبي الرحيم

وكما أن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بالمغفرة والرحمة الرحيمية في أكثر من آية : ( إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (173) سورة البقرة .

كذلك وصف نبيه  صلى الله عليه وآله وسلم بكونه رحيماً بعباده المؤمنين ومعنى كونه رحيماً أي يتكرر منه العطف والرحمة والرقة للمؤمنين قال تعالى : ( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) [2] هذا الرسول الذي جاءكم من قبل الله سبحانه وتعالى هو من أنفسكم ومن بين قومكم ومن البشر مثلكم ولكن يتصف بصفات عزيزة ونادرة صفات مكارم الأخلاق ، وهذه الصفة أنه يشق عليه ضركم وهلاككم وأنه حريص عليكم جميعاً من مؤمن أو غير مؤمن ولكنه رؤوف رحيم بالمؤمنين .

فإن العنت : هو الضرر والهلاك . والمراد بالعزيز أي النادر فيكون المعنى أنه صعب عليه هلاككم . وقلبه رقيق عليكم ورحيم بكم ، فرسول الله صلى الله عليه وآله قلبه العطوف الرحيم الودود بالآخرين ، فهو متخلق بأخلاق الله ومتصف بصفة الله سبحانه الذي قال : ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) [3] إن هذا القلب الطاهر النقي الذي كان يحمله رسول الله صلى الله عليه وآله انفتح على كل البشرية من المؤمنين والكافرين وكان حريصاً عليهم ورؤوفاً رحيماً بالمؤمنين ، بل هو خير وبركة حتى لأعدائه . قال تعالى : ( وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ ) [4] فهو خير لمن لا يؤمن به .

رحمة للعالمين

وأي رحمة هذه الذي أخرج العالم من الظلمات إلى النور بل أحياهم من العدم إلى الوجود من عدم الكفر والضلال إلى وجود الإيمان والإسلام ، وقد قام بأعباء الرسالة وبلغها على أحسن وجه ولم يخش أحداً إلا الله سبحانه ، حتى ختمت النبوة به بعد أن أصبح أهلاً لهذه الخاتمية ، فالأنبياء السابقون لهم كشف وبسط للحقائق والمعارف ولكن ليس على نحو الإطلاق ، ولكن الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم له هذا الكشف والبسط بشكل مطلق فقد انكشفت له جميع الحقائق بعد أن كان أهلاً لها فختمت النبوات به .

هدف البعثة

إن هدف بعثة الرسول صلى الله عليه وآله هو نفس الهدف الذي أوجد الله الخليقة من أجله فالله سبحانه أوجد البشر حتى يصلوا إلى الكمالات ويخرجهم من الظلمات إلى النور ويتعرفوا عليه تعالى ويعبدوه بما هو أهله ولا يتم ذلك إلا بعد المرور بالتربية والتزكية للنفوس الوسخة ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) [5] البعثة جاءت لتعلم الناس القرآن الكريم والحكمة وتزكيهم من رذائل الأخلاق وقد كانوا من قبل في ظلال مبين .

حالة الناس قبل البعثة

إن الحالة التي كانت عليها الأمم السالفة قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانت تعيش الجهل والظلم والعدوان والتخلف الاقتصادي والأخلاقي والسياسي والعقائدي .

ليس ذلك في جزيرة العرب فقط وإنما أيضاً في الامبراطوريات القائمة آنذاك فمثلاً لو لاحظت الامبراطورية الساسانية الفارسية والتي تسيطر على النصف الشرقي من الكرة الأرضية الممتد من بلاد الرافدين إلى سهل بلاد الصين ، وكذلك الامبراطورية البيزنطية والتي تسيطر على النصف الغربي من الكرة الأرضية والتي تمتد من بلاد الشام إلى أوسط بلاد أوروبا ودققت النظر وتابعت أوضاعهما لرأيت نواع الاضطهاد والقهر والحرمان والظلم المسيطر على تلك الشعوب مع ما فيها من دعوى العلم والمعرفة والحضارة .

شبه الجزيرة العربية قبل البعثة

أما الحالة التي كانت تعيشها شبه الجزيرة العربية فلا يكاد يصدقها السامع فإن الحروب الطاحنة بينهم قائمة على قدم وساق لأتفه الأشياء وأما نظرتهم للمرأة فكانت تباع وتشترى وتورث وأما البنت فيعتبرونها عار لابد من التخلص منه ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ) ويقتلون ولادهم خشية إملاق وقد تحدثت سيدة نساء العالمين عليها السلام عن بعض أحوالهم فقالت : ( وكنتم على شفا حفرة من النار ، مذقة الشارب [6] ، ونهزة الطامع [7] ، وقبسة العجلان [8] ، وموطئ الأقدام [9] ، تشربون الطرق [10] ، وتقتاتون القد [11] ، أذلة خاسئين ، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد صلى الله عليه وآله ) [12] .

