منبر الجمعة

1422

 

1424

 

1423

لتحميل الأحاديث  اضغط هنا

 

1425

 

لتحميل الأحاديث أضغط هنا

 

 

 

 

 

  

 

رضا فاطمة وغضبها

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

فاطمة في سطور     رضا الله      درجة الرضا     الرضا بين العابد والمعبود      فاطمة مع الحق      غضب فاطمة لله     غضب فاطمة غضب لرسول الله

عبادتها    سيرتها    منزلتها عند رسول الله    تربيتها للمرأة المسلمة    المرأة القريبة من الله    مع زوجها   

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين .

  عن علي عليه السلام  قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله لفاطمة : ( إنّ الله يغضب لغضبكِ ويرضى لرضاكِ ) ( [1] ) .

بمناسبة ولادة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام ينبغي الحديث عن بعض شؤون هذه المرأة الجليلة العظيمة الكاملة .

فاطمة في سطور :

اسمها : فاطمة .

أبوها : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

ولادتها : يوم 20 من شهر جمادى الثانية بعد البعثة بخمس سنين على بعض الأقوال .

صفتها : كانت عليها السلام أشبه الناس وجها وحديثاً وسمتاً وهدياً  برسول الله صلى الله عليه وآله .

ألقابها : الزهراء ،  الصدِّيقة ، المباركة ، الطاهرة ، الزكية ، الراضية ، المرضية ، المحَدَثة ، الحرة ، السيدة ، العذراء ، الحوراء ، البتول .

كنيتها : أم أبيها .

هجرتها : هي أول امرأة هاجرت إلى المدينة .

زوجها : أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  عليه السلام  .

مهرها : 480 درهماًً .

أولادها : الحسن والحسين والمحسن .

بناتها : زينب .

وفاتها : يوم الثلاثاء ، 3 جمادى الثانية سنة 11هـ .

عمرها : 18 سنة . على بعض الأقوال .

وقت الدفن :   دفنها أمير المؤمنين  عليه السلام  ليلاً بوصية منها.

مكان الدفن : دفنها أمير المؤمنين  عليه السلام  في منزلها .

آثارها : كثيرة منها خطبتها الأولى  في مسجد أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والثانية : أمام جمهور نساء المهاجرين والأنصار.

أوقافها : سبعة بساتين .

 الحديث المتقدم وهو قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  في حق ابنته الطاهرة  : (( إنّ الله يغضب لغضبكِ ويرضى لرضاكِ )) له من المعاني والدلالات الكثيرة التي يعجز الإنسان عن إدراكها والوصول إلى مغزاها ولكن نتحدث عن هذا الحديث الشريف بمقدار ما نتمكن عليه ويخطر في بالنا الآن .

وقبل الدخل في ذلك لابد من التعرض إلى معنى الرضا والسخط .

معنى الرضا والسخط :

قوله تعالى : ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) (18) سورة الفتح )

قال السيد الطباطبائي :

الرضا : هيئة تطرأ على النفس من تلقي ما يلائمها وتقبله من غير دفع ، ويقابله السخط ، وإذا نسب إلى الله سبحانه كان المراد الإثابة والجزاء الحسن دون الهيئة الطارئة والصفة العارضة الحادثة لاستحالة ذلك عليه تعالى : فرضاه سبحانه من صفات الفعل لا من صفات الذات . والرضا - كما قيل - يستعمل متعديا إلى المفعول بنفسه ومتعديا بعن ومتعديا بالباء فإذا عدي بنفسه جاز دخوله على الذات نحو : رضيت زيدا ، وعلى المعنى نحو : رضيت أمارة زيد ، قال تعالى : ( ورضيت لكم الإسلام دينا ) المائدة : 3 ، وإذا عدي بعن دخل على الذات كقوله : ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) البينة : 8 ، وإذا عدي بالباء دخل على المعنى كقوله تعالى : ( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ) .

