|
|
|
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم
عدم الأمن من مكر الله عِبْرة لمن اعتبر من هو صاحب القرار ؟ الأمة الإسلامية حالة التخلف في الأمة الاستقلال الإمام الكاظم والمقاطعة الإمام الباقر والاستقلال واقعنا المعاصر موقف مشرف
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين . روى الشيخ الصدوق بسنده قال الراوي : تكلم أمير المؤمنين عليه السلام بتسع كلمات ارتجلهنَّ ارتجالا ، فقأن عيون البلاغة وأيتمن جواهر الحكمة ، وقطعن جميع الأنام عن اللحاق بواحدة منهن ، ثلاث منها في المناجاة ، وثلاث منها في الحكمة وثلاث منها في الأدب ، فأما اللاتي في المناجاة فقال : إلهي كفي لي عزاً أن أكون لك عبداً ، وكفى بي فخراً أن تكون لي رباً ، أنت كما أحب فاجعلني كما تحب . وأما اللاتي في الحكمة فقال : قيمة كل امرئ ما يحسنه ، وما هلك امرء عرف قدره ، والمرء تحت لسانه . وأما اللاتي في الأدب فقال : امنن [1]على من شئت تكن أميره ، واحتج إلى ن شئت تكن أسيره ، واستغن عمن شئت تكن نظيره [2]. الذي يتناسب مع العنوان المطروح هي الثلاث الكلمات الأخيرة وقبل الحديث عنها ينبغي الالتفات والتنبيه إلى الحديث عن النعمة لمن كانت عنده . النعم الموجودة عند الإنسان يجب عليه شكرها وأداء حقها لله عز وجل والمحافظة عليها وعدم الكفران بها وعدم الأمن من مكر الله (فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) الأعراف / 99. وكم من الأشخاص او الجماعات أو الدول .. كانوا يفلون في النعم ثم لم يشكروها بل وكفروا بها فسلبهم الله إياها . التاريخ يحدثنا عن جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي وزير هارون الرشيد العباسي انقادت له الدنيا وكان هارون يقربه إليه وكان من أحب الأشخاص إليه ، ومكان يبذخ في الأموال ينفق عشرات الآلاف من الدنانير على الليالي الحمراء والسامرة واللهو ، وبقي لمدة سبعة عشر عاماً وزيراً شمل جميع آل برمك بتفريق أموال المسلمين عليهم ، ثم غضب عليه هارون وقتله وأحرق جثته وسلب كل شيء تحت يده ويد البرامكة . روى محمد بن عبدالرحمن الهاشمي صاحب صِلاة الكوفة قال دخلت على أمي في يوم عيد أضحى وعندها امرأة برزت في أثواب دنسة رثة فقالت لي اتعرف هذه ؟ قلت : لا قالت : هذه عبادة أم جعفر بن يحيى بن خالد فسلمت عليها ورحبت بها وقلت لها يا فلانة : حدثيني ببعض أمركم قالت أذكر لك جملة كافية فيها اعتبارا لمن اعتبر وموعظة لمن فكر لقد هجم عليّ مثل هذا العيد وعلى رأسي أربع مائة وصيفه وأنا أزعم أن جعفراً أبني عاقٌ بي وقد أتيتكم في هذا اليوم والذي يقنعني جلدا شاتين أجعل أحدهما شعاراً والآخر دثاراً [3] إن هذه القصة عبرة لمن اعتبر فإن النعمة لا تدوم إذا لم تشكر (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) . ومن الكفران بالنعمة عدم القيام بما يجب عليه إزاء الآخرين المسلمين المنكوبين وفي هذه الأيام الفلسطينيين ، الذين تكالب عليهم الشرق والغرب في إذلالهم والتنكيل بهم وكسر إرادتهم وإخضاعهم للمستعمرين الصهاينة . الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في كلماته الثلاث الأخيرة قسّم حالة الإنسان مع الآخرين إلى ثلاث حالات : 1-أن يكون الآخرون هم محتاجون إليه . 