هكذا كان الناس قبل البعثة وأكثر وقد تكلم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام .

الحالة بعد البعثة

إن بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو أعظم حدث في التاريخ بل هو أكبر حدث في العالم كله منذ الأزل فلم يحدث مثله قبله ولا بعده. إن بعثته قد هزت الكون بأسره وقد تداعى له إيوان كسرى في المدائن وقصور قيصر وقد أقام حضارة إسلامية قامت على العلم والمعرفة والفطرة السليمة حتى فاقت كل الحضارات المتقدمة إنما قام به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بعثته يفوق ما قام به الأنبياء بأجمعهم . إنه غيّر المحتوى الداخلي لأناس يعشون التخلف والجهل والتبعية لكسرى وقيصر وكانوا تابعين وبعد ذلك أخضعوا العالم بأكثريته إن لم يكن كله وأصبحوا قادة الأمم وسطعت شمسهم على الشرق والغرب ودخل العالم في الإسلام بتضحياتهم وتفانيهم في الله سبحانه وتعالى ونكرانهم للذات وعشقهم لله .

عظمة الرسالة والرسول

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خرج الناس من الظلمات إلى النور وأصبح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شاهداً على أمته بل والأمم السالفة ومبشر للمؤمنين والمطيعين لله ونذيراً للكافرين والعاصين وأصبح داعياً إلى الله وسراجاً يقتدي به العالم كله ويهتدي لو أطاعوه قال تعالى : ( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39) مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (44) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48) سورة الأحزاب .

إن هذه الآيات تكشف لنا بكل وضوح عظمة الرسالة والرسول فقد تحدثت عن الرسالة وعطائها وكيف تجعل الشخص المطيع لله سبحانه يصلي عليه المولى سبحانه وملائكته ويخرجهم من رذائل الأخلاق والظلمات إلى نور العلم والمعرفة والإيمان . إن التحول الذي أوجدته البعثة النبوية المباركة للإنسان عجيب وغريب .

الطغيان للإنسان

فالإنسان وبسبب ما يمر به من ماديات وإغراءات وغوايات الشيطان فإنه يطغى ويصبح في مستوى يدعي الربوبية ( كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (7) سورة العلق .

إن الطغيان ناشيء من كون الإنسان يرى في نفسه الاستغناء عن الآخرين وعن الله سبحانه فيصل إلى حد الطغيان وهذا التحول هو من أخطر الأمور التي يمر بها الإنسان في حياته سواء في الجانب المادي أو العلمي أو الأخلاقي أو غيره .

العلاج

إن هذه الحالة لا يمكن لأي شخص أو مؤسسة أو طبيب أن يعالج هذه الحالة . لم يتمكن أن يعالجها إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برسالته الخالدة وتعاليمه السمحة ( يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ ) إن تزكية النفس الصحيحة لم تحصل في أي مدرسة من المدارس غير مدرسة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأتباعه الميامين الأطهار .

إن بركة البعثة النبوية لا تزال مستمرة منذ أن كانت وإلى يوم القيامة وعطائها لا ينضب ونوارها مشعة تضيء لكل من يريد الهداية والاستقامة .

ولا يمكن للأمة أن تعيد عزتها وكرامتها وحقوقها المسلوبة إلا برجوعها إلى الله ورسوله والتمسك بتعاليم الإسلام والاهتداء بهديه .

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين


 


[1]  المفردات للراغب .

[2]   سورة التوبة(128) .

[3]   سورة الأعراف(156) .

[4]   سورة التوبة(61) .

[5]   سورة الجمعة(2) .

[6]  أي شربته .

[7]  الفرصة أي محلته .

[8]  مثل يضرب في الاستعجال .

[9]  مثل يضرب في المغلوبية والمذلة .

[10]  الطَرق بالفتح : ماء السماء الذي تبول به الإبل وتبعر .

[11]  القِد بكسر القاف وتشديد الدال : سير بقد من جلد غير مدبوغ يعني يأكلون الجلود غير المدبوقة .

[12]  الاحتجاج للطبرسي ج1 ص136 .