 ولما كان الرضا المنسوب إليه تعالى صفة فعل له بمعنى الإثابة والجزاء ، والجزاء إنما يكون بازاء العمل دون الذات ففيما نسب من رضاه تعالى إلى الذات وعدي بعن كما في الآية ( لقد رضي الله عن المؤمنين ) نوع عناية استدعى عد الرضا وهو متعلق بالعمل متعلقا بالذات وهو أخذ بيعتهم التي هي متعلقة الرضا ظرفا للرضى فلم يسع إلا أن يكون الرضا متعلقا بهم أنفسهم . فقوله : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) إخبار عن إثابته تعالى لهم بازاء بيعتهم له صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة . وقد كانت البيعة يوم الحديبية تحت شجرة سمرة بها بايعه صلى الله عليه وآله وسلم من معه من المؤمنين وقد ظهر به أن الظرف في قوله : ( إذ يبايعونك ) متعلق بقوله : ( لقد رضي ) واللام للقسم . [2]

 رضا الله :

قال السيد الطباطبائي :

فرضاه تعالى عن أمر من الأمور ملائمة فعله تعالى له ، وإذ كان فعله قسمين تكويني وتشريعي انقسم الرضا منه أيضا إلى تكويني وتشريعي فكل أمر تكويني وهو الذي أراد الله وأوجده فهو مرضي له رضا تكوينيا بمعنى كون فعله وهو إيجاده عن مشية ملائما لما أوجده ، وكل أمر تشريعي وهو الذي تعلق به التكليف من اعتقاد أو عمل كالإيمان والعمل الصالح فهو مرضي له رضا تشريعيا بمعنى ملاءمة تشريعه للمأتي به .

 وأما ما يقابل هذه الأمور المأمور بها مما تعلق به نهي فلا يتعلق بها رضى البتة لعدم ملاءمة التشريع لها كالكفر والفسوق كما قال تعالى :  (إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر)الزمر : 7 ، وقال : ( فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ) التوبة : 96 . [3]

فرضا الله على العبد هو أن تكون أعماله متطابقة ومنسجمة مع ما يريده الله في الجانب التشريعي ويرضى بقضاء الله وقدره عليه وسلم الأمر لخالقه . ويرشد إلى ذلك ما في كلامه تعالى لموسى عليه السلام حين قال له : دلني على أمر فيه رضاك ، قال : ( إن رضاي في رضاك بقضائي ) ([4] ) فحب العبد لله ورضاه بقضاء الله وقدره يسبب رضى الله عليه .

     رضا العبد :

قال الشهيد الثاني :

 واعلم أن الرضى بقضاء الله - تعالى - ثمرة المحبة لله ، إذ من أحب شيئا رضي بفعله ، ورضى العبد عن الله دليل على رضى الله تعالى عن العبد ، رضي الله عنهم ورضوا عنه ، وصاحب هذه المرتبة مع رضى الله تعالى عنه - الذي هو أكمل السعادات ، وأجل الكمالات - لا يزال مستريحا ، لأنه لم يوجد منه أريد ولا أريد ، كلاهما عنده واحد ، ورضوان الله أكبر ، إن ذلك لمن عزم الأمور[5].

  وفي القرآن الكريم :( قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (119) سورة المائدة ) ( [6] ) . وفي أكثر من آية جاء ( رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ) امتثلوا أوامره وانتهوا بنواهيه وحققوا إرادته فرضي عنهم وأعطاهم من الرحمة والنعيم الدائم الذي لا يزول فرضوا عنه .

 وأوحى الله تعالى إلى داود : ( يا داود ، تريد وأريد ، وإنما يكون ما أريد ، فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم ما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد ) ( [7] ) فتسليم أزمة الأمور بيد الله ولا يكون عنده أي اعتراض في فعل الله ولا في قضائه  .

قال تعالى : ( لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)( [8] ) .

وقال الشهيد في موضع آخر حول رضا العبد وأنه ثمرة من ثمار المحبة :

 اعلم أن الرضا ثمرة المحبة لله ، من أحب شيئا أحب فعله والمحبة ثمرة المعرفة ، فإن من أحب شخصا إنسانيا لاشتماله على بعض صفات الكمال أو نعوت الجمال ، يزداد حبه له كلما زاد به معرفة وله تصورا .

 فمن نظر بعين بصيرته إلى جلال الله تعالى وكماله - الذي يطول شرح تفصيل بعضه ، ويخرج عن مقصود الرسالة - أحبه ، والذين آمنوا أشد حبا لله ، ومتى أحبه استحسن كل أثر صادر عنه ، وهو يقتضي الرضا .

