|
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
صمود يوسف عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله الطاهرين . قال تعالى : ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) [1] السؤال :
أسئلة ينبغي الإجابة عليها . حول معنى هذه الآية المباركة تشعبت الأجوبة وتعددت الآراء ونحاول أن نعرضها ونرى ما هو الصحيح منها : القول الأول : هذا القول حكاه الفخر الرازي عن الواحدي وغيره : أن يوسف عليه السلام هم بالفاحشة ، قال الواحدي في كتاب البسيط : قال المفسرون الموثوق بعلمهم المرجوع إلى روايتهم : هم يوسف أيضا بهذه المرأة هما صحيحا ، وجلس منها مجلس الرجل من المرأة ، فلما رأى البرهان من ربه زالت كل شهوة عنه . قال أبو جعفر الباقر بإسناده عن علي إنه قال : طمعت فيه وطمع فيها ، وكان طمعه فيها أنه هم أن يحل التكة . ([2]) وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : حل الهميان ([3]) وجلس منها مجلس الخائن ، وعنه أيضا أنها استلقت له وقعد هو بين رجليها ينزع ثيابه . ثم إن الواحدي طول في كلمات عديمة الفائدة في هذا الباب ، وما ذكر آية يحتج بها ، أو حديثا ([4]) صحيحا يعول عليه في تصحيح هذه المقالة ، ولما أمعن في الكلمات العارية عن الفائدة روى أن يوسف لما قال : " ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب " قال له جبرائيل : ولا حين هممت يا يوسف ؟ فقال يوسف عند ذلك : " وما أبرئ نفسي " ثم قال : والذين أثبتوا هذا العمل ليوسف كانوا أعرف بحقوق الأنبياء وارتفاع منازلهم عند الله من الذين نفوا الهم عنه ! ([5]) فهذا خلاصة كلامه في هذا الباب . [6] وقال الحاكم : في قوله عز وجل ( ولقد همت به وهم بها ) قال جلس منها مجلس الرجل من امرأته فنودي يا ابن يعقوب أتزنى فتكون كالطائر ينتف ريشه فيطير ولا ريش له ثم قال الحاكم - هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .[7] والغريب أن الذهبي صححه في تلخيص المستدرك . وهو باطل قطعاً . ونسبوا له أشياء يندى له الجبين ولا يصدقها عقل ولا دين . وقال السيد الطباطبائي : ونسب إلى ابن عباس ومجاهد وقتادة وعكرمة والحسن وغيرهم أن المعنى أنها همت بالفاحشة وانه هم بمثله لولا أن رأى برهان ربه لفعل . وقد وصفوا همه ( ع ) بما يجل عنه مقام النبوة ويتنزه عنه ساحة الصديق فذكروا انه قصدها بالفاحشة ودنا منها حتى حل السراويل وجلس منها مجلس الخاتن فأدركه برهان من ربه ابطل الشهوة ونجاه من الهلكة وذكروا في وصف هذا البرهان أموراً كثيرة مختلفة .[8] قال الغزالي في تفسيره لهذه السورة اختلفوا فيه يعنى في البرهان ما هو ؟ قال بعضهم إن طائرا وقع على كتفه فقال في أذنه لا تفعله فان فعلت سقطت من درجة الأنبياء وقيل انه رأى يعقوب عاضا على إصبعه وهو يقول يا يوسف أما تراني وقال الحسن البصري رآها وهى تغطى شيئا فقال لها ما تصنعين ؟ قالت أغطى وجه صنمي لئلا يرانى فقال يوسف أنتِ تستحيين الجماد الذي لا يعقل ولا يرى فانا أولى أن استحيي ممن يرانى ويعلم سرى وعلانيتي . قال أرباب اللسان انه نودي في سره يا يوسف اسمك مكتوب في ديوان الأنبياء وتريد أن تفعل فعل السفهاء . وقيل رأى كفا قد خرج من الحائط مكتوب عليها ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة وساء سبيلا . وقيل انفرج سقف البيت فرأى صورة حسنة تقول يا رسول العصمة لا تفعل فانك معصوم وقيل نكس رأسه فرأى على الأرض مكتوبا ومن يعمل سوء يجز به . وقيل أتاه ملك ومسح جناحيه على ظهره فخرجت شهوته من أصابع رجليه وقيل رأى الملك في البيت وهو يقول ألست هاهنا . وقيل وقع بينهما حجاب فلا يرى احد صاحبه . وقيل رأى جارية من جواري الجنة فتحير من حسنها فقال لها لمن أنتِ قالت لمن لا يزنى . وقيل جاز عليه طائر فناداه يا يوسف لا تعجل فإنها لك حلال ولك خلقت . وقيل رأى ذلك الجب الذي كان بحذائه عليه ملك قائم يقول يا يوسف أنسيت هذا الجب . وقيل رأى زليخا على صورة قبيحة فهرب منها . وقيل رأى شخصا فقال يا يوسف انظر إلى يمينك فنظر فرأى ثعبانا اعظم ما يكون فقال الزاني في بطني غدا فهرب منه انتهى . ومما قيل فيه انه تمثل له يعقوب فضرب في صدره ضربة خرجت بها شهوته من أطراف أنامله رواه في الدر المنثور عن مجاهد وعكرمة وابن جبير إلى غير ذلك من الوجوه المختلفة التي أوردها في التفسير بالمأثور . [9] والجواب عنه : مضافا إلى انه ( ع ) كان نبيا ذا عصمة إلهية تحفظه من المعصية وقد تقدم إثبات ذلك إن الذي أورده الله تعالى من كرائم صفاته وإخلاص عبوديته لا يبقى شكا في انه اطهر ساحة وارفع منزلة من أن ينسب إليه أمثال هذه الالواث فقد ذكر تعالى انه من عباده الذين أخلصهم لنفسه واجتباهم لعبوديته وآتاهم حكماً وعلماً وعلمه من تأويل الأحاديث وانه كان عبداً متقياً صبوراً في الله غير خائن ولا ظالم ولا جاهل وكان من المحسنين وقد ألحقه بآبائه الصالحين إبراهيم وإسحاق ويعقوب . وكيف يستقيم هذه المقامات العالية والدرجات الرفيعة إلا لإنسان طاهر في وجدانه منزه في أركانه صالح في أعماله مستقيم في أحواله . وأما من ذهب لوجهه في معصية الله وهم بما هو من افحش الإثم في دين الله وهو زنا ذات البعل وخيانة من احسن إليه ابلغ الإحسان في عرضه وأصر عليه حتى حل التكة وجلس منها مجلس الرجل من المرأة فأتته لصرفه آية بعد آية فلم ينصرف وازدجر بنداء بعد نداء من كل جانب فلم يستحى ولم يكف حتى ضرب في صدره ضربة خرجت بها شهوته من رؤوس أصابعه وشاهد ثعبانا اعظم ما يكون من عن يمينه فذعر منه وهرب من هول ما رأى ؛ فمثله أحرى به أن لا يسمى إنسانا فضلا أن يتكئ على أريكة النبوة والرسالة ويأتمنه الله على وحيه ويسلم إليه مفاتيح دينه ويؤتيه حكمه وعلمه ويلحقه بمثل إبراهيم الخليل لكن هؤلاء المتعلقين بهذه الأقاويل المختلفة والإسرائيليات والآثار الموضوعة إذ يتهمون جده إبراهيم ( ع ) في زوجته سارة لا يبالون أن يتهموا نجله ( ع ) في زوجة غيره . [10] فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدى إلى أن يكون إنزال الله السورة التي هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين ليقتدى بنبي من أنبياء الله في القعود بين شعب الزانية وفي حل تكته للوقوع عليها وفي أن ينهاه ربه ثلاث مرات ويصاح به من عنده ثلاث صيحات بقوارع القرآن وبالتوبيخ العظيم وبالوعيد الشديد وبالتشبيه بالطائر الذي سقط ريشه حين سفد غير أنثاه وهو جاثم في مربضه لا يتحلحل ولا ينتهي ولا يتنبه حتى يتداركه الله بجبريل وبإجباره ولو أن أوقح الزناة واشطرهم واحدهم حدقة اجلحهم وجها لُقي بأدنى ما لقي به مما ذكروا لما بقى له عرق ينبض ولا عضو يتحرك فيا له من مذهب ما أفحشه ومن ضلال ما أبينه انتهى .[11] وسوف يأتي بقية الأجوبة لهذا في إثبات القول الثاني ورد الشبهات عنه ، بل وفي شرح الأقوال الأخرى الآتية . القول الثاني : أن يوسف لم يهم بالمعصية أصلاً وهذا القول هو أحسن الأجوبة حول الآية المباركة في قوله تعالى : ( وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ) أنه لم يحصل الهمّ منه أصلاً لوجود البرهان له أي ( لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها ) ويدل على ذلك : أ- جواب الإمام الرضا عليه السلام للمأمون العباسي : فقال المأمون : لله درك يا أبا الحسن ، فأخبرني عن قول الله عز وجل : " ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه " فقال الرضا عليه السلام : لقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها كما همت ، لكنه كان معصوما " ، والمعصوم لا يهم بذنب ولا يأتيه ، ولقد حدثني أبي عن أبيه الصادق عليه السلام أنه قال : همت بأن تفعل ، وهم بأن لا يفعل ، فقال المأمون : لله درك يا أبا الحسن [12] يعني المعصية التي همت بها هو لم يهم بها أصلاّ بل أكثر من ذلك همّ بعدم ما همت به : 1- إما لأنه همّ بأن لا يفعل تلك كما في الرواية المتقدمة . 2- وإما أن يفعل ضدها وهو الضرب أو القتل كما تشير إليه الرواية الآتية لأن الإنسان في كل حادثة لابد أن يحدد له موقفاً منها . وإليك نص الرواية مع طولها لأنها لا تخلو من فائدة : قال الشيخ الصدوق : حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضى الله عنه والحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكتب وعلي بن عبد الله الوراق رضى الله عنهم قالوا : حدثنا على بن إبراهيم بن هاشم قال : حدثنا القاسم بن محمد البرمكي قال : حدثنا أبو الصلت الهروي قال : لما جمع المأمون لعلي بن موسى الرضا عليه السلام أهل المقالات من أهل الإسلام والديانات من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين وسائر المقالات فلم يقم أحد إلا وقد ألزمه حجته كأنه ألقم حجرا قام إليه على بن محمد بن الجهم فقال له : يا بن رسول الله أتقول بعصمة الأنبياء ؟ قال : نعم قال : فما تعمل في قول الله عز وجل : ( وعصى آدم ربه فغوى ) ([13]) وفي قوله عز وجل : ( وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه ) ([14]) وفي قوله عز وجل في يوسف عليه السلام : ( ولقد همت به وهم بها ) ([15]) وفي قوله عز وجل في داود : ( وظن داود أنّّما فتناه ) ([16]) وقوله تعالى في نبيه محمد ( ص ) ( وتخفي في نفسك ما الله مبديه ) ([17]) فقال الرضا عليه السلام : ويحك يا علي اتق الله ولا تنسب إلى أنبياء الله الفواحش ولا تتأول كتاب الله برأيك فإن الله عز وجل قد قال : ( ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون ) ([18]) وأما قوله عز وجل في آدم : ( وعصى آدم ربه فغوى ) فإن الله عز وجل خلق آدم حجة في أرضه وخليفة في بلاده لم يخلقه للجنة وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض وعصمته يجب أن يكون في الأرض ليتم مقادير أمر الله فلما أهبط إلى الأرض وجعل حجة وخليفة عصم بقوله عز وجل : ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) ([19]) وأما قوله عز وجل : ( وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه ) إنما ظن بمعنى استيقن أن الله لن يضيق عليه رزقه ألا تسمع قول الله عز وجل : ( وأما إذا ما ابتليه ربه فقدر عليه رزقه ) ([20]) أي ضيق عليه رزقه ولو ظن أن الله لا يقدر عليه لكان قد كفر . وأما قوله عز وجل في يوسف ( ولقد همت به وهم بها ) فإنها همت بالمعصية وهم يوسف بقتلها إن أجبرته لعظم ما تداخله فصرف الله عنه قتلها والفاحشة وهو قوله عز وجل : ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) يعنى القتل والزنا . وأما داود عليه السلام فما يقول من قبلكم فيه ؟ فقال علي بن محمد بن الجهم : يقولون : إن داود عليه السلام كان في محرابه يصلى فتصور له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون الطيور فقطع داود صلاته وقام ليأخذ الطير فخرج الطير إلى الدار فخرج الطير إلى السطح فصعد في طلبه فسقط الطير دار أوريا بن حنان فاطلع داود في اثر الطير بامرأة أوريا تغتسل فلما نظر إليها هواها وقد اخرج أوريا في بعض غزواته فكتب إلى صاحبه أن قدم أوريا أمام التابوت فقدم فظفر أوريا بالمشركين فصعب ذلك على داود فكتب إليه ثانيه أن قدمه أمام التابوت فقدم فقتل أوريا فتزوج داود بامرأته . قال : فضرب الرضا عليه السلام بيده على جبهته وقال : إنّّّا لله وإنّّّّا إليه راجعون ! لقد نسبتم نبياً من أنبياء الله إلى التهاون بصلاته حتى خرج في أثر الطير ثم بالفاحشة ثم بالقتل ! فقال : يا بن رسول الله فما كان خطيئته ؟ فقال : ويحك ! إن داود إنما ظن أن ما خلق الله عز وجل خلقا هو أعلم منه فبعث الله عز وجل إليه الملكين فتسورا المحراب فقالا : ( خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب ) فعجل داود عليه السلام على المدعى عليه فقال : ( لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ) ولم يسأل المدعي البينة على ذلك ولم يقبل على المدعى عليه فيقول له : ما تقول ؟ فكان هذا خطيئة رسم الحكم لا ما ذهبتم إليه ألا تسمع الله عز وجل يقول : ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ) إلى آخر الآية فقال : يا بن رسول الله فما قصته مع اوريا فقال الرضا عليه السلام إن المرأة في أيام داود عليه السلام كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوج بعده أبدا وأول من أباح الله له أن يتزوج بامرأة قتل بعلها كان داود عليه السلام فتزوج بامرأة اوريا لما قتل وانقضت عدتها منه فذلك الذي شق على الناس من قبل اوريا وأما محمد ( ص ) وقول الله عز وجل : ( وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشه ) [21] فان الله عز وجل عرف نبيه ( ص ) أسماء أزواجه في دار الدنيا وأسماء أزواجه في دار الآخرة وأنهن أمهات المؤمنين وإحداهن من سمي له زينب بنت جحش وهي يومئذ تحت زيد بن حارثه فأخفى اسمها في نفسه ولم يبده لكيلا يقول أحد من المنافقين انه قال في امرأة في بيت رجل أنها إحدى أزواجه من أمهات المؤمنين وخشي قول المنافقين فقال الله عز وجل : ( وتخشى الناس والله أحق أن تخشه ) يعنى في نفسك وان الله عز وجل ما تولى تزويج أحد من خلقه إلا تزويج حوا من آدم عليه السلام وزينب من رسول الله ( ص ) بقوله : ( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ) الآية ([22]) وفاطمة من علي عليه السلام قال : فبكى على بن محمد بن الجهم وقال : يا بن رسول الله أنا تائب إلى الله عز وجل من أن انطق في أنبياء الله عليهم السلام بعد يومي إلا بما ذكرته . [23] همّ يوسف وعصمة الأنبياء القول بأن يوسف لم يهم بالمعصية لأن الأنبياء معصومون قال بهذا الرأي جماعة من المفسرين والمحدثين ومن أبرز من قال به ودافع عنه بحرارة وبحث الموضع بشكل مفصل الفخر الرازي حيث قال : إن يوسف عليه السلام كان بريئا من العمل الباطل والهم المحرم ، وهذا قول المحققين من المفسرين والمتكلمين وبه نقول وعنه نذب . واعلم أن الدلائل الدالة على وجوب عصمة الأنبياء عليهم السلام كثيرة استقصيناها في سورة البقرة في قصة آدم عليه السلام فلا نعيدها إلا أنا نزيد هاهنا وجوها : فالحجة الأولى : إن الزنا من منكرات الكبائر ، والخيانة من معرض الأمانة من منكرات الذنوب ، وأيضا مقابلة الإحسان العظيم الدائم بالإساءة الموجبة للفضيحة الباقية والعار الشديد من منكرات الذنوب ، وأيضا الصبي إذا تربى في حجر إنسان وبقي كفي المؤونة مصون العرض من أول صباه إلى زمان شبابه وكمال قوته فإقدام هذا الصبي على إيصال أقبح أنواع الإساءة إلى ذلك المنعم من منكرات الأعمال . إذا ثبت هذا فنقول : إن هذه المعصية التي نسبوها إلى يوسف كانت موصوفة بجميع هذه الجهات الأربعة ، ومثل هذه المعصية لو نسبت إلى أفسق خلق الله وأبعدهم عن كل خير لاستنكف منه ، فكيف يجوز إسناده إلى الرسول المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة ؟ الثاني : أنه تعالى قال في عين هذه الواقعة : " كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء " وذلك يدل على أن ماهية السوء وماهية الفحشاء مصروفة عنه ، ولا شك أن المعصية التي نسبوها إليه أعظم أنواع السوء وأفحش أقسام الفحشاء ، فكيف يليق برب العالمين أن يشهد في عين هذه الواقعة بكونه بريئا من السوء والفحشاء مع أنه كان قد أتى بأعظم أنواع السوء والفحشاء ؟ ! وأيضا فالآية تدل على قولنا من : وجه آخر : وذلك لانا نقول : هب إن هذه الآية لا تدل على نفي هذه المعصية عنه إلا أنه لاشك أنها تفيد المدح العظيم والثناء البالغ ولا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي عن إنسان إقدامه على معصية عظيمة ثم إنه يمدحه ويثني عليه بأعظم المدائح والاثنية عقيب أن يحكي عنه ذلك الذنب العظيم ، فإن مثاله ما إذا حكى السلطان عن بعض عبيده أقبح الذنوب وأفحش الأعمال ثم يذكره بالمدح العظيم والثناء البالغ عقيبه ، فإن ذلك يستنكر جدا فكذا ههنا . الثالث : أن الأنبياء متى صدرت عنهم زلة أو هفوة ([24]) استعظموا ذلك وأتبعوها بإظهار الندامة والتوبة والتواضع ، ولو كان يوسف أقدم ههنا على هذه الكبيرة المنكرة لكان من المحال أن لا يتبعها بالتوبة والاستغفار ، ولو أتى بالتوبة لحكى الله عنه إتيانه بها كما في سائر المواضع ، وحيث لم يوجد شئ من ذلك علمنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب ولا معصية . الرابع : أن كل من كان له تعلق بتلك الواقعة فقد شهد ببراءة يوسف عليه السلام عن المعصية . واعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة : يوسف ، وتلك المرأة ، وزوجها ، والنسوة ، والشهود ، ورب العالمين شهد ببراءته عن الذنب ، وإبليس أيضا أقر ببراءته عن المعصية ، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ لم يبق للمسلم توقف في هذا الباب . بيان براءة يوسف عليه السلام 1- أما بيان أن يوسف عليه السلام: ادعى البراءة عن الذنب فهو قوله عليه السلام : " هي راودتني عن نفسي " وقوله عليه السلام " رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه " ([25]) . 2- وأما بيان أن المرأة : اعترفت بذلك فلأنها قالت للنسوة : " ولقد راودته عن نفسه فاستعصم " وأيضا قالت : " الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين " 3- وأما بيان أن زوج المرأة : أقر بذلك فهو قوله : " إنه من كيد كن إن كيد كن عظيم * يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك " 4- وأما النسوة: فلقولهن : " امرأة العزيز تراود فتها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين " وقولهن : " حاش لله ما علمنا عليه من سوء ([26])" 5- وأما الشهود : فقوله تعالى : " وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل " إلى آخر الآية . 6- وأما شهادة الله : بذلك فقوله : " وكذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلَصين " فقد شهد الله تعالى في هذه الآية على طهارته أربع مرات : أولها : قوله : " لنصرف عنه السوء " واللام للتأكيد والمبالغة . والثاني : قوله : " الفحشاء " أي كذلك لنصرف عنه الفحشاء . والثالث: قوله : " إنه من عبادنا " مع أنه تعالى قال : " وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " الرابع : قوله : " المخلصين " وفيه قراءتان : تارة باسم الفاعل ، وتارة باسم المفعول ، فوروده باسم الفاعل دل على كونه آتيا بالطاعات والقربات مع صفة الإخلاص ، ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه واصطفاه لحضرته ، وعلى كلا الوجهين فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزها مما أضافوه إليه ([27]) 8- وأما بيان أن إبليس :أقر بطهارته فلأنه قال : " فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين " فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين ويوسف من المخلصين لقوله تعالى : " إنه من عبادنا المخلصين " وكان هذا إقرارا من إبليس بأنه ما أغواه وما أضله عن طريق الهدى . وعند هذا نقول : هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام هذه الفضيحة : إن كانوا من أتباع دين الله : فليقبلوا شهادة الله على طهارته . وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده : فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته ، ولعلهم يقولون : كنا في أول الأمر تلامذة إبليس إلا أنا تخرجنا وزدنا عليه في السفاهة كما قال الحروري :