2-أن يكون محتاجاً إلى الآخرين . 3-أن يكون مستغنياً عن الآخرين . الحالة الأولى : وهو أن يكون الناس محتاجين إليه في أي مجال من المجالات العلمية أو الأخلاقية أو الثقافية أو الفكرية أو الاقتصاديةأو السياسية وغيرها ، فإذا هو أنعم عليهم بما عنده وجاد عليهم بما يملك فسوف يصبح سيدهم وأميرهم وهو صاحب القرار في حياتهم السياسية والاقتصادية ( امنن على من شئت تكن أميره) وفي بعض النسخ (أنعم على من شئت ... )وهذا لا ينحصر في الجانب المادي بل يشمل الجوانب العلمية فكل شيء الآخرون محتاجون إليه وهو يملكه فإنه إذا تفضل عليهم فسوف يملك أزِمّة أمورهم . على مر التاريخ منذ فجر الإسلام إلى قبيل النهضة الحديثة في أوربا كانت الأمة الإسلامية صاحبة الريادة والقيادة في العالم وكانت الدول الكبرى تخضع لها وتحت سيطرتها . وقد تقدمت الأمم في العلم والحضارة فكان الغرب يعيش في ظلام دامس وكانت هي تعيش في نور العلم والمعرفة - (قيمة كل امرئ ما يحسنه) - بكل قوة واقتدار .. والآن لا مجال للإفاضة في هذا الحديث . وفي هذه الحالة يتمكن أن يتخذ القرار الذي يريده . الحالة الثانية : الحاجة إلى الآخرين صغيرة كانت أم كبيرة هي في واقع الأمر ذل ومهانة ويصبح الشخص أسيراً لمن احتاج إليه ( واحتج إلى من شئت تكن أسيره ) . بالرغم من أن الأمة الإسلامية تمتلك القدرة الهائلة في التقدم والرقي ليس في صف الأمم المتحضرة بل في مقدمة الركب كما كانت سابقاً ، ولكن مع الأسف الشديد جداً أصبحت الأمة الإسلامية وبالأخص الأمة العربية أسيرة للشرق والغرب وأصبحت لقمة سائغة يأكلها القريب والبعيد ، وفيما يرجع إلى لحياة الاقتصادية والسياسية فكانت قديماً يتحكم بها الاستعمار الإنكليزي وفي الوقت الراهن أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تسيرها كيفما تشاء . وأصبحت هذه الأمة آخر الأمم وأضعفها ، أما لماذا هذا التخلف والضعف ؟ فيرجع إلى أسباب عديدة أهمها أن أزِمّة أمورها بأيد غير كفوءة . ما دامت الأمة أسيرة لغيرها وبالأخص لأعدائها فلا مجال لكسر هذا الطوق إلا بالتوكل على الله عز وجل ونفض غبار الذل والهوان والأسر عن كاهلها واستعمال نقاط القوة الموجود لديها في الجانب الاقتصادي والسياسي والإيماني والاعتماد على نفسها . فبدل الاستغلال الذي استغلها أعداؤها يجب أن تبدله إلى الاستقلال الذاتي والمعنوي . الحالة الثالثة : الاكتفاء الذاتي وعدم مد يده للآخرين تجعله إلى صف الآخرين ويكون بذلك عزيزاً ( استغن عمن شئت تكن نظيره ) فإذا قطع الإنسان طمعه عن الآخرين يكون في عز وكرامة . من الأساليب التي استعملها أئمة الهدى ... أئمة أهل البيت عليهم السلام في استقلال الأمة عن التبعية للأجانب والظالمين والمنحرفين عن الخط الرسالي ، هو جانب المقاطعة الشاملة في جميع نواحي الحياة ، فقد روى في هذا الجانب الحسن