 فالرضا ثمرة من ثمرات المحبة ، بل كل كمال فهو ثمرتها ، فإنها لما كانت فرع المعرفة استلزم تصور رحمته رجاؤه ، وتصور هيبته الخشية له ، ومع عدم الوصول إلى المطلوب الشوق ، ومع الوصول الأنس ، ومع إفراط الأنس الانبساط ، ومع مطالعة عنايته التوكل ، ومع استحسان ما يصدر عنه الرضا ، ومع تصور قصور نفسه في جنب كماله وكمال إحاطة محبوبه به وقدرته عليه التسليم إليه ، ويتشعب من التسليم مقامات عظيمة ، يعرفها من عرفها ، وينتهي الأمر به إلى غاية كل كمال [9] .

 درجة الرضا :

من أعلى درجات الكمال هي درجة الرضا فقد جعلها للأصفياء والأولياء قال صلى الله عليه وآله : ( إذا أحب الله عبدا ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، فإن رضي اصطفاه ) ( [10] ) .

 وقال صلى الله عليه وآله : ( إذا كان يوم القيامة أنبت الله تعالى لطائفة من أمتي أجنحة ، فيطيرون من قبورهم إلى الجنان ، يسرحون فيها ، ويتنعمون كيف يشاءون ، فتقول لهم الملائكة : هل رأيتم الحساب ؟ فيقولون : ما رأينا حسابا ، فيقولون : هل جزتم الصراط ؟ فيقولون : ما رأينا صراطا ، فيقولون : هل رأيتم جهنم ؟ فيقولون : ما رأينا شيئا ، فتقول الملائكة : من أمة من أنتم ؟ فيقولون : من أمة محمد صلى الله عليه وآله ، فيقولون : ناشدناكم الله ، حدثونا ما كانت أعمالكم في الدنيا ؟ فيقولون : خصلتان كانتا فينا ، فبلغنا الله تعالى هذا المنزلة بفضل رحمته ، فيقولون : وما هما ؟ فيقولون : كنا إذا خلونا نستحي أن نعصيه ، ونرضى باليسير مما قسم لنا ، فتقول الملائكة : حق لكم هذا ) ( [11] ) .

 وقال صلى الله عليه وآله : ( أعطِوا الله الرضا من قلوبكم ، تظفروا بثواب الله تعالى يوم فقركم والإفلاس ) ( [12] )  .

وقال الشهيد الثاني : اعلم أن الرضا فضيلة عظيمة للإنسان ، بل جماع أمر الفضائل يرجع إليها ، وقد نبه الله تعالى على فضله ، وجعله مقرونا برضا الله تعالى وعلامة له ، فقال : ( رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ )  ( [13] ) ( ورضوان من الله اكبر ) ( [14] ) وهو نهاية الإحسان ، وغاية الامتنان . وجعله النبي صلى الله عليه وآله دليلا على الإيمان ، حين سأل طائفة من أصحابه ، ( ما أنتم ؟ ) قالوا مؤمنون ، فقال : ( ما علامة إيمانكم ؟ ) قالوا : نصبر على البلاء ، ونشكر عند الرخاء ، ونرضى بمواقع القضاء ، فقال : ( مؤمنون ورب الكعبة ) ( [15] ) [16] .

الرضا بين العابد والمعبود:

في أخبار موسى عليه السلام ، أنهم قالوا : سل لنا ربك أمرا إذا نحن فعلناه ( يرضى به عنا ) ( [17] ) فأوحى الله تعالى إليه : ( قل لهم : يرضون عني ، حتى أرضى عنهم ) ( [18] ) .

 ونظيره ما روي عن نبينا صلى الله عليه وآله : أنه قال : ( من أحب أن يعلم ما له عند الله عز وجل ، فلينظر ما لله عز وجل عنده ، فإن الله تعالى ينزل العبد منه حيث أنزله العبد من نفسه ) ( [19] ) .