فثبت بهذه الدلائل أن يوسف عليه السلام برئ عما يقوله هؤلاء الجهال . * * * وإذا عرفت هذا فنقول : الكلام على ظاهر هذه الآية يقع في مقامين : المقام الأول أن نقول : لا نسلم أن يوسف عليه السلام هم بها : والدليل عليه : أنه تعالى قال : " وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ " وجواب لولا ههنا مقدم وهو كما يقال : قد كنت من الهالكين لولا أخلصك ، ([28]) وطعن الزجاج في هذا الجواب من وجهين : الأول : أن تقدم جواب لولا شاذ وغير موجود في الكلام الفصيح . الثاني : أن لولا يجاب باللام فلو كان الأمر على ما ذكرتم لقال : ولقد همت به ولهم بها . وذكر غير الزجاج سؤالا ثالثا : وهو أنه لو لم يوجد الهم لما بقي لقوله : " لو لا أن رأى برهان ربه " فائدة . واعلم أن ما ذكره الزجاج بعيد لانا نسلم أن تأخير جواب لولا حسن جائز إلا أن جوازه لا يمنع من جواز تقديم هذا الجواب ، وكيف ونقل عن سيبويه أنه قال : إنهم يقدمون الأهم ، والذي هم بشأنه أعنى ، فكان الأمر في جواز التقديم والتأخير مربوطا بشدة الاهتمام ، فأما تعيين بعض الألفاظ بالمنع فذلك ما لا يليق بالحكمة ، وأيضا ذكر جواب لولا باللام جائز ، أما هذا لا يدل على أن ذكره بغير اللام لا يجوز ، لانا نذكر آية أخرى تدل على فساد قول الزجاج في هذين السؤالين وهو قوله تعالى : " إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها " . وأما السؤال الثالث : وهو أنه لو لم يوجد الهم لم يبق لقوله : " لولا أن رأى برهان ربه " فائدة . [الجواب ] : فنقول : بل فيه أعظم الفوائد وهو بيان أن ترك الهم بها ما كان لعدم رغبته في النساء وعدم قدرته عليهن ، بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل ، ثم نقول : الذي يدل على أن جواب لولا ما ذكرناه أن لولا يستدعي جوابا وهذا المذكور يصلح جوابا له فوجب الحكم بكونه جوابا له . [إشكال ] : لا يقال : إنا نضمر له جوابا وترك الجواب كثير في القرآن . [الجواب ] : فنقول : لا نزاع أنه كثير في القرآن إلا أن الأصل أن لا يكون محذوفا ، وأيضا فالجواب إنما يحسن تركه وحذفه إذا حصل في الملفوظ ما يدل على تعينه ، فهاهنا بتقدير أن يكون الجواب محذوفا فليس في اللفظ ما يدل على تعيين ذلك الجواب ، فإن هاهنا أنواعا من الاضمارات يحسن إضمار كل واحد منها ، وليس إضمار بعضها أولى من إضمار الباقي فظهر الفرق . [29] * * * معنى الهم ( الهم ) في اللغة جاء لمعان أربعة: ( الأول ) العزم على الفعل لقوله تعالى ( إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ) أي أرادوا ذلك وعزموا عليه. ( الثاني ) خطور الشيء بالبال قال الله تعالى ( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما ) فإنما أراد الله تعالى أن الفشل خطر ببالهم ولو كان المراد هاهنا العزم لما صح أن يكون الله وليا لهم ، لان العزم على المعصية معصية ويدل عليه أيضا قول كعب بن زهير :
( الثالث ) أن يستعمل بمعنى المقاربة يقولون هم بكذا أي كاد يفعله قال ذو الرمة :
والدمع لا يجوز عليها العزم وإنما أراد أنه كاد وقارب . ( الرابع ) الشهوة وميل الطباع لأن الإنسان قد يقول فيما يشتهيه هذا من همي فتثبت أن الهم مستعمل في هذه المعاني .[30] وحينئذ فأي معنى من هذه المعاني المتقدمة هو الصحيح : ويتابع الفخر الرازي في إبطال بعض الأقوال واثبات رأيه : (العزم وبطلانه ) : فيقول : فان حملناه على العزم ففيه وجهان : ( الأول ) : أن الهم في ظاهر الآية معلق بذاته وذاتها . وذلك غير جائز لان الذوات لا تراد فلا بد من ترك هذا الظاهر وتعليق الهم بشيء غير الذات : وإذا ثبت هذا فنقول : ليس تعليقه ببعض الأمور أولى من تعليقه بالباقي إلا للدليل فأما همها فكان متعلقا بالفاحشة دون سائر الأمور وذلك للنص والإجماع . أما النص : فقوله تعالى ( وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين ) . وقوله ( وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ) . وقوله تعالى حاكيا عنها ( الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وانه لمن الصادقين ) . وفى موضع آخر ( ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) . وأما الإجماع : فهو أن المفسرين اتفقوا على أنها همت بالمعصية والفاحشة . وأما همه :فقد دللنا على أنه لا يجوز أن يكون متعلقا بالفاحشة وليس في ظاهر الآية ما يقتضيه فلا جرم علقناه بدفعه إياها عن نفسه كما يقول القائل : لقد كنت هممت بفلان أي بأن أوقع به ضربا . [ إشكال ]: لا يقال : فأي فائدة على هذا التأويل في قوله تعالى : لولا أن رأى برهان ربه ) والدفع لها عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنه . [ الجواب ]: لانا نقول يجوز أن يكون لما هم بدفعها وضربها أرى برهانا على أنه لو قدم على ما هم به أهلكه أهلها وقتلوه ، وأنها تدعى عليه المراودة على القبيح وتنسبه إلى أنه دعاها إلى نفسه وضربها لامتناعها منه . فأخبره الله تعالى أنه صرف بالبرهان عنه السوء والفحشاء اللذين هما القتل والمراودة وظن القبح واعتقاده فيه . [ إشكال ]: لا يقال : فهذا يقتضى أن يكون جواب لفظة لولا ) متقدما عليها ويكون التقدير لولا أن رأى برهان ربه لهم بقربها ، وتقدم جواب لولا ) غير جائز . [ الجواب ]: لانا نقول : لا نسلم أن تقدم جواب لولا ) غير جائز وسيأتي تقريره ، سلمنا ذلك ولكن لا حاجة بنا إليه في هذا المقام ، لان العزم على الضرب والهم قد وقع إلا أنه انصرف عن فعله بسبب البرهان . وتقدير الكلام : ولقد همت به وهم بدفعها لولا أن رأى برهان ربه لفعل ذلك . والجواب محذوف مضمر . [ الوجه الثاني ]في حمل الهم على العزم أن يحمل الكلام على التقديم والتأخير ، والتقدير : ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها ويجرى ذلك مجرى قولك : قد كنت هلكت لولا أن تداركته . [إشكال ]:وقد استبعد الزجاج . وعلي بن عيسى هذا الجواب من وجهين : [ الأول ] أنه لا يجوز تقدم جواب لولا .[ الثاني ] جوابه يكون باللام كقوله فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه ) .[ والجواب ] : أنّا لا نسلم انه لا يجوز التقديم ، والدليل عليه قوله تعالى : إن كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها ) وأيضا فلو لم يجعل التقديم على لولا ) جوابا لها لكان جوابها محذوفا . وإذا دار الأمر بين أن يكون جوابا محذوفا وبين أن يكون متقدما عليها لا شك أن التقديم أولى . [ إشكال ] : [ فان قلت ] فأي فائدة في قوله : وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ) إذا لم يكن هناك هم ؟ قلت ) الفائدة فيه الأخبار على أن ترك الهم به وإجابتها إلى ملتمسها لم يكن من حيث كان غير راغب في النساء لعجز لكنه ترك ذلك لله وفى الله طلبا لثوابه وهربا من أليم عقابه .[31] القول الثالث الميل الطبعي ولخصه البيضاوى في تفسيره حيث قال المراد بهمه ع ) ميل الطبع ومنازعة الشهوة لا القصد الاختياري وذلك مما لا يدخل تحت التكليف بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل من الله من يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهم أو مشارفة الهم كقولك قتلته لو لم اخف الله انتهى . قال الفخر الرازي حول هذا القول : المقام الثاني في الكلام على هذه الآية أن نقول : سلمنا أن الهم قد حصل ، إلا أنا نقول : إن قوله : " وهم بها " لا يمكن حمله على ظاهره ، لان تعليق الهم بذات المرأة محال ، لان الهم من جنس القصد ، والقصد لا يتعلق بالذوات الباقية ، فثبت أنه لابد من إضمار فعل مخصوص يجعل متعلق ذلك الهم ، وذلك الفعل غير مذكور ، فهم زعموا أن ذلك المضمر هو إيقاع الفاحشة ، ونحن نضمر شيئا آخر يغاير ما ذكروه ، وبيانه من وجوه : الأول : المراد أنه عليه السلام هم بدفعها عن نفسه ومنعها من ذلك القبيح لان الهم هو القصد فوجب أن يحمل في حق كل واحد على القصد الذي يليق به ، فاللائق بالمرأة القصد إلى تحصيل اللذة والتنعم والتمتع ، واللائق بالرسول المبعوث إلى الخلق القصد إلى زجر العاصي عن معصيته وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يقال : هممت بفلان أي بضربه ودفعه . فإن قالوا : فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله : لولا أن رأى برهان ربه ) فائدة قلنا : بل فيه أعظم الفوائد وبيانه من وجهين : الأول: أنه تعالى أعلم يوسف عليه السلام أنه لوهم بدفعها لقتلته ، أو لكانت تأمر الحاضرين بقتله ، فأعلمه تعالى أن الامتناع من ضربها أولى صونا للنفس عن الهلاك . والثاني : أنه عليه السلام لو اشتغل بدفعها عن نفسه فربما تعلقت به فكان يتمزق ثوبه من قدام ، وكان في علم الله تعالى أن الشاهد يشهد بأن ثوبه لو تمزق من قدام لكان يوسف هو الجاني ، [32]) ولو كان ثوبه متمزقا من خلف لكانت المرأة هي الجانية ، [33]) فالله تعالى أعلمه هذا المعنى فلا جرم لم يشتغل بدفعها عن نفسه ، بل ولى هاربا عنها حتى صارت شهادة الشاهد حجة له على براءته عن المعصية . الجواب : ورد هذا القول بأنه مخالف لما ثبت في اللغة من معنى الهم وهو القصد إلى الفعل مع مقارنته ببعض الأعمال الكاشفة عن ذلك من حركة إلى الفعل المراد أو شروع في بعض مقدماته كمن يريد ضرب رجل فيقوم إليه وأما مجرد ميل الطبع ومنازعة القوة الشهوانية فليس يسمى هما البتة والهم بمعناه اللغوي مذموم لا ينبغي صدوره من نبي كريم الطبع وان كان غير مذموم لخروجه عن تحت التكليف لكنه لا يسمى هما . [34] رأي السيد الطباطبائي : قال : ومعنى الآية والله لقد همت به والله لو لا أن رأى برهان ربه لهم بها وأوشك أن يقع في المعصية وإنما قلنا أوشك أن يقع ولم نقل وقع لان الهم كما قيل لا يستعمل إلا فيما كان مقرونا بالمانع كقوله تعالى : " وهموا بما لم ينالوا " التوبة : 74 وقوله : " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا " آل عمران : 122 وقول صخر :
