|
بسم الله الرحمن الرحيم
شبهات حول الإمام الحسن ( عليه السلام )
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التحيات على حبيب إله
العالمين أبي القاسم محمد وآله الطاهرين .
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا
لنهتدي لولا أن هدانا الله
﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
*
وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي
* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي
* يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾
[1]
نبارك للإمام الحجة المنتظر (عج) وإليكم وإلى جميع المؤمنين والمسلمين في مشارق
الأرض ومغاربها هذه الذكرى العطرة ، ولادة السبط الأول للرسول الأعظم صلى الله عليه
وآله وسلم الإمام المنتجب أبي محمد الحسن عليه وعلى أبيه وأمه وأخيه أفضل الصلوات
وأتم التحيات ، ونرجو من المولى أن نكون مهتدين بهديهم .
عنوان الحديث هو شبهات حول الإمام الحسن عليه السلام أثارها كثير من الكتاب
المغرضين الذين قصدوا النيل من مقامه الشريف لأمور سياسية اقتضتها الظروف آن ذاك
وإذا أردنا أن نحملهم على أحسن المحامل فيكونون من الجاهلين بمقام هذه الشخصية
الفذة التي قدمت للأمة كل خير وبركة .
ومن الأمور الواضحة لدى العقلاء أنه لابد لكل عاقل من البحث عن مصدر تلك الشبهات
والاتهامات والتثبت من صدق قائلها أو عدم صدقه وما هي الأسباب التي أدت إلى
اختلاقها ، وهذا طريق مسلوك لدى الشرع والمتشرعة كما هو مسلوك لدى العقلاء جمعا .
فمن الناحية الدينية يبحث تحت عنوان : حجية خبر الواحد وما هي حدود تلك الحجية وما
هو شرائط قبول خبر الواحد فهل يشترط العدالة فيه أم تكفي الوثاقة ؟
حجية خبر الواحد
قال تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا
قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾
[2].
سبب نزول الآية
قال الطبرسي : ( نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط بعثه رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم) في صدقات بني المصطلق فخرجوا يتلقونه فرحاً به ، وكانت بينهم عداوة في
الجاهلية فظن أنهم هموا بقتله فرجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال إنهم
منعوا صدقاتهم ، وكان الأمر بخلافه ، فغضب النبي (صلى الله عليه وآله) وهمَّ أن
يغزوهم فنزلت الآية )[3]
الفاسق : الخارج عن الطاعة إلى المعصية .
والنبأ : الخبر العظيم الشأن ، والتبين والاستبانة والإبانة بمعنى واحد .
قال الطباطبائي : ( ومعنى الآية : يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بخبر ذي شأن
فتبينوا خبره بالبحث والفحص للوقوف على حقيقته حذر أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصيروا
نادمين على ما فعلتم بهم .
وقد أفضى الله سبحانه في هذه الآية أصل العمل بالخبر وهو من الأصول العقلائية التي
يبتني عليه أساس الحياة الاجتماعية الإنسانية ، وأمر بالتبين في خبر الفاسق وهو في
معنى النهي عن العمل بخبره ، وحقيقته الكشف عن عدم اعتبار حجيته ، وهذا أيضاً
كالإمضاء لما بنى عليه العقلاء من عدم حجية الخبر الذي لا يوثق بمن يخبر به وعدم
ترتيب الأثر على خبره )[4]
فالنتيجة أن المخبر إذا كان فاسقاً لابد من التبين عن خبره والفحص والتأكد من صحته
وعدمه ، حتى لا تحصل الندامة على الاعتماد على خبر الفاسق دون التبين . وهل نشترط
العدالة في المخبر ؟ وهذا ما قال به قدماء الأصحاب أم نكتفي بالوثاقة كما يقول به
أكثر المتأخرين وهو الصحيح .
والآن نأتي إلى ما نحن بصدده وهو الحديث عن بعض الشبهات والاتهامات التي ألصقت
بإمامنا وسيدنا أبي محمد الحسن عليه السلام ، وهذا في الواقع من المصائب العظام
التي حلت على الأمة الإسلامية والتي بلغت بها الحالة إلى هذا الانحدار ، فالآية
تشير إلى أنه لا يمكن تقبل الخبر سواء كان خبراً لغوياً أو حديثاً عن الأئمة أو حتى
في حالاتنا الاعتيادية فيما إذا كان المخبر فاسقاً وهو الذي نقل الحديث ولم يحصل
الوثوق والاطمئنان بخبره فإننا إذا أخذنا بحديث الفاسق أو الكذّاب أو غير الموثّق ،
حينئذ ربما يكون سبباً لإصابة الجهالة أو الندامة على ما نقوم به ، فحينئذ لابد أن
يكون ناقل الخبر ثقة يمكن الاعتماد على قوله .