 وفي أخبار داود عليه السلام : ( ما لأوليائي والهم بالدنيا ، إن الهم يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم ، يا داود ، إن محبتي من أوليائي أن يكونوا روحانيين لا يغتمون ( [20] ) .

 وروي : أن موسى عليه السلام قال : ( يا رب ، دلني على أمر فيه رضاك عني أعمله ، فأوحى الله تعالى ، إليه : أن رضاي في كرهك ، وأنت ما تصبر على ما تكره ، قال : يا رب ، دلني عليه ، قال : فإن رضاي في رضاك بقضائي ) ( [21] ) .

 وفي مناجاة موسى عليه السلام : ( أي رب ، أي خلقك أحب إليك ؟ قال من إذا أخذت حبيبه سالمني ، قال : فأي خلق أنت عليه ساخط ؟ قال : من يستخير ني في الأمر ، فإذا قضيت له سخط قضائي ) .

 وروي ما هو أشد منه ، وذاك أن الله تعالى قال : ( أنا الله ، لا إله إلا أنا ، من لم يصبر على بلائي ، ولم يرض بقضائي ، فليتخذ ربا سوائي ) ( [22] ) وفي البحار فليتخذ رباً سواي  .

ولأجل فهم الحديث المتقدم لابد من ملاحظة عدة أمور :

1-   فاطمة مع الحق :

قال النبي صلى الله عليه وآله : ( فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ) ( [23] ) .

سيدة نساء أهل الجنة لا يمكن أن تكون مع الباطل بل لابد أن تكون مع الحق وتعيش لأجل الحق  ، فرضا فاطمة من رضا الله ورضا الله هو رضا فاطمة عليها السلام  فإرادة أهل البيت ورضاهم تبعاً لإرادة الله ورضاه لذلك قال الإمام الحسين  عليه السلام  : ( رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه فيوفينا أجور الصابرين ) [24]

فرضاهم هو رضا الله ومحبتهم محبة الله  وهو الحق ولا يريدون إلا الحق فرضا فاطمة هو الحق والحق أحق أن يتبع  والله يريد الحق ، وغضبها لأجل الحق فلذلك الله يغضب لغضبها لأنه هو عين الحق والرواية الآتية تكشف لنا مدى انسجامهم في جميع حركاتهم وسكنا تهم مع محبة الله ورضاه وإرادته .

 روي : أن جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنه - ابتلي في آخر عمره بضعف الهرم والعجز ، فزاره محمد بن علي الباقر عليه السلام ، فسأله عن حاله ، فقال : أنا في حالة أحب فيها الشيخوخة على الشباب ، والمرض على الصحة ، والموت على الحياة .

 فقال الباقر عليه السلام : ( أما أنا يا جابر ، فإن جعلني الله شيخا أحب الشيخوخة ، وإن جعلني شابا أحب الشيبوبة  [25]  ، وإن أمرضني أحب المرض ، وإن شفاني أحب الشفاء والصحة ، وإن أماتني أحب الموت ، وإن أبقاني أحب البقاء ) .

 فلما سمع جابر هذا الكلام منه قبل وجهه ، وقال صدق رسول الله صلى الله عليه وآله ، فإنه قال : ( ستدرك لي ولدا اسمه اسمي ، يبقر العلم بقرا كما يبقر الثور الأرض ) ولذلك سمي باقر علم الأولين والآخرين ، أي شاقه [26].

  وقال الصادق عليه السلام : ( صفة الرضا أن ترضى المحبوب والمكروه ، والرضا شعاع نور المعرفة ، والراضي فان عن جميع اختياره ، ، والراضي حقيقة هو المرضي عنه ، والرضا اسم يجمع فيه معاني العبودية ، وتفسير الرضا سرور القلب . سمعت أبي محمد الباقر عليه السلام يقول : تعلق القلب بالموجود شرك ، وبالمفقود كفر ، وهما خارجان عن سنة الرضا ، وأعجب ممن يدعي العبودية لله كيف ينازعه في مقدورا ته ؟ ! حاشا الراضين العارفين عن ذلك )[27] .