فلولا ما رآه من البرهان لكان الواقع هو الهم والاقتراب دون الارتكاب والاقتراف وقد أشار سبحانه إلى ذلك بقوله : " لنصرف عنه السوء والفحشاء " ولم يقل لنصرفه من السوء والفحشاء فتدبر فيه . ومن هنا يظهر أن الأنسب أن يكون المراد بالسوء هو الهم بها والميل إليها كما أن المراد بالفحشاء اقتراف الفاحشة وهى الزنا فهو ع ) لم يفعل ولم يكد ولولا ما أراه الله من البرهان لهم وكاد أن يفعل وهذا المعنى هو الذي يؤيده ما قدمناه من الاعتبار والتأمل في الأسباب والعوامل المجتمعة في هذا الحين القاضية لها عليه .[35] وهذا القول لا يمكن المساعدة عليه لان المشارفة على الذنب غير لائقة بمقام المخلَص . القول الرابع : أن المراد بالهمّين مختلف فهمها هو قصدها مخالطته وهمه بها هو قصده أن يضربها للدفاع عن نفسه والدليل على التفرقة بين الهمين شهادته تعالى على انه من عباده المخلصين وقيام الحجة عقلا على عصمة الأنبياء ع ) . قال في مجمع البيان أن الهم في ظاهر الآية قد تعلق بما لا يصح تعلق العزم به على الحقيقة لأنه قال ولقد همت به وهم بها فعلق الهم بهما وذاتاهما لا يجوز أن يراد ويعزم عليهما لان الموجود الباقي لا يصح أن يراد ويعزم عليه فإذا حملنا الهم في الآية على العزم فلا بد من تقدير أمر محذوف يتعلق العزم به وقد أمكن أن نعلق عزمه بغير القبيح ونجعله متناولا لضربها أو دفعها عن نفسه فكأنه قال ولقد همت بالفاحشة منه وأرادت ذلك وهم يوسف بضربها ودفعها عن نفسه كما يقال هممت بفلان أي بضربه وإيقاع مكروه به . وعلى هذا فيكون معنى رؤية البرهان أن الله سبحانه أراه برهانا على انه إن أقدم على ما هم به أهلكه أهلها أو قتلوه أو ادعت عليه المراودة على القبيح وقذفته بأنه دعاها إليه وضربها لامتناعها منه فاخبر سبحانه انه صرف عنه السوء والفحشاء اللذين هما القتل وظن اقتراف الفاحشة به ويكون التقدير لولا أن رأى برهان ربه لفعل ذلك ويكون جواب لو لا محذوفا كما حذف في قوله تعالى : " ولولا فضل الله عليكم ورحمته وان الله رؤف رحيم " انتهى[36] قال الفخر الرازي : أن نفسر الهم : بالشهوة ، وهذا مستعمل في اللغة الشائعة يقول القائل فيما لا يشتهيه : ما يهمني هذا ; وفيما يشتهيه : هذا أهم الأشياء إلي ، فسمى الله تعالى شهوة يوسف هما ، فمعنى الآية : ولقد اشتهته واشتهاها ولولا أن رأى برهان ربه لدخل ذلك العمل في الوجود . القول الخامس : قال الرازي : أن نفسر الهم بحديث النفس ، وذلك لان المرأة الفائقة في الحسن والجمال إذا تزينت وتهيأت للرجل الشاب القوي فلابد وأن يقع هناك بين الشهوة والحكمة وبين النفس والعقل مجاذبات ومنازعات ، فتارة تقوى داعية الطبيعة والشهوة ، وتارة تقوى داعية العقل والحكمة ، فالهم عبارة عن جواذب الطبيعة ، ورؤية البرهان عبارة عن جواذب العبودية ، ومثاله أن الرجل الصالح الصائم في الصيف الصائف إذا رأى الجلاب المبرد بالثلج فإن طبيعته تحمله على شربه إلا أن دينه وهداه يمنعه منه ، فهذا لا يدل على حصول الذنب ، بل كلما كانت هذه الحالة أشد كانت القوة في القيام بلوازم العبودية أكمل ، فقد ظهر بحمد الله صحة القول الذي ذهبنا إليه ، ولم يبق في يد الواحدي إلا مجرد التصلف وتعديد أسماء المفسرين ، ولو كان قد ذكر في تقرير ذلك شبهة لأجبنا عنها إلا أنه ما زاد على الرواية عن بعض المفسرين . واعلم أن بعض الحشوية روى عن النبي صلى الله عليه أنه قال : ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ، فقلت : ألأولى أن لا يقبل مثل هذه الأخبار ، فقال - على طريق الاستنكار - : فإن لم نقبله لزمنا تكذيب الرواة ، فقلت له : يا مسكين إن قبلناه لزمنا الحكم بتكذيب إبراهيم ، وإن رددناه لزمنا الحكم بتكذيب الرواة ، ولا شك أن صون إبراهيم عليه السلام عن الكذب أولى من صون طائفة من المجاهيل عن الكذب ، إذا عرفت هذا الأصل . فنقول للواحدي : ومن الذين يضمن لنا أن الذين نقلوا هذا القول عن هؤلاء المفسرين كانوا صادقين أم كاذبين ؟ ! [37] عصمة الأنبياء رأي السيد المرتضى : أشار السيد المرتضى إلى هذه المسألة وأجاب على الإشكالات والتساؤلات وأكثرها قد تقدم ولأجل الفائدة نعرض جوابه كاملا حيث قال : [ تأويل آية ] : إن سأل سائل عن قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ) فقال هل يسوغ ما تأول بعضهم هذه الآية عليه من أن يوسف عليه السلام عزم على المعصية وأرادها وانه جلس مجلس الرجل من المرأة ثم انصرف عن ذلك بأن رأى صورة أبيه يعقوب عاضا على إصبعه متوعدا له على مواقعة المعصية أو بأن نودي له بالنهي والزجر في الحال على ما ورد به الحديث . . الجواب : قلنا إذا ثبت بأدلة العقول التي لا يدخلها الاحتمال والمجاز ووجوه التأويلات أن المعاصي لا تجوز على الأنبياء عليهم السلام صرفنا كل ما ورد ظاهره بخلاف ذلك من كتاب أو سنة إلى ما يطابق الأدلة ويوافقها كما يفعل مثل ذلك فيما يرد ظاهره مخالفا لما تدل عليه العقول من صفاته تعالى وما يجوز عليه أو لا يجوز ولهذه الآية وجوه من التأويل كل واحد منها يقتضى براءة نبي الله من العزم على فاحشة وإرادة المعصية . . أولها : إن الهم في ظاهر الآية متعلق بما لا يصح أن يعلق به العزم أو الإرادة على الحقيقة لأنه تعالى قال ( ولقد همت به وهم بها ) فعلق الهم بهما وذاتا هما لا يجوز أن يراد أو يعزم عليهما لان الموجود الباقي لا يصح ذلك فيه فلا بد من تقدير محذوف يتعلق العزم به وقد يمكن أن يكون ما تعلق به همه عليه السلام إنما هو ضربها أو دفعها عن نفسه كما يقول القائل كنت هممت بفلان وقد هم فلان بفلان أي بان يوقع به ضربا أو مكروها . . فان قيل : فأي معنى لقوله تعالى ( لولا أن رأى برهان ربه ) والدفع لها عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنها . . قلنا : يمكن أن يكون الوجه في ذلك انه لما هم بدفعها وضربها أراه الله برهانا على انه إن أقدم على ما هم به أهلكه أهلها أي قتلوه أو أنها تدعي عليه المراودة عن القبيح وتقذفه بأنه دعاها إليه وان ضربه لها كان لامتناعها فيظن به ذلك من لا تأمل له ولا علم بان مثله لا يجوز عليه فأخبر الله تعالى بأنه صرف بالبرهان عنه السوء والفحشاء يعنى بذلك القتل والمكروه الذين كانا يوقعان به لأنهما يستحقان الوصف بذلك من حيث القبح أو يعنى بالسوء والفحشاء ظنهم بذلك . . فان قيل : هذا الجواب يقتضي أن جواب لولا يتقدمها ويكون التقدير لولا أن رأى برهان ربه لهم بضربها ودفعها وتقديم جواب لولا قبيح غير مستعمل أو يقتضي أن تكون لولا بغير جواب . قلنا : أما تقدم جواب لولا فجائز وسنذكر ما فيه عند الجواب المختص بذلك غير أنا لا نحتاج إليه في هذا الجواب لأن العزم على الضرب والهم بالضرب قد وقع إلا أنه انصرف عنه بالبرهان والتقدير ولقد همت به وهم بدفعها لولا أن رأى برهان ربه لفعل ذلك فالجواب في الحقيقة محذوف والكلام يقتضيه كما حذف الجواب في قوله تعالى ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم ) معناه لولا فضل الله عليكم ورحمته لهلكتم ومثله ( كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ) معناه لو تعلمون علم اليقين لم تتنافسوا في الدنيا وتتفاخروا بها . . وقال امرؤ القيس :
أراد فلو أنها نفس تموت سوية لانقضت وفنيت فحذف الجواب على أن من تأول هذه الآية على الوجه الذي لا يليق بنبي الله وأضاف العزم على المعصية إليه لابد له من تقدير جواب محذوف ويكون التقدير عنده ولقد همت بالزنا وهم به لولا أن رأى برهان ربه لفعله . . فان قيل : قوله هم بها كقوله همت به فلم جعلتم همها متعلقا بالقبيح وهمه بها متعلقا بما ذكرتم من الضرب وغيره . . قلنا : أما الظاهر فلا يدل على ما تعلق الهم به والعزم فيهما جميعا وإنما أثبتنا همها به بأن يكون متعلقا بالقبيح لشهادة الكتاب والآثار به وهي ممن يجوز عليها فعل القبيح ولم يؤثر دليل في امتناعه عليها كما أثر ذلك فيه عليه السلام والموضع الذي يشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى ( وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه - إلى قوله - في ضلال مبين ) قوله تعالى ( وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب ) وقوله ( الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ) وفي موضع آخر ( فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ) وفى موضع آخر ( فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فأستعصم ) والآثار واردة بإطباق مفسري القرآن ومتأوليه على أنها همت بالفاحشة والمعصية . . والوجه الثاني : في تأويل الآية أن يحمل الكلام على التقديم والتأخير ويكون تلخيصه ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها ويجرى ذلك مجرى قولهم قد كنت هلكت لولا أنى تداركتك وقتلت لولا أنى خلصتك والمعنى لولا تداركي لهلكت ولولا تخليصي لقتلت وان لم يكن وقع هلاك ولا قتل . قال الشاعر:
.. وقال آخر:
فقدم جواب الشرط في البيتين جميعا ([38]) وقد استشهد عليه أيضا بقوله تعالى ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك ) والهم لم يقع لمكان فضل الله ورحمته . ومما يشهد لهذا التأويل أن في الكلام شرطا وهو قوله تعالى ( لولا أن رأى برهان ربه ) فكيف يحمل على الإطلاق مع حصول الشرط وليس لهم أن يجعلوا جواب لولا محذوفا مقدرا لأن جعل جوابها موجودا أولا : وقد استبعد قوم تقديم جواب لولا عليها قالوا ولو جاز ذلك لجاز قام زيد لولا عمرو وقصدتك لولا بكر وقد بينا بما أوردناه من الأمثلة والشواهد جواز تقديم جواب لولا والذي ذكروه لا يشبه بما أجزناه وقد يجوز أن يقول القائل قد كان زيد قام لولا كذا وكذا وقد كنت قصدتك لو لا أن صدني فلان وان لم يقع قيام ولا قصد وهذا الذي يشبه الآية وليس تقديم جواب لولا بأبعد من حذف جواب لولا جملة من الكلام وإذا جاز عندهم الحذف لئلا يلزمهم تقديم الجواب جاز لغيرهم تقديم الجواب حتى لا يلزم الحذف . . والجواب الثالث : ما اختاره أبو على الجبائي وان كان غيره قد تقدمه إلى معناه وهو أن يكون معنى هم بها اشتهاها ومال طبعه إلى ما دعته إليه وقد يجوز أن يسمي الشهوة في مجاز اللغة هما كما يقول القائل فيما لا يشتهيه ليس هذا من همي وهذا أهم الأشياء إلي ولا قبح في الشهوة لأنها من فعل الله تعالى فيه وإنما يتعلق القبيح بتناول المشتهى . . وقد روي هذا الجواب عن الحسن البصري قال أما همها فكان أخبث الهم وأما همه فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء ويجب على هذا الوجه أن يكون قوله تعالى ( لولا أن رأى برهان ربه ) متعلق بمحذوف كأنه قال لولا أن رأى برهان ربه لعزم أو فعل . . والجواب الرابع : أن من عادة العرب أن يسموا الشيء باسم ما يقع فيه في الأكثر عنده وعلى هذا لا ينكر أن يكون المراد بهم بها أي خطر بباله أمرها ووسوس إليه الشيطان بالدعاء إليها من غير أن يكون هناك هم أو عزم فسمى الخطور بالبال هما من حيث كان الهم يقع في الأكثر عنده والعزم في الأغلب يتبعه وإنما أنكرنا ما ادعاه جهلة المفسرين ومحرفوا القصاص وقذفوا به نبي الله عليه السلام لما ثبت في العقول من الأدلة على أن مثل ذلك لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام من حيث كان منفرا عنهم وقادحا في الغرض المجري إليه بإرسالهم والقصة تشهد بذلك لأنه تعالى قال ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) ومن أكبر السوء والفحشاء العزم على الزنا ثم الأخذ فيه والشروع في مقدماته وقوله تعالى أيضا ( انه من عبادنا المخلصين ) يقتضي تنزيهه عن الهم بالزنا والعزم عليه وحكايته عن النسوة قولهن ( حاش لله ما علمنا عليه من سوء ) يدل أيضا على أنه برئ من القبحين . [39] رأي الطبرسي : ( ولقد همت به وهم بها لولآ أن رءا برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ([40]). القراءة : قرأ أهل المدينة والكوفة : ( المخلصين ) بفتح اللام . والباقون : بكسر اللام في جميع القرآن . الحجة : قال أبو علي : حجة من كسر اللام قوله : ( أخلصوا دينهم لله ) . ومن فتح اللام : فيكون بنى الفعل للمفعول به ، ويكون معناه ، ومعنى من كسر اللام واحد . فإذا أخلصوا دينهم فهم مخلصون . وإذا أخلصوا فهم مخلصون . اللغة : الهم في اللغة على وجوه : منها : العزم على الفعل ، كقوله تعالى ( إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ) أي : أرادوا ذلك ، وعزموا عليه ، ومنه قول ضابئ البرجمي :
وقول حاتم طئ :
وقول الخنساء :
ومنها : خطور الشئ بالبال ، وإن لم يقع العزم عليه كقوله ( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما ) يعني : إن الفشل خطر ببالهم ، ولو كان الهم ههنا عزما ، لما كان الله وليهما ، لأن العزم على المعصية معصية ، ولا يجوز أن يكون الله ولي من عزم على الفرار عن نصرة نبيه ، عليه وآله السلام ، ويقوي ذلك قول كعب بن زهير : فكم فيهم من فارس متوسع ، ومن فاعل للخير إن هم ، أوعزم ففرق بين الهم والعزم . ومنها : أن يكون بمعنى المقاربة . قالوا : هم فلان أن يفعل كذا أي : كاد يفعله . قال ذو الرمة : أقول لمسعود بجرعاء مالك ، وقد هم دمعي أن تلج أوائله والدمع لا يجوز عليه العزم . ومعناه : كاد وقارب . وقال أبو الأسود الدئلي :
وعلى هذا جاء قوله ( جدارا يريد أن ينقض ) أي : يكاد . وقال الحارثي : يريد الرمح صدر أبي براء ويرغب عن دماء بني عقيل ومنها : الشهوة ونيل الطباع يقول القائل فيما يشتهيه ، ويميل طبعه إليه : هذا أهم الأشياء إلي ، وفي ضده ليس هذا من همي . وإذا كانت معاني الهم في اللغة مختلفة يجب أن ننفي عن نبي الله يوسف عليه السلام ، ما لا يليق به ، وهو العزم على القبيح ، لأن الدليل قد دل على أن الأنبياء لا يجوز المعاصي والقبائح عليهم وأجزنا عليهم ما سواه من معاني الهم ، لأن كل واحد من ذلك يليق بحاله . المعنى : ( ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ) اختلف العلماء فيه على قولين : أحدهما : إنه لم يوجد من يوسف ذنب كبير ، ولا صغير . والآخر : إنه وجد منه العزم على القبيح ، ثم انصرف عنه . فأما الأولون : فإنهم اختلفوا في تأويل الآية على وجوه : أحدها : إن الهم في ظاهر الآية قد تعلق بما لا يصح تعلق العزم به على الحقيقة ، لأنه قال . ( ولقد همت به وهم بها ) فعلق الهم بهما وذاتاهما لا يجوز أن يرادا ، ويعزم عليهما ، لأن الموجود الباقي لا يصح أن يراد ويعزم عليه ، فإذا حملنا الهم في الآية على العزم ، فلا بد من تقدير أمر محذوف ، يتعلق العزم به . وقد أمكن أن نعلق عزمه عليه السلام بغير القبيح ، ونجعله متناولا لضربها ، أو دفعها عن نفسه ، فكأنه قال : ولقد همت بالفاحشة منه ، وأرادت ذلك ، وهم يوسف عليه السلام بضربها ، ودفعها عن نفسه ، كما يقال : هممت بفلان أي : بضربه ، وإيقاع مكروه به . وعلى هذا فيكون معنى رؤية البرهان : إن الله سبحانه أراده برهانا على أنه إن أقدم على ما هم به ، أهلكه أهلها ، أو قتلوه ، أو ادعت عليه المراودة على القبيح ، وقذفته بأنه دعاها إليه ، وضربها لامتناعها منه ، فأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء والفحشاء ، اللذين هما القتل ، وظن اقتراف الفاحشة به . ويكون التقدير لولا أن رأى برهان ربه ، لفعل ذلك . ويكون جواب ( لولا ) محذوف كما حذف فيه قوله تعالى : ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته وان الله رؤوف رحيم ) . وقوله : ( كلا لو تعلمون علم اليقين ) أي : لولا فضل الله لهلكتم ، ولو تعلمون علم اليقين لم يلهكم التكاثر . ومثله قول امرئ القيس :
يريد : فلو أنها نفس تموت سوية لنقضت وفنيت ، فحذف الجواب تعويلا على أن الكلام يقتضيه . وعلى هذا يكون جواب ( لولا ) محذوف يدل عليه قوله ( وهم بها ) ولا يجوز أن يكون قوله ( وهم بها ) جوابا لـ ( لولا ) ، لأن جواب لولا لا يتقدم عليه . وثانيها : أن يحمل الكلام على التقديم والتأخير ، ويكون التقدير : ولقد همت به ، ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها . ولما رأى برهان ربه لم يهم بها . ويجري ذلك مجرى قولهم : قد كنت هلكت لولا أني تداركتك . وقد كنت قلت لولا أني خلصتك . والمعنى لولا تداركي لهلكت ، ولولا تخليصي إياك لقتلت ، وإن كان لم يقع هلاك وقتل ، ومثله قول الشاعر :
وقال آخر : فلا يدعني قومي صريحا لحرة لئن كنت مقتولا ، ويسلم عامر ( [42] ) وفي القرآن : ( إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ) وهذا الوجه اختاره أبو مسلم ، وهو قريب من الأول . وثالثها : إن معنى قوله ( هم بها ) اشتهاها ، ومال طبعه إلى ما دعته إليه . وقد يجوز أن تسمى الشهوة هما على سبيل التوسع والمجاز ، ولا قبح في الشهوة ، لأنها من فعل الله تعالى ، وإنما يتعلق القبح بالمشتهي . وقد روي هذا التأويل عن الحسن قال : أما همها فكان أخبث الهم . وأما همه : فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء . وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال : همها القصد ، وهمه أنه تمناها أن تكون زوجة له . وعلى هذا الوجه فيجب أن يكون قوله ( لولا أن رأى برهان ربه ) متعلقا بمحذوف أيضا ، كأنه قال : لولا أن رأى برهان ربه ، لعزم أو فعل . ( سؤال ) قالوا : إن قوله ( ولقد همت به وهم بها ) خرجا مخرجا واحدا ، فلم جعلتم همها به متعلقا بالقبيح ، وهمه بها متعلقا بغير القبيح ؟ وجوابه : ان الظاهر لا يدل على ما تعلق به الهم فيهما جميعا ، وإنما أثبتنا همها به متعلقا بالقبيح ، لشهادة القرآن والآثار به ، ولأنها ممن يجوز عليه فعل القبيح . والشاهد لذلك من الكتاب قوله : ( وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ) وقوله: ( وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين ) وقوله حكاية عنها : ( الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) والشاهد من الآثار : إجماع المفسرين على إنها همت بالمعصية والفاحشة . وأما يوسف عليه السلام : فقد دلت الأدلة العقلية التي لا يتطرق إليها الاحتمال والمجاز ، على أنه لا يجوز أن يفعل القبيح ، ولا يعزم عليه . فأما الشاهد من القرآن على أنه ما هم بالفاحشة ، فقوله سبحانه : ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) وقوله ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) وغير ذلك من قوله : قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء ) والعزم على الفاحشة من أكبر السوء . وأما الفرقة الأخرى فإنهم قالوا فيه ما لا يجوز نسبته إلى الأنبياء ، فقال بعضهم : إنه قعد بين رجليها ، وحل تكة سراويله ، وقال بعضهم : حل السراويل حتى بلغ الثنن ، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته ، وقد نزهه الله سبحانه عن ذلك كله بقوله : ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) وأمثال ذلك مما عددناه .