بن علي بن فضال ، قال : حدثني صفوان بن مهران الجمال ، قال : دخلت على أبي الحسن الأول عليه السلام فقال لي : يا صفوان كل شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً قلت : جعلت فداك أي شيء . قال : إكراؤك جِمالُك من هذا الرجل – يعني هارون – قلت : والله ما أكريته أشراً ولا بطراً و لصيد ولا للهو ولكني أكريه لهذا الطريق – يعني طريق مكة – ولا أتولاه بنفسي ولكن أنصب غلماني . فقال لي : يا صفون أيقع كراؤك عليهم ؟ قلت : نعم جعلت فداك ، قال : فقال لي : أتحب بقائهم حتى يخرج كراؤك ؟ قلت : نعم ، قال : فمن أحب بقائهم فهو منهم ، ومن كان منهم كان ورد النار . قال صفون : فذهبت وبعت جِمالي عن آخرها ، فبلغ ذلك إلى هارون ، فدعاني فقال لي : يا صفوان بلغني أنك بعت جِمالك ؟ قلت : نعم ، فقال : لم ؟ قلت : أنا شيخ كبير وأن الغلمان لا يفون بالأعمال . فقال : هيهات هيهات إني لأعلم من أشار عليك بهذا موسى بن جعفر ، قلت : مالي ولموسى بن جعفر ، فقال : دع هذا عنك فوالله لولا حسن صحبتك لقتلتك [4]. هذه الحادثة لها دلالات عديدة : 1-أن الإنسان المسلم يجب أن يميز بين الخط السليم للإسلام ويتعرف على رجالاته وبين الخط المنحرف والتعرف على رجالاته . 2-أنه بعد التعرف على الباطل لابد من الوقوف ضده بأي شكل من الأشكال ومنها المقاطعة الشاملة ... السياسية والاقتصادية ، والولائية . 3-كثيراً ما تلتبس الأمور على صاحبها حتى لو كانت شخصية علمية وجهادية فصفوان بن مهران بالرغم من الإيمان والوثاقة بل والعدالة وحسن السيرة والسلوك التي يتحلى به إلا أنه التبس عليه الأمر وظن أنه مجرد أن تكون معاملته معهم في طريق الحج لا يؤثر عليه وقد نبهه الإمام إلى خطأ تصوره . 4-أن محبة بقاء الظلمة والمستعمرين على ظلمهم واستعمارهم واستغلالهم للناس هذا هو جرم في حد ذاته ويكون هذا الشخص شريكاً معهم في ظلمهم ومصيره إلى النار . 5-أن ما يتصوره الإنسان من أن عدم مباشرته للعمل الذي يقوم به للظالم لا يسوغ له إسقاط المسؤولية عنه أمام الله والآخرين . 6-والنتيجة : أنه يلزم الإنسان فرداً أو جماعة أو دولة أو الأمة أن تقاطع الظالم والكافر والمستعمر بجميع أنحاء المقاطعة السياسية والاقتصادية وغيرها . إن الإمام الباقر عليه السلام أعاد للأمة الإسلامية عزتها وكرامتها وقوتها فيما قدمه للأمة من مقاطعة . قال الكسائي : دخلت على الرشيد ذات يوم وهو في إيوانه وبين يديه مال كثير قد شَقّ عنه البِدَر شقا وأمر بتفريقه في خدم الخاصة وبيده درهم تلوح كتابته وهو يتأمّله ، وكان كثيراً ما يحدثني ، قال : هل علمتَ من أوّل من سنّ هذه الكتابة في الذهب والفضة ؟ قلت يا سيّدي هذا عبد الملك بن مروان . قال : فما كان السبب في ذلك ؟ قلت : لا عِلْم لي غير أنه أوّل مـن أحدث هذه الكتابة . فقال : سأخبرك ، كانت القراطيس للروم وكان أكثرُ مَنْ بمصر نصرانياً على دين ملك الروم ، وكانت تطرّز بالروميّة وكان من طِرازها أباً وابناً وروحاً قديساً . فلم يزل كذلك صدر الإسلام كله يمضي على ما كان عليه إلى أن ملك عبد الملك فتنبّه عليه وكان فطناً ، فبينا هو ذات يوم إذ مرّ به قرطاس فنظر إلى طرازه فأمر أن يترجم بالعربية ففُعل ذلك فأنكره وقال : ما أغلظ هذا في أمر الدين والإسلام أن يكون طراز القراطيس وهي تحمل في الأواني والثياب وهما تعملان بمصر وغير ذلك ممّا يطرّز من ستور وغيرها من عمل هذا البلد على سعته وكثرة ماله وأهله تخرج منه هذه القراطيس فتدور في الآفاق والبلاد وقد طرّزت بشرْكٍ مثبت عليها ! فأمر بالكتاب إلى عبد العزيز بن مروان ، وكان عامله بمصر ، بإبطال ذلك الطراز على ما كان يطرّز به من ثوب وقرطاس وستر وغير ذلك وأن يأخذ صُنّاع القراطيس بتطريزها بصورة التوحيد ، وشَهِدَ الله أنّهُ لا إلَهَ إلاّ هُوَ . وهذا طراز القراطيس خاصّةٌ إلى هذا الوقت لم ينقص ولم يزد ولم يتغيّر . وكتب إلى عُمّال الآفاق جميعاً بإبطال ما في أعمالهم من القراطيس المطرّزة بطراز الروم ومُعَاقَبة مَن وُجِدَ عنده بعد هذا النهي شيء منها بالضرب الوجيع والحبس الطويل . فلمّا أُثبتت القراطيس بالطراز المحدث بالتوحيد وحُمِل إلى بلاد الروم منها انتشر خبرُها ووصل إلى مَلِكهم فتُرْجِم له ذلك الطراز فأنكره وغلظ عليه فاستشاط غضباً وكتب إلى عبد الملك : إن عمل القراطيس بمصر وسائر ما يطرّز هناك للروم ولم يزل يطّرز بطراز الروم إلى أن أبطلته ، فإن كان مَن تقدّمك من الخلفاء قد أصاب فقد أخطأت ، وإن كنت قد أصبت فقد أخطأوا ، فاختر من هاتين الخلّتين أيتهما شئت وأحببت ، وقد بعثتُ إليك بهديّة تشبه محلّك وأحببتُ أن تجعل ردّ ذلك الطراز إلى ما كان عليه في جميع ما كان عليه في جميع ما كان يطرّز من أصناف الأعلاق حاجةٌ أشكرك عليها وتأمر بقبض الهديّة وكانت عظيمة القدر . فلمّا قرأ عبدُ الملك كتابّه ردّ الرسول وأعلمه أن لا جواب له ولم يقبل الهديّة . فانصرف بها إلى صاحبه ، فلمّا وافاه أضعف الهديّة وردّ الرسول إلى عبد الملك وقال : إني ظننتُكَ استقللتَ الهدية فلم تقبلها ولم تجبني عن كتابي فأضعفتُ لك الهدية وأنا أرغب إليك في مثل ما رغبت فيه من ردّ هذا الطراز إلى ما كان عليه أوّلاً . فقرأ عبد الملك الكتاب ولم يُجِبه وردّ الهديّة . فكتب إليه ملك الروم يقتضي أجوبته كُتُبِه ويقول : إنكَ قد استَخْفَفْتَ بجَوَابي وهديّتي ولم تسعفني بحاجتي فتوهّمك استقللتَ الهديّة فأضعفتُها فجريتَ على سبيلك الأوّل وقد أضعفتُها ثالثةً ، وأنا أحلفُ بالمسيح لتأمرنّ بردَ الطراز إلى ما كان عليه أو لآمرنّ بنقش الدنانير والدراهم ، فإنك تعلم أنّه لا ينقش شيء منها إلاّ ما ينقش في بلادي . ولم تكن الدراهم والدنانير نقشت في الإسلام . فينقش عليها مِن شَتْمِ نبيّك ما إذا قرأتَه ارفضّ جبينك له عرقاً ، فأحِبّ أن تقبل هديّتي وتردّ الطراز إلى ما كان عليه وتجعل ذلك هديّة بررتني بها ونبقى على الحال بيني وبينك . فلمّا قرأ عبد الملك الكتاب غلُظ عليه وضاقت به الأرض وقال : أحسبني أشأم مولودٍ وُلِدَ في الإسلام لأني جنيتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن شتم هذا الكافر ما يبقى غابر الدهر ولا يمكن مَحْوُهُ من جميع مملكة العرب . إذ كانت المُعاملات تدور بين الناس بدنانير الروم ودراهمه . وجمع أهل الإسلام واستشارهم فلم يجد عند أحدٍ منهم رأياً يعمل به . فقال له رَوْح بن زنباع : إنك لتعلم الرأي والمخرج من هذا الأمر ولكنّك تتعمّد تركه . فقال : ويحك مَنْ ؟ قال : الباقر من أهل بيت النبي ، صلى الله عليه وسلم ! قال : صدقت ولكنّه أُرتج عليّ الرأي فيه . فكتب إلى عامله بالمدينة : أن أشخص إليّ محمداً بن علي بن الحسين مكرماً ومتّعه بمائتي ألف درهم لجهازه وثلاثمائة ألف درهم لنفقته وأزِح علّته في جهازه وجهاز من يخرج معه من أصحابه واحتبس الرسول قِبَله إلى موافاته عليّ . فلما وافى أخبره الخبر فقال له محمد بن علي : لا يعظمن هذا عليه ، فإنه ليس بشيء من جهتين : ( إحداهما ) أن الله عز وجل لم يكن ليطلق ما يُهددك به صاحب الروم في رسول الله صلى الله عليه وآله ، (والأخرى) وجود الحيلة فيه . قال : وما هي ؟ قال : تدعو في هذه الساعة بصُنّاع يضربون بين يديك سككاً للدراهم والدنانير وتجعل النقش عليها سورة التوحيد وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أحدهما في وجه الدرهم والدينار والآخر في الوجه الثاني ، وتجعل في مَدَار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه والسنة التي يضرب فيها تلك الدراهم والدنانير ..... ففعل عبد الملك ذلك وأمره محمد بن علي بن الحسين أن يكتب السكك في جميع بلدان الإسلامية وأن يتقدم إلى الناس في التعامل بها وأن يتهددوا بقتل من يتعامل بغير هذه السكك من الدراهم والدنانير وغيرها وأن تبطل وتردّ إلى مواضع العمل حتى تعتاد على السكك الإسلامية . ففعل عبد الملك ذلك وردّ رسول ملك الروم إليه يعلمه بذلك ويقول : إن الله جل وعز مانعك مما قدرتَ أن تفعله ، وقد تقدمتُ إلى عُمالي في أقطار الأرض بكذا وكذا وبإبطال السكك والطراز الرومية . فقيل لملك الروم : افعلْ ما كنت تهددتَ به ملك العرب . فقال : إنما أردتُ أن أغيظه بما كتبت به إليه لأني كنتُ قادراً عليه والمال وغيره برسوم الروم ، فأمّا الآن فلا أفعل لأن ذلك لا يتعامل به أهل الإسلام . وامتنع من الذي قال وثبتَ ما أشار به محمد بن علي بن الحسين إلى اليوم [5]. إن هذه الواقعة تستدعي منا إلى أن نقف معها قليلاً ونستخلص منها ما يلي : 1-أن الاستعمار الجديد هو الاستعمار القديم وقد تطور الجديد في الأساليب والحيل والخدع والأضاليل . 2-يجب على لحكام أن يتحملوا مسؤولياتهم إزاء الإسلام والمسلمين وما يحدق بالأمة من الأخطار وأن يكونوا خطاً منيعاً عن غزو الاستعمار بأشكاله المختلفة . 3-الخدع والأضاليل بتوسيع مؤامراتهم بالاحتجاج على المتأخر برضى من تقدم عليهم . 4-الاستمالة بالرشوة بعنوان الهدية أو المساعدات الإنسانية أو العسكرية أو تعمير البلاد أو غير ذلك من العناوين البراقة وكثير من الحكام من ينطلي عليه هذه الألاعيب أو بعنوان الدفاع المسلح عنه وعن كرسيه فيخضع ذلك الحاكم ثم يبيع بلده وأمته من حيث يشعر أو لا يشعر . 