والحديث المتقدم ( إنّ الله يغضب لغضبكِ ويرضى لرضاكِ ) دال على عصمتها فلو لم تكن معصومة عن الخطأ والاشتباه والنسيان لما غضب الله لغضبها ولأجلها ورضي برضاها

2-  غضب فاطمة لله :

فاطمة صاحبة رسالة وقد تحملت المسؤولية لتلك الرسالة كاملة في إيصالها لأهلها وقد كانت جديرة بذلك فغضبها لله ورضاها لله . 

3-  غضب فاطمة غضب لرسول الله :

الرسول الأعظم لا يحابي أحداً قريباً كان أو بعيداً فحبه لابنته كان حباً لله 

فقد روي عن المسور بن مخرمة : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( فاطمة بضعة مني ، فمن أغضبها أغضبني ) ( [28] ).

وروى الطبراني وغيره بسنده  أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : ( إنما فاطمة بَضعة مني ، يؤذيني ما آذاها ويُنصبني ما أنصبها ) ( [29] ).

وعن المسور بن مخرمة أيضاً قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنّما فاطمة بضعة مني . يؤذيني ما آذاها ) ( [30] ).

وفي حديث آخر : ( إنما فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني  ) ( [31] ).

وأذية رسول الله صلى الله عليه وآله من أعظم الكبائر قال تعالى : (  وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (61) سورة التوبة وقال تعالى : (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا ) (53) سورة الأحزاب

فهذا الترابط والتلاحم بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين ابنته قائم على أساس المحبة والعدل وتحمل أعباء الرسالة الإلهية جعل أذيتها أذيته وغضبها غضبه ورضاها رضاه .

ومن يغضب رسول الله صلى الله عليه وآله فقد أغضب الله ومن آذاه فقد آذى الله ومن أحبه فقد أحب الله  قال تعالى: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (13) سورة الأنفال  وقال تعالى : (  قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (31) سورة آل عمران فالموالاة لرسول الله موالاة لله والمعاداة له معاداة لله . 

عبادتها :

ضربت الرقم القياسي في العبادة والتقشف وتحمل مصاعب الحياة والفقر ومحبة الآخرين والدعاء لهم ، فعن الحسين بن علي ، عن أخيه الحسن بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) قال : رأيت أمي فاطمة ( عليها السلام ) قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم ، ولا تدعو لنفسها بشيء ، فقلت لها : يا أماه لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك ؟ فقالت : يا بني ! الجار ثم الدار [32].

 وعن موسى بن جعفر ، عن أبيه ، عن آبائه ( عليهم السلام ) قال : كانت فاطمة ( عليها السلام ) إذا دعت تدعو للمؤمنين والمؤمنات ولا تدعو لنفسها ، فقيل لها : يا بنت رسول الله إنك تدعين للناس ولا تدعين لنفسك ، فقالت : الجار ثم الدار [33] .

وقال الحسن البصري : ما كان في هذه الأمة أعبد من فاطمة ، كانت تقوم حتى تورمت قدماها .

سيرتها :

 عن علي ( عليه السلام ) أنه قال لرجل من بني سعد : ألا أحدثك عني وعن فاطمة إنها كانت عندي وكانت من أحب أهله إليه وأنها استقت بالقربة حتى أثر في صدرها ، وطحنت بالرحى حتى مجلت يداها ، وكسحت البيت حتى اغبرت ثيابها ، وأوقدت النار تحت القدر حتى دكنت ثيابها ، فأصابها من ذلك ضرر شديد [34] .

وعن ابن أعبد قال : قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يا ابن أعبد هل تدري ما حق الطعام إذا طعمت قلت وما حقه يا ابن أبي طالب قال أن تقول بسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وهل تدري ما شكره إذا فرغت قلت وما شكره قال شكره أن تقول الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا ثم قال ألا أخبرك عني وعن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت من أكرم أهله عليه وكانت زوجتي فرحت الرحى حتى أثر الرحى بيدها واستقت بالقربة حتى أثرت القربة بنحرها وقمت البيت حتى اغبرت ثيابها وأوقدت تحت القدر حتى دنست ثيابها فأصابها من ذلك الضر [35]

 منزلتها عند رسول الله :

1-  عن زرارة ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إذا أراد السفر سلم على من أراد التسليم عليه من أهله ثم يكون آخر من يسلم عليه فاطمة ( عليها السلام ) فيكون وجهه إلى سفره من بيتها ، وإذا رجع بدأ بها [36] .