[43] خطورة الموقف حساسية الموقف وخطورته من وجود الغريزة الجنسية والشباب والجمال للفتاة والخلوة بينهما وغير ذلك من دواعي ممارسة الفحشاء والمنكر كل ذلك يشجع بل يدعو إلى ممارسة هذا العمل لولا برهان المولى وعنايته ولطفه بعبده المخلَص . قال السيد الطباطبائي : قوله تعالى : " وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ " التدبر البالغ في أطراف القصة وإمعان النظر فيما محتف به الجهات والأسباب والشرائط العاملة فيها يعطى أن نجاة يوسف منها لم تكن إلا أمرا خارقا للعادة وواقعة هي أشبه بالرؤيا منها باليقظة . فقد كان يوسف ( ع ) رجلا ومن غريزة الرجال الميل إلى النساء وكان شابا بالغا أشده ذلك أو أن غليان الشهوة وثوران الشبق وكان ذا جمال بديع يدهش العقول ويسلب الألباب والجمال والملاحة يدعو إلى الهوى والترح وكان مستغرقا في النعمة وهنئ العيش محبورا بمثوى كريم وذلك من أقوى أسباب التهوس والاتراف وكانت الملكة فتاة فائقة الجمال وكذلك تكون حرم الملوك والعظماء . وكانت لا محالة متزينة بما يأخذ بمجامع كل قلب وهى عزيزة مصر وهى عاشقة والهة تتوق إليها النفوس وتتوق نفسها إليه وكانت لها سوابق الإكرام والإحسان والإنعام ليوسف وذلك كله مما يقطع اللسان ويصمت الإنسان وقد تعرضت له ودعته إلى نفسها والصبر مع التعرض اصعب وقد راودته هذه الفتانة واتت فيها بما في مقدرتها من الغنج والدلال وقد ألحت عليه فجذبته إلى نفسها حتى قدت قميصه والصبر معها اصعب وأشق وكانت عزيزة لا يرد أمرها ولا يثنى رأيها وهى ربته خصه بها العزيز وكانا في قصر زاه من قصور الملوك ذي المناظر الرائقة التي تبهر العيون وتدعو إلى كل عيش هنئ . وكانا في خلوة وقد غلقت الأبواب وأرخت الستور وكان لا يأمن الشر مع الامتناع وكان في امن من ظهور الأمر وانهتاك الستر لأنها كانت عزيزة بيدها أسباب الستر والتعمية ولم تكن هذه المخالطة فائتة لمرة بل كان مفتاحا لعيش هنئ طويل وكان يمكن ليوسف أن يجعل هذه المخالطة والمعاشقة وسيلة يتوسل بها إلى كثير من آمال الحياة وأمانيها كالملك والعزة والمال . فهذه أسباب وأمور هائلة لو توجهت إلى جبل لهدته أو أقبلت على صخرة صماء لأذابتها ولم يكن هناك مما يتوهم مانعا إلا الخوف من ظهور الأمر أو مناعة نسب يوسف أو قبح الخيانة للعزيز . أما الخوف من ظهور الأمر فقد مر انه كان في أمن منه ولو كان بدا من ذلك شئ لكان في وسع العزيزة أن تؤوله تأويلا كما فعلت فيما ظهر من أمر مراودتها فكادت حتى أرضت نفس العزيز إرضاء فلم يؤاخذها بشيء وقلبت العقوبة ليوسف حتى سجن . وأما مناعة النسب فلو كانت مانعة لمنعت اخوة يوسف عما هو اعظم من الزنا واشد إثماً فإنهم كانوا أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب أمثال يوسف فلم تمنعهم شرافة النسب من أن يهموا بقتله ويلقوه في غيابت الجب ويبيعوه من السيارة بيع العبيد ويثكلوا فيه أباهم يعقوب النبي ( ع ) فبكى حتى ابيضت عيناه . وأما قبح الخيانة وحرمتها فهو من القوانين الاجتماعية والقوانين الاجتماعية إنما تؤثر أثرها بما تستتبعه من التبعة على تقدير المخالفة وذلك إنما يتم فيما إذا كان الإنسان تحت سلطة القوة المجرية والحكومة العادلة وأما لو أغفلت القوة المجرية أو فسقت فأهملت أو خفي الجرم عن نظرها أو خرج من سلطانها فلا تأثير حينئذ لشيء من هذه القوانين كما سنتكلم فيه عن قريب . فلم يكن عند يوسف ( ع ) ما يدفع به عن نفسه ويظهر به على هذه الأسباب القوية التي كانت لها عليه إلا اصل التوحيد وهو الإيمان بالله وان شئت فقل المحبة الإلهية التي ملأت وجوده وشغلت قلبه فلم تترك لغيرها محلا ولا موضع إصبع فهذا هو ما يفيده التدبر في القصة ولنرجع إلى متن الآية . فقوله تعالى : " ولقد همت به وهم بها لو لا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء انه من عبادنا المخلصين " لا ريب إن الآية تشير إلى وجه نجاة يوسف من هذه الغائلة والسياق يعطى أن المراد بصرف السوء والفحشاء عنه انجاؤه مما أريد منه وسئل بالمراودة والخلوة وان المشار إليه بقوله كذلك هو ما يشتمل عليه قوله : " أن رأى برهان ربه " . فيؤل معنى قوله : " كذلك لنصرف " إلى آخر الآية إلى انه ( ع ) لما كان من عبادنا المخلصين صرفنا عنه السوء والفحشاء بما رأى من برهان ربه فرؤية برهان ربه هي السبب الذي صرف الله سبحانه به السوء والفحشاء عن يوسف ( ع ) . ولازم ذلك أن يكون الجزاء المقدر لقوله : " لو لا أن رأى برهان ربه " هو ارتكاب السوء والفحشاء ولازم ذلك أن يكون لو لا أن رأى الخ قيدا لقوله وهم بها وذلك يقتضى أن يكون المراد بهمه بها نظير همها به هو القصد إلى المعصية ويكون حينئذ همه بها داخلا تحت الشرط والمعنى انه لو لا أن رأى برهان ربه لهم بها وأوشك أن يرتكب فان لولا وان كانت ملحقة بأدوات الشرط وقد منع النحاة تقدم جزائها عليها قياسا على أن الشرطية إلا أن قوله وهم بها ليس جزاء لها بل هو مقسم به بالعطف على قوله : " ولقد همت به " وهو في معنى الجزاء استغنى به عن ذكر الجزاء فهو كقولنا والله لأضربنه أن يضربني والمعنى والله أن يضربني اضربه [44] الجواب : يمكن حمل ذلك على أن الموقف خطر جداً ولولا العصمة له لوقع في المعصية يعني أن الحالة الاعتيادية للإنسان إذا تعرض لمثل هذه الحالة أن يقع في المعصية فضلاً من أن يهم بها كما ورد عن الإمام الرضا عليه السلام في حديث مع المأمون العباسي – وقد تقدم - . وأما الأحاديث والقصص التي تشرح بشكل مفصل من أن يوسف مارس المعصية فضلا أنه همّ بها فهذا مما لا يمكن تصديقه وفي نفس الوقت مخجل ويصور لنا يوسف الصديق المخلَص وكأنه من أرذل الناس وأفسقهم فقد روى الطبري في تفسيره والحاكم في المستدرك والثعلبي في العرائس والواحدي في الوسيط وغيرهم كثيراً من هذه الإسرائيليات . قال السيد المرتضى : [ تأويل آية ] : إن سأل سائل عن قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام ( ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ) فقال هل يسوغ ما تأول بعضهم هذه الآية عليه من أن يوسف عليه السلام عزم على المعصية وأرادها وانه جلس مجلس الرجل من المرأة ثم انصرف عن ذلك بأن رأى صورة أبيه يعقوب عاضا على إصبعه متوعدا له على مواقعة المعصية أو بأن نودى له بالنهي والزجر في الحال على ما ورد به الحديث . . الجواب قلنا إذا ثبت بأدلة العقول التي لا يدخلها الاحتمال والمجاز ووجوه التأويلات ان المعاصي لا تجوز على الأنبياء عليهم السلام صرفنا كل ما ورد ظاهره بخلاف ذلك من كتاب أو سنة الى ما يطابق الأدلة ويوافقها كما يفعل مثل ذلك فيما يرد ظاهره مخالفا لما تدل عليه العقول من صفاته تعالى وما يجوز عليه أو لا يجوز ولهذه الآية وجوه من التأويل كل واحد منها يقتضى براءة نبي الله من العزم على فاحشة وارادة المعصية . . أولها ان الهم في ظاهر الآية متعلق بما لا يصح أن يعلق به العزم أو الارادة على الحقيقة لانه تعالى قال ( ولقد همت به وهم بها ) فعلق الهم بهما وذاتا هما لا يجوز أن يراد أو يعزم عليهما لان الموجود الباقي لا يصح ذلك فيه فلا بد من تقدير محذوف يتعلق العزم به وقد يمكن أن يكون ما تعلق به همه عليه السلام / صفحة 126 / انما هو ضربها أو دفعها عن نفسه كما يقول القائل كنت هممت بفلان وقد هم فلان بفلان أي بان يوقع به ضربا أو مكروها . . فان قيل فأى معنى لقوله تعالى ( لولا أن رأى برهان ربه ) والدفع لها عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنها . . قلنا يمكن أن يكون الوجه في ذلك انه لما هم بدفعها وضربها أراه الله برهانا على انه ان أقدم على ما هم به أهلكه أهلها أي قتلوه أو انها تدعي عليه المراودة عن القبيح وتقذفه بانه دعاها إليه وان ضربه لها كان لامتناعها فيظن به ذلك من لا تأمل له ولا علم بان مثله لا يجوز عليه فأخبر الله تعالى بانه صرف بالبرهان عنه السوء والفحشاء يعنى بذلك القتل والمكروه الذين كانا يوقعان به لانهما يستحقان الوصف بذلك من حيث القبح أو يعنى بالسوء والفحشاء ظنهم بذلك . . فان قيل هذا الجواب يقتضي ان جواب لو لا يتقدمها ويكون التقدير لولا أن رأى برهان ربه لهم بضربها ودفعها وتقديم جواب لولا قبيح غير مستعمل أو يقتضى أن تكون لولا بغير جواب . . قلنا أما تقدم جواب لولا فجائز وسنذكر ما فيه عند الجواب المختص بذلك غير أنا لا نحتاج إليه في هذا الجواب لأن العزم على الضرب والهم بالضرب قد وقع إلا أنه انصرف عنه بالبرهان والتقدير ولقد همت به وهم بدفعها لولا أن رأى برهان ربه لفعل ذلك فالجواب في الحقيقة محذوف والكلام يقتضيه كما حذف الجواب في قوله تعالى ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم ) معناه لولا فضل الله عليكم ورحمته لهلكتم ومثله ( كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ) معناه لو تعلمون علم اليقين لم تتنافسوا في الدنيا وتتفاخروا بها . . وقال امرؤ القيس فلو أنها نفس تموت سوية ولكنها نفس تساقط أنفسا أراد فلو أنها نفس تموت سوية لانقضت وفنيت فحذف الجواب على ان من تأول هذه الآية على الوجه الذي لا يليق بنبي الله وأضاف العزم على المعصية إليه لابد له من تقدير جواب محذوف ويكون التقدير عنده ولقد همت بالزنا وهم به لولا أن رأى برهان ربه لفعله . . فان قيل قوله هم بها كقوله همت به فلم جعلتم همها متعلقا بالقبيح وهمه بها متعلقا بما ذكرتم من الضرب وغيره . . قلنا أما الظاهر فلا يدل على ما تعلق الهم به / صفحة 127 / والعزم فيهما جميعا وانما أثبتنا همها به بأن يكون متعلقا بالقبيح لشهادة الكتاب والآثار به وهي ممن يجوز عليها فعل القبيح ولم يؤثر دليل في امتناعه عليها كما أثر ذلك فيه عليه السلام والموضع الذي يشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى ( وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه الى قوله في ضلال مبين ) قوله تعالى ( وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب ) وقوله ( الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ) وفي موضع آخر ( فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ) وفى موضع آخر ( فذلكن الذى لمتننى فيه ولقد راودته عن نفسه فأستعصم ) والآثار واردة باطباق مفسري القرآن ومتأوليه على انها همت بالفاحشة والمعصية . . والوجه الثاني : في تأويل الآية أن يحمل الكلام على التقديم والتأخير ويكون تلخيصه ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها ويجرى ذلك مجرى قولهم قد كنت هلكت لولا أنى تداركتك وقتلت لولا أنى خلصتك والمعنى لولا تداركي لهلكت ولولا تخليصي لقتلت وان لم يكن وقع هلاك ولا قتل . . قال الشاعر فلا تدعني قومي صريحا لحرة لأن كنت مقتولا ويسلم عامر ............................................................ - الأمالي - السيد المرتضى ج 2 ص 127 : .. وقال آخر فلا تدعني قومي ليوم كريهة لئن لم أعجل ضربة أو أعجل فقدم جواب الشرط في البيتين جميعا ([45]) وقد استشهد عليه أيضا بقوله تعالى ( وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ) والهم لم يقع لمكان فضل الله ورحمته ومما يشهد لهذا التأويل ان في الكلام شرطا وهو قوله تعالى ( لولا أن رأى برهان ربه ) فكيف يحمل على الاطلاق مع حصول الشرط وليس لهم أن يجعلوا جواب لولا محذوفا * ( هامش ) * ( 1 ) ( * ) / صفحة 128 / مقدرا لأن جعل جوابها موجودا أولا : وقد استبعد قوم تقديم جواب لولا عليها قالوا ولو جاز ذلك لجاز قام زيد لولا عمرو وقصدتك لولا بكر وقد بينا بما أوردناه من الأمثلة والشواهد جواز تقديم جواب لولا والذي ذكروه لا يشبه بما أجزناه وقد يجوز أن يقول القائل قد كان زيد قام لولا كذا وكذا وقد كنت قصدتك لو لا أن صدني فلان وان لم يقع قيام ولا قصد وهذا الذي يشبه الآية وليس تقديم جواب لو لا بأبعد من حذف جواب لولا جملة من الكلام وإذا جاز عندهم الحذف لئلا يلزمهم تقديم الجواب جاز لغيرهم تقديم الجواب حتى لا يلزم الحذف . . والجواب الثالث ما اختاره أبو على الجبائي وان كان غيره قد تقدمه الى معناه وهو أن يكون معنى هم بها اشتهاها ومال طبعه الى ما دعته إليه وقد يجوز أن يسمي الشهوة في مجاز اللغة هما كما يقول القائل فيما لا يشتهيه ليس هذا من همى وهذا أهم الأشياء الى ولا قبح في الشهوة لانها من فعل الله تعالى فيه وانما يتعلق القبيح بتناول المشتهى . . وقد روى هذا الجواب عن الحسن البصري قال أما همها فكان أخبث الهم وأما همه فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء ويجب على هذا الوجه أن يكون قوله تعالى ( لولا أن رأى برهان ربه ) متعلق بمحذوف كأنه قال لولا أن رأى برهان ربه لعزم أو فعل . . والجواب الرابع ان من عادة العرب أن يسموا الشئ باسم ما يقع فيه في الأكثر عنده وعلى هذا لا ينكر أن يكون المراد بهم بها أي خطر بباله أمرها ووسوس إليه الشيطان بالدعاء إليها من غير أن يكون هناك هم أو عزم فسمى الخطور بالبال هما من حيث كان الهم يقع في الأكثر عنده والعزم في الأغلب يتبعه وانما أنكرنا ما ادعاه جهلة المفسرين ومحرفوا القصاص وقذفوا به نبي الله عليه السلام لما ثبت في العقول من الأدلة على أن مثل ذلك لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام من حيث كان منفرا عنهم وقادحا في الغرض المجري إليه بارسالهم والقصة تشهد بذلك لانه تعالى قال ( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء) ومن أكبر السوء والفحشاء العزم على الزنا ثم الأخذ فيه والشروع في مقدماته وقوله تعالى أيضا ( انه من عبادنا المخلصين ) يقتضي تنزيهه عن الهم بالزنا والعزم عليه وحكايته عن النسوة قولهن ( حاش لله ما علمنا عليه من سوء ) يدل أيضا على أنه برئ من القبحين / صفحة 129 /. . فأما البرهان الذي رآه فيحتمل أن يكون لطفا لطف الله تعالى له به في تلك الحال أو قبلها اختار عنده الانصراف عن المعاصي والتنزه عنها ويحتمل أيضا ما ذكره أبو على وهو أن يكون البرهان دلالة الله تعالى له على تحريم ذلك وعلى أن من فعله يستحق العقاب وليس يجوز أن يكون البرهان ما ظنه الجهال من رؤية صورة أبيه يعقوب عليه السلام متوعدا له أو النداء له بالزجر والتخويف لأن ذلك ينافي المحنة وينقض الغرض بالتكليف ويقتضى أن لا يستحق على امتناعه وانزجاره مدحا ولا ثوابا وهذا سوء ثناء على الأنبياء واقدام على قرفهم بما لم يكن منهم والحمد الله على حسن التوفيق . [46] رأي السيد الطباطبائي : قال : ومعنى الآية والله لقد همت به والله لولا أن رأى برهان ربه لهم بها وأوشك أن يقع في المعصية وإنما قلنا أوشك أن يقع ولم نقل وقع لان الهم كما قيل لا يستعمل إلا فيما كان مقرونا بالمانع كقوله تعالى : " وهموا بما لم ينالوا " التوبة : 74 وقوله : " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا " آل عمران : 122 وقول صخر :
فلولا ما رآه من البرهان لكان الواقع هو الهم والاقتراب دون الارتكاب والاقتراف وقد أشار سبحانه إلى ذلك بقوله : " لنصرف عنه السوء والفحشاء " ولم يقل لنصرفه من السوء والفحشاء فتدبر فيه . ومن هنا يظهر إن الأنسب أن يكون المراد بالسوء هو الهم بها والميل إليها كما أن المراد بالفحشاء اقتراف الفاحشة وهى الزنا فهو ( ع ) لم يفعل ولم يكد ولولا ما أراه الله من البرهان لهم وكاد أن يفعل وهذا المعنى هو الذي يؤيده ما قدمناه من الاعتبار والتأمل في الأسباب والعوامل المجتمعة في هذا الحين القاضية لها عليه .[47] وهذا القول لا يمكن المساعدة عليه لان المشارفة على الذنب غير لائقة بمقام المخلَص . البرهانقال السيد المرتضى : فأما البرهان الذي رآه فيحتمل أن يكون لطفا لطف الله تعالى له به في تلك الحال أو قبلها اختار عنده الانصراف عن المعاصي والتنزه عنها ويحتمل أيضا ما ذكره أبو على وهو أن يكون البرهان دلالة الله تعالى له على تحريم ذلك وعلى أن من فعله يستحق العقاب وليس يجوز أن يكون البرهان ما ظنه الجهال من رؤية صورة أبيه يعقوب عليه السلام متوعدا له أو النداء له بالزجر والتخويف لأن ذلك ينافي المحنة وينقض الغرض بالتكليف ويقتضي أن لا يستحق على امتناعه وانزجاره مدحا ولا ثوابا وهذا سوء ثناء على الأنبياء وإقدام على قرفهم بما لم يكن منهم والحمد الله على حسن التوفيق . [48] وقال الفخر الرازي : المسألة الثانية في أن المراد بذلك البرهان ما هو ؟ أما المحققون المثبتون للعصمة فقد فسروا رؤية البرهان بوجوه : الأول : أنه حجة الله تعالى في تحريم الزنا ، والعلم بما على الزاني من العقاب . والثاني : أن الله تعالى طهر نفوس الأنبياء عن الأخلاق الذميمة ، بل نقول : إنه تعالى طهر نفوس المتصلين بهم عنها ، كما قال : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " ([49]) فالمراد برؤية البرهان هو حصول تلك الأخلاق وتذكير الأحوال الرادعة لهم عن الإقدام على المنكرات . الثالث : أنه رأى مكتوبا في سقف البيت : " ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة و مقتا وساء سبيلا " ([50]). الرابع : أنه النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش ، والدليل عليه أن الأنبياء بعثوا لمنع الخلق عن القبائح والفضائح ، فلو أنهم منعوا الناس عنها ثم أقدموا على أقبح أنواعها وأفحش أقسامها لدخلوا تحت قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون . كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون " ([51]) وأيضا إن الله تعالى عير اليهود بقوله : " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم " ([52]) وما يكون عيبا في حق اليهود كيف ينسب إلى الرسول المؤيد بالمعجزات ؟ ! نسبة المعصية وأما الذين نسبوا المعصية إلى يوسف عليه السلام فقد ذكروا في تفسير ذلك البرهان أموراً : الأول : قالوا : إن المرأة قامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب ، فقال يوسف : ولم ؟ قالت : أستحي من إلهي هذا أن يراني على المعصية ، فقال يوسف : تستحي من صنم لا يعقل ولا يسمع ، ولا أستحي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت ؟ ! فوالله لا أفعل ذلك أبدا ، قالوا : فهذا هو البرهان . الثاني : نقلوا عن ابن عباس أنه مثل له يعقوب فرآه عاضا على أصابعه ويقول له : أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء ؟ فاستحيى منه ، قالوا : هو قول عكرمة ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك ومقاتل وابن سيرين ، قال سعيد بن جبير : تمثل له يعقوب فضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله . الثالث : قالوا : إنه سمع في الهواء قائلا يقول : يا ابن يعقوب لا تكن كالطير يكون له ريش فإذا زنى ذهب ريشه . والرابع : نقلوا عن ابن عباس أن يوسف لم يزدجر برؤية صورة يعقوب حتى ركضه جبرائيل عليه السلام فلم يبق فيه شئ من الشهوة إلا خرج . ولما نقل الواحدي هذه الروايات تصلف ([53]) وقال : هذا الذي ذكرناه قول أئمة التفسير الذين أخذوا التأويل عمن شاهد التنزيل . [ الجواب ] : فيقال له : إنك لا تأتينا البتة إلا بهذه التصلفات التي لا فائدة فيها ، فأين الحجة والدليل ؟ وأيضا فإن ترادف الدلائل على الشيء الواحد جائز ، وإنه عليه السلام كان ممتنعا عن الزنا بحسب الدلائل الأصلية ، فلما أنضاف إليها هذه الزواجر قوي الانزجار وكمل الاحتراز ، والعجب أنهم نقلوا أن جروا ([54]) دخل تحت حجرة رسول الله صلى الله عليه واله وبقي هناك بغير علمه قالوا : فامتنع جبرائيل من الدخول عليه أربعين يوما . وههنا زعموا أن يوسف حال اشتغاله بالفاحشة ذهب إليه جبرائيل ، والعجب أيضا أنهم زعموا أنه لم يمتنع عن ذلك العمل بسبب حضور جبرائيل ! ولو أن أفسق الخلق وأكفرهم كان مشغولا بفاحشة فإذا دخل عليه رجل صالح على زي الصالحين استحيى منه وفر وترك ذلك العمل ، وههنا رأى يعقوب عض على أنامله ولم يلتفت ! ثم إن جبرائيل على جلالة قدره دخل عليه فلم يمتنع أيضا عن ذلك القبيح بسبب حضوره حتى احتاج جبرائيل إلى أن ركضه على ظهره ! نسأل الله تعالى أن يصوننا عن العمى في الدين والخذلان في طلب اليقين ، فهذا هو الكلام الملخص في هذه المسألة . انتهى . ([55]) قال المجلسي : لا يتوهم خطاء في قصده القتل ، إذ الدفع عن العرض والاحتراز عن المعصية لازم وإن انجر إلى القتل ، ولكن الله تعالى نهاه عند ذلك لمصلحة : إما لئلا يقتل قودا ، ([56]) أو لئلا يتهم بسوء كما يومئ إليهما : " كذلك لنصرف عنه السوء " أو لغير ذلك من المصالح ويمكن أن يكون في شرعه عليه السلام قتل مريد مثل هذا الأمر مجوزا ، وعلى الخبر الأخير يمكن أن يكون المراد برؤية برهان ربه نزول جبرئيل عليه تعبيرا عن النبوة بما يلزمه . ثم اعلم أن الاخبار الاخر الموافقة لجماعة كثيرة من المخالفين فظاهر أنها محمولة على التقية ، وقد اتضح ذلك من الأخبار أيضا . وأما أخبار إلقاء الثوب فإذا لم نحملها على التقية فليس فيها تصريح بأن ذلك وقع بعد قصد الفاحشة أو رضاه عليه السلام بما همت به ، ولعله تعالى سبب ذلك تأييدا للعصمة وإلقاء للحجة التي يحتج بها يوسف عليه السلام عليها كما أومأ إليه الرازي أيضا .