5-التهديد : والاستفزاز للحاكم بأمور لا يتمكن أن يتحملها في المبادئ والعقائد . كما هدد ملك الروم بشتم رسول الله صلى الله عليه وآله على الدنانير والدراهم . 6-أن كثيراً من الحكام يعلمون أن شعوبهم هي السند الوحيد لهم في الأزمات ولكن لا يعتمدون عليهم لأسباب عديدة . 7-مسؤولية إمام الحق : لما علم الإمام الباقر عليه السلام بما جرى أعرض عن كل الخلافات بينه وبين السلطة الحاكمة وقدم مصلحة الإسلام والمسلمين على ما أصابه هو وأهل بيته من السلطة وقدم النصح لها وأعطاها الحل الناجع . 8-الإمام الباقر عليه السلام اعتمد الاستقلال الذاتي وأمر عبد الملك بن مروان أن يضرب سكة إسلامية ويستقل عن الاعتماد على الأجانب والكفار والمستعمرين . 9-الإمام الباقر عليه السلام أمر عبد الملك أن يلزم الأمة بالمقاطعة الاقتصادية وأن لا يتعاملوا مع العملة الأجنبية التي تضعف الإسلام والمسلمين . 10-إنزال أشد العقوبة بمن يخرق المقاطعة . 11-أن الخطة التي اعتمدها عبد الملك بمشورة ورأي من الإمام الباقر عليه السلام نجحت وآتت ثمارها . 12-فشل مؤامرة ملك الروم في خطته . 13-استعمال القوة في الموقف وسريان المقاطعة أدت إلى فشل مؤامرة ملك الروم . إن الذي نمر به في وقتنا الراهن من مؤامرات على هذه الأمة وسلبها حقوقها وإذلالها هو شبيه بما تقدم في هذه الحادثة . فالولايات المتحدة الأمريكية تتزعم الكفر العالمي وهي محور الشر ... وراعية الإرهاب باسم القضاء على الإرهاب . وقلب كل الموازين البشرية ... ولم يكن لديها إلا القوة والقهر والظلم والعدوان .. المذابح التي ارتكبتها في فلسطين باسم الصهاينة المجرمين يندى لها جبين البشرية ... ومع هذا تطلق عليه العدل والسلام والدفاع عن الحقوق المشروعة لإسرائيل المحتل والغاصب لأرض الغير هو صاحب الحق .. وصاحب الأرض المشرد المقتول تحت الأنقاض والمقطع إرباً إرباً في نظر أمريكا إرهابي .. ومن يساندهم أو يتألم لأجلهم فهو إرهابي . بعد المجازر التي ارتكبتها أمريكا بيد صهيونية في جنين ونابلس وغيرهما والدمار الذي حل بالمخيمات ومنع المنظمات الدولية من النظر إلى تلك الجرائم . تقوم أمريكا بإرسال مساعدات إنسانية إلى الشعب الفلسطيني .. فوقف الشعب الفلسطيني الأبي المظلوم وقفة عز وكرامة وشهامة ورفض تلك المساعدات وقال إن صواريخكم التي قتلتنا ودمرتنا لا تزال إلى الآن ماثلة لأعيننا وأعين العالم وقالوا نموت جوعاً خير لنا من أن نأخذ مساعداتكم . إن هذه المقاطعة لهي من أنبل المواقف البطلة والشجاعة . إن المقاطعة الشاملة للأعداء هي من أكبر الواجبات على هذه الأمة في حق دينها وإسلامها ومستضعفيها . والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين .
[1] وفي بعض النسخ : أنعم . [2] الخصال للشيخ الصدوق ص420 . [3] تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج7 ص168 . [4] اختيار معرفة الرجال للشيخ الطوسي ج2 ص740 وهو تلخيص لرجال الكشي . [5] المحاسن والمساوي لإبراهيم بن محمد البيهقي ص522 – 526 وهذا إبراهيم توفي قبل 320هـ .
|
||
|
|
|