2-  كانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبلها ورحب بها ، كما كانت تصنع هي به . (الاستيعاب)  .

3-     وكان يفديها بنفسه .  

تربيتها للمرأة المسلمة :

قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) لها : أي شئ خير للمرأة ؟ قالت : أن لا ترى رجلا ولا يراها رجل . فضمها إليه وقال : ذرية بعضها من بعض [37] .

عن موسى بن جعفر ، عن آبائه ( عليهم السلام ) قال : قال علي ( عليه السلام ) استأذن أعمى على فاطمة ( عليها السلام ) فحجبته فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لها : لم حجبتيه وهو لا يراك ؟ فقالت ( عليها السلام ) : إن لم يكن يراني فإني أراه وهو يشم الريح فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أشهد أنك بضعة مني [38] .

المرأة القريبة من الله :

 وبهذا الإسناد قال : سأل رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه عن المرأة ما هي ، قالوا : عورة ، قال : فمتى تكون أدنى من ربها ؟ فلم يدروا ، فلما سمعت فاطمة ( عليها السلام ) ذلك قالت : أدنى ما تكون من ربها أن تلزم قعر بيتها ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إن فاطمة بضعة مني [39] .

مع زوجها :

قال علي ( ع ) : فوالله ما أغضبتها ولا أكرهتها على أمر حتى قبضها الله عز وجل إليه ، ولا أغضبتني ولا عصت لي أمرا ، ولقد كنت أنظر إليها فتنكشف عنى الهموم والأحزان [40]

فكان أمير المؤمنين  عليه السلام  في أتم الانسجام مع سيدة النساء عليها السلام وما أشيع عنهما أنها أغضبته وأغضبها حتى أراد أن يتزوج عليها من ابنة أبي جهل غير صحيح على الإطلاق وذلك :

1- لما رأى أعدائهما أنهما لا يدانيهما في الفضائل والكرامات غيرهما أرادوا النيل منهما بمثل هذه الخزعبلات .

2- لماذا فاطمة تغضب من الزواج عليها وهي المرأة الكاملة التي تمثل المرأة المسلمة الواعية وهذا حق مشروع لزوجها .

3- ولماذا يغضب رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ وهو الذي شرع هذا الحكم وطبقه عملياً .

4-  ولماذا أمير المؤمنين  عليه السلام  يتزوج عليها ؟ فهل يريد امرأة أشرف منها في حسبها ونسبها ؟ أو أطهر منها ؟ أو أجمل منها ؟ وهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين . فهذا وغيره مما يثبت بكل وضوح سخافة هذه الأكذوبة .     

وعن أبي سعيد الخدري قال أصبح على عليه السلام ذات يوم فقال يا فاطمة عندك شئ تغذينيه ؟ قالت لا والذي أكرم أبي بالنبوة وأكرمك بالوصية ما أصبح اليوم عندي شئ أغذيكه وما كان عندي شئ منذ يومين إلا شئ كنت أوثرك به على نفسي وعلى ابني هذين حسن وحسين فقال على عليه السلام يا فاطمة ألا كنت أعلمتني فأبغيكم شيئا ؟ فقالت يا أبا الحسن إني لأستحي من إلهي أن تكلف نفسك ما لا تقدر عليه [41].

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين .


 [1]  رواه الطبراني في المعجم الكبير ج 22 ص 401 حديث رقم 1001 . والحاكم في المستدرك ج3 ص 167 وفي طبع آخر ص 153 حديث رقم 4730 وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، مجمع الزوائد ج 9 ص 203 .

[2]  -  تفسير الميزان - السيد الطباطبائي ج 18   ص 284 :

 [3]  -  تفسير الميزان - السيد الطباطبائي ج 17  ص 241 :

 [4]  رواه الراوندي في دعواته : 164 / 453 ، باختلاف يسير .

[5]  - مسكن الفؤاد- الشهيد الثاني  ص 23 :

 [6]  المائدة 5 : 119 .

[7]  ) رواه الصدوق في التوحيد : 337 / 4 .

[8]   الحديد 57 : 23 .