[57] ولخص الرازي كلامه هذا في عصمة الأنبياء فقال : ( فان قلت ) فما البرهان الذي رآه يوسف عليه السلام ؟ [ قلت ] فيه وجوه ثمانية : [ الأول ] أنه حجة الله في تحريم الزنا والعلم بما على الزاني من العقاب قاله محمد بن كعب [ الثاني ] ما آتاه الله من آداب أنبيائه من العفاف وصيانة النفس عن الارجاس . [ الثالث ] رأى مكتوبا في سقف البيت ( ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة وساء سبيلا ) [ الرابع ] عن الصادق النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش [ الخامس ] عن زين العابدين كان في ذلك البيت صنم فألقت المرأة ثوبا عليه وقالت استحى منه . فقال يوسف : تستحي من الصنم فأنا أحق أن استحى من الواحد القهار [السادس] انه سمع قائلا يقول يا ابن يعقوب لا تكن كالطير فإذا زنا ذهب ريشه . [ السابع ] سمع قائلا يقول : أنت مكتوب في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء . [ الثامن ] عن ابن عباس رأى صورة الملك ، وقيل : صورة يعقوب عليه السلام عاضا على أنامله . [ فان قلت ] لو كان البرهان عبارة عن أنه رأى يعقوب عاضا على إصبعه أو نادته الملائكة بالزجر لاقتضى ذلك الإلجاء وصار منافيا للتكليف ، ولما استحق يوسف عليه السلام بالبعد عن ذلك الفعل مدحا ولا ثناءا ولا ثوابا ( قلت ) أليس إن المعتزلة قالوا في قوله تعالى : ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ) إن شيئا منها لا يوجب الإلجاء ، وإذا كان كذلك فكيف يلزم من مشاهدة يعقوب وسماع صوت الملائكة حصول الإلجاء [58] قال الطبرسي : فأما البرهان الذي رآه فقد اختلف فيه على وجوه : أحدها : إنه حجة الله سبحانه في تحريم الزنا ، والعلم بالعذاب الذي يستحقه الزاني ، عن محمد بن كعب ، والجبائي وثانيها : انه ما آتاه الله سبحانه من آداب الأنبياء ، وأخلاق الأصفياء ، في العفاف ، وصيانة النفس عن الأدناس ، عن أبي مسلم وثالثها : إنه النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش ، والحكمة الصارفة عن القبائح ، روي ذلك عن الصادق عليه السلام ورابعها : إنه كان في البيت صنم ، فألقت المرأة عليه ثوبا فقال عليه السلام : إن كنت تستحين من الصنم ، فأنا أحق إن أستحي من الواحد القهار ! عن علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام . وخامسها : إنه اللطف الذي لطف الله تعالى به في تلك الحال ، أو قبلها ، فاختار عنده الامتناع عن المعاصي ، وهو ما يقتضي كونه معصوما ، لأن العصمة هي اللطف الذي يختار عنده التنزه عن القبائح ، والامتناع من فعلها . ويجوز أن يكون الرؤية ههنا بمعنى العلم ، كما يجوز أن يكون بمعنى الإدراك . فأما ما ذكر في البرهان من الأشياء البعيدة بأن قيل : إنه سمع قائلا يقول : يا بن يعقوب ! لا تكونن كالطير له ريش ، فإذا زنا ذهب ريشه ! وقيل : إنه رأى صورة يعقوب عاضا على أنامله . وقيل : إنه رأى كفا بدت فيما بينهما مكتوبا عليها النهي عن ذلك ، فلم ينته ، فأرسل الله سبحانه جبريل عليه السلام ، وقال : أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة . فرآه عاضا على إصبعه . فكل هذا سوء ثناء على الأنبياء ، مع أن ذلك ينافي التكليف ، ويقتضي أن لا يستحق على الامتناع من القبيح مدحا ولا ثوابا . وهذا من أقبح القول فيه عليه السلام . ( كذلك لنصرف عنه السوء ) أي : كذلك أريناه البرهان لنصرف عنه السوء أي : الخيانة ( والفحشاء ) أي : ركوب الفاحشة . وقيل : السوء الإثم ، والفحشاء الزنا ( إنه من عبادنا المخلصين ) أي : المصطفين المختارين للنبوة . وبكسر اللام المخلصين في العبادة والتوحيد أي : من عبادنا الذين أخلصوا الطاعة لله ، وأخلصوا أنفسهم له . وهذا يدل على تنزيه يوسف ، وجلالة قدره عن ركوب القبيح ، والعزم عليه . [59] رأي الطباطبائي : والبرهان هو السلطان ويراد به السبب المفيد لليقين لتسلطه على القلوب كالمعجزة قال تعالى : " فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملاه " القصص : 32 وقال : " يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم " النساء : 174 وقال : " أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " النمل : 64 . وهو الحجة اليقينية التي تجلى الحق ولا تدع ريبا لمرتاب . والذي رآه يوسف ( ع ) من برهان ربه وان لم يوضحه كلامه تعالى كل الإيضاح لكنه على أي حال كان سببا من أسباب اليقين لا يجامع الجهل والضلال بتاتا ويدل على انه كان من قبيل العلم قول يوسف ( ع ) فيما يناجى ربه كما سيأتي : " و الا تصرف عنى كيدهن اصب إليهن وأكن من الجاهلين " الآية : 33 من السورة ويدل على انه ليس من العلم المتعارف بحسن الأفعال وقبحها ومصلحتها ومفسدتها إن هذا النوع من العلم قد يجامع الضلال والمعصية وهو ظاهر قال تعالى : " أفرايت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم " الجاثية : 23 وقال : " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم " النمل : 14 . فالبرهان الذي أراه به وهو الذي يريه الله عباده المخلصين نوع من العلم المكشوف واليقين المشهود تطيعه النفس الإنسانية طاعة لا تميل معها إلى معصية أصلا وسنورد فيه بعض الكلام إن شاء الله تعالى . وقوله : " كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء " اللام في لنصرف للغاية أو التعليل والمال واحد وكذلك متعلق بقوله لنصرف والإشارة إلى ما ذكر من رؤية برهان ربه والسوء هو الذي يسوء صدوره من العبد بما هو عبد وهو مطلق المعصية أوالهم بها والفحشاء هو ارتكاب الأعمال الشنيعة كالزنا وقد تقدم أن ظاهر السياق انطباق السوء والفحشاء على الزنا والهم به . والمعنى الغاية أو السبب في أن رأى برهان ربه هي أن نصرف عنه الفحشاء والهم بها . ومن لطيف الإشارة في الآية ما في قوله : " لنصرف عنه السوء والفحشاء " حيث اخذ السوء والفحشاء مصروفين عنه لا هو مصروفا عنهما لما في الثاني من الدلالة على انه كان فيه ما يقتضى اقترافهما المحوج إلى صرفه عن ذلك وهو ينافى شهادته تعالى بأنه من عباده المخلصين وهم الذين أخلصهم الله لنفسه فلا يشاركه فيهم شئ فلا يطيعون غيره من تسويل شيطان أو تزيين نفس أو أي داع يدعو من دون الله سبحانه . وقوله : " انه من عبادنا المخلصين " في مقام التعليل لقوله كذلك لنصرف الخ والمعنى عاملنا يوسف كذلك لأنه من عبادنا المخلصين وهم يعاملون هذه المعاملة . ويظهر من الآية أن من شأن المخلصين من عباد الله أن يروا برهان ربهم وان الله سبحانه يصرف كل سوء وفحشاء عنهم فلا يقترفون معصية ولا يهمون بها بما يريهم الله من برهانه وهذه هي العصمة الإلهية . ويظهر أيضاً أن هذا البرهان سبب علمي يقيني لكن لا من العلوم المتعارفة المعهودة لنا . [60] والخلاصة : أن أصح الأقوال وأمتنها هو القول الثاني القائل بعدم الهم أصلا كما تقدم ، وبعض الأقوال الأخرى ممكن أن تكون جواباً لكنها مرجوحة بالنسبة للجواب الثاني . 1 يوسف : 24 . 2 وهذا الخبر كغيره من الآحاد التي لا يوجب علما ولا عملا وهو مخالف لأصول الشيعة بل لظاهر الكتاب بل لروايات أخرى عنهم سوف تأتي ، فلو كان ورد بطريق صحيح لكان وجب حمله أو طرحه فكيف وهو مرسل وورد من غير طريقنا . 3 الهميان : شداد السراويل أو التكة . 4 في المصدر : ولا حديث . 5 انظر كيف عرفوا حقوق الأنبياء وارتفاع منازلهم عند الله وهم نسبوهم إلى ما لا ينسب إليه آحاد الأمة ، وما لا يفعله إلا الفساق من الرعية ، وهل يبقى لو ثبتت تلك النسب مجال لدعوى وجوب اتباعهم والوثوق باقوالهم وقبول شهاداتهم ؟ وهل يجب نهيهم عنها واقامة الحدود عليهم ؟ وفى اثبات ذلك العمل وامثاله لهم محاذير عظيمة ذكرها المصنف في باب عصمة الانبياء ، ويذكر بعضها الرازي بعد ذلك . 6 بحار الأنوار ج 12 ص 326 – 327 نقلاً عن الفخر الرازي . 7 المستدرك - الحاكم النيسابوري ج 4 ص 255 وفي طبع آخر ج4 ص284 رقم 7652 . 8 تفسير الميزان - السيد الطباطبائي ج 11 ص 130. 9 تفسير الميزان - السيد الطباطبائي ج 11 ص 130 – 131 . 10 تفسير الميزان - السيد الطباطبائي ج 11 ص 331 – 332 . 11 تفسير الميزان - السيد الطباطبائي ج 11 ص 133 . 12 بحار الأنوار العلامة المجلسي ج 11 ص 82 . 13 سورة طه : الآية 121. 14 سورة الأنبياء : الآية 87 . 15 سورة يوسف : الآية 24 . 16 سورة ص : الآية 24 . 17 سورة الأحزاب : الآية 37 . 18 سورة آل عمران : الآية 7 . 19 سورة آل عمران : الآية 33 . 20 سورة الفجر : الآية 16 . 21 الأحزاب : 37 . 22 سورة الأحزاب : الآية 37 . الوطر بالتحريك : الحاجة . قضى منه وطره : نال منه بغيته . 23 عيون أخبار الرضا (ع) للشيخ الصدوق ج 2 ص 170 – 173 . الأمالي للشيخ الصدوق ص 150 . 24 الهفوة : السقطة والزلة . 25 وقوله : " ذلك ليعلم انى لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدى كيد الخائنين " وقوله : " معاذ الله إنه ربى أحسن مثواي انه لا يفلح الظالمون " وقوله : " إن ربى بكيدهن عليم " . 26 المصدر خال عن اعتراف النسوة بالبراءة . م 27 وأيضا قال الله تعالى : " ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين " ففيه شهادة الله أنه كان من المحسنين ، وقوله تعالى : " ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين " أي بعد ما رأوا آيات تدل على براءته ونزاهة ساحته مما نسب إليه ، وقوله تعالى : " ولا نضيع أجر المحسنين " . 28 في المصدر : لولا أن فلانا خلصك . م 29 بحار الأنوار ج 12 ص 327 – 331 . عن مفاتيح الغيب للفخر الرازي . 30 عصمة الأنبياء للفخر الرازى ص 54 . 31 عصمة الانبياء- الفخر الرازى ص 56 . 32 في المصدر : الخائن . م 33 في المصدر : الخائنة . م |