[9]  مسكن الفؤاد- الشهيد الثاني  ص 79

[10]  المحجة البيضاء 8 : 67 و 88 ، والبحار 82 : 142 / 26 .

[11]  المحجة البيضاء 8 : 88 .

[12]   روى الكليني نحوه في الكافي 2 : 203 / 14 ، وأخرجه المجلسي في البحار 82 : 143 .

[13]   المائدة 5 : 119 ، والتوبة 9 : 100 ، والمجادلة 58 : 22 ، والبينة 98 : 8 .

[14]   التوبة 9 : 72 .

[15]   ورد باختلاف في ألفاظه في التمحيص : 61 : 137 ، ودعائم الإسلام 1 : 223 وأخرجه الفيض الكاشاني في المحجة البيضاء 7 : 107 .

[16]  مسكن الفؤاد- الشهيد الثاني  ص 79

[17]  في ( ش ) : يرضى الله عنا .

[18]  المحجة البيضاء 8 : 88 ، والبحار 82 : 143 .

[19]   المحاسن : 252 / 273 ، مشكاة الأنوار : 11 ، عدة الداعي : 167 ، المستدرك على الصحيحين 1 : 495 باختلاف يسير .

[20]   أخرجه المجلسي في البحار 82 : 143 .

[21]   دعوات الراوندي : 71 ، والبحار 82 : 143 .

[22]   دعوات الراوندي : 74 ، الجامع الصغير 2 : 235 / 6010 باختلاف في الفاظه .

( [23] ) صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة باب 12 قبل حديث رقم 3711 وباب 29 مناقب فاطمة قبل حديث رقم 3767 .

[24]   شرح الأخبار للقاظي النعمان المغربي ص146، مثير الأحزان لابن نما ص29 وبحار الأنوار

        ج44 ص366 والعوالم ( الإمام الحسين ) ص216 واللهوف ص38 طبع العلمي .

[25]   كدا ، ولعل صحتها الشبيبة : وهي الحداثة وسن الشباب ، انظر ( الصحاح - شبب - 1 : 151 ) .

[26]  - مسكن الفؤاد- الشهيد الثاني  ص 82 :

 [27]  - مسكن الفؤاد- الشهيد الثاني  ص 82 :

 ( [28] ) أخرجه البخاري في صحيحه  كتاب فضائل الصحابة باب 12 مناقب قرابة رسول الله ومنقبة فاطمة  حديث رقم 3714 و3767 ، ورواه الطبراني في المعجم الكبير باب من مناقب فاطمة  ج 22 ص 404 حديث رقم 1012 .  

( [29] ) رواه الترمذي في الجامع الصحيح  ج 5 ص 656 كتاب المناقب باب 61 ح3869 ، عن ابن الزبير وعن المسور بن مخرمة . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، ورواه أحمد بن حنبل في المسند ج4ص5 وفي فضائل الصحابة ج2 ص 946 ح 1327 بسند صحيح ، والحاكم في المستدرك ج 3 ص 173 ح 4751 وطبع قديم ج 3 ص159 وقال بعد روايته للحديث : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، والهندي في كنز العمال حديث رقم 34215 .

( [30] ) رواه مسلم في صحيحه  كتاب فضائل الصحابة باب 15 فضائل فاطمة  حديث رقم 2449 .

( [31] ) رواه أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة ج 2 ص 945 ح 1324 .ورواه الحاكم في المستدرك ج3 ص 173 ح 4750 وفيه مضغة مني  ، والهندي في كنز العمال  حديث رقم 34240 .

[32]  -  بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 43   ص 81 :

 [33]  -  بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 43   ص 81 :

 [34]  -  بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 43   ص 82 :

 [35]  - كتاب الدعاء- الطبراني  ص 95 :

 [36]  -  بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 43   ص 83 :

 [37]  -  بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 43   ص 84 :

 [38]   -  بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 43   ص 91 :

 [39]  -  بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 43   ص 92 :

 [40] -  كشف الغمة - ابن أبي الفتح الإربلي ج 1   ص 373 :

 [41]  -  كشف الغمة - ابن أبي الفتح الإربلي ج 2   ص 97 :