الحرب الإعلامية
لأجل أن ندخل في صلب الموضوع ينبغي للإنسان الالتفات إلى أسباب ومبررات ما يطرح
قديماً وحديثاً في الإشاعات والاتهامات حول الشخصيات العظمى لأجل إسقاطها من عين
المجتمع ، وبعد ذلك لا يمكن لتلك الشخصية أن تقوم بدورها الريادي والقيادي والرسالي
والقيام بواجبها ، لأن الأمة إذا لم تحترم القيادة ولم تعتقد بها فلا يمكن أن تتقبل
عنها أي شيء ، وحينئذ من باب الأولى لا يمكن أن تتقبل منها موضوع الحرب والسلم
فتكون في معزل من ذلك .
قبل الدخول في الحديث عن الشبهات التي أثيرت حول الإمام الحسن عليه السلام لابد من
البحث في الأسباب التي أدت إلى ذلك وبكل بساطة إذا رجعنا إلى الحقبة الزمنية التي
سبقت فترة الإشاعات لعلمنا أن أسباب حرب الإبادة التي شنها أعداؤهم عليهم طيلة
حياتهم وبعد وفاتهم هي نفسها أسباب الشبهات والاتهامات حول الإمام أمير المؤمنين
وابنه الإمام الحسن عليهما السلام بشكل خاص ؛ فإن العدو بعد أن عجز عن تحقيق أهدافه
الرخيصة بالحرب والإبادة عمد إلى أسلوب تشويه تلك الشخصيات التي شهد القرآن
بطهارتها من الرجس والدنس ، وإليك بعض تلك الصحائف السوداء .
جرائم سودت وجه التاريخ
قامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرءون منه ويقعون فيه وفي أهل
بيته وكان اشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي عليه السلام
فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لأنه
كان منهم أيام علي عليه السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل
وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل وطرفهم وشردهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم
ذكر العلامة الأميني أن معاوية :
بعث بسر بن أرطاة بعد تحكيم الحكمين ، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يومئذ حي ،
وبعث معه جيشا آخر ، وتوجه برجل من عامر ضم إليه جيشا آخر ، ووجه الضحاك بن قيس
الفهري في جيش آخر ، وأمرهم أن يسيروا في البلاد فيقتلوا كل من وجدوه من شيعة علي
بن أبي طالب عليه السلام وأصحابه ، وأن يغيروا على سائر أعماله ، ويقتلوا أصحابه ،
ولا يكفوا أيديهم عن النساء والصبيان . فمر بسر لذلك على وجهه حتى انتهى إلى
المدينة فقتل بها ناسا من أصحاب علي عليه السلام وأهل هواه ، وهدم بها دورا ، ومضى
إلى مكة فقتل نفرا من آل أبي لهب ، ثم أتى السراة فقتل من بها من أصحابه ، وأتى
نجران فقتل عبدالله بن عبد المدان الحارثي وابنه ، وكانا من أصهار بني العباس عامل
علي عليه السلام ، ثم أتى اليمن وعليها عبيد الله بن العباس عامل علي بن أبي طالب
وكان غائبا ، وقيل : بل هرب لما بلغه خبر بسر فلم يصادفه بسر ووجد ابنين له صبيين
فأخذهما بسر لعنه الله
[5]
وذبحهما بيده بمدية كانت معه ، ثم انكفأ راجعا إلى معاوية . وفعل مثل ذلك سائر من
بعث به ، فقصد العامري إلى الأنبار فقتل ابن حسان البكري وقتل رجالا ونساء من
الشيعة .
قال أبو صادقة
[6]
أغارت خيل لمعاوية على الأنبار فقتلوا عاملا لعلي عليه السلام يقال له : حسان بن
حسان ، وقتلوا رجالا كثيرا ونساء ، فبلغ ذلك علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فخرج
حتى أتى المنبر فرقيه فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم
قال :
إن الجهاد باب من أبواب الجنة ، فمن تركه ألبسه الله ثوب الذلة ، وشمله البلاء ،
وريب بالصغار ، وسيم الخسف ، وقد قلت لكم : أغزوهم قبل أن يغزوكم فإنه لم يغز قوم
قط في عقر دارهم إلا ذلوا . فتواكلتم وتخاذلتم وتركتم قولي ورائكم ظهريا ، حتى شنت
عليكم الغارات ، هذا أخو عامر قد جاء الأنبار فقتل عاملها حسان بن حسان وقتل رجالا
كثيرا ونساء ، والله بلغني إنه كان يأتي المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينزع
حجلها ورعاثها ثم ينصرفون موفورين لم يكلم أحد منهم كلما ، فلو أن امرءا مسلما مات
دون هذا أسفا لم يكن عليه ملوما بل كان به جديرا . الحديث .
أصاب أم حكيم بنت قارظ - زوجة عبيد الله - وله على ابنيها فكانت لا تعقل ولا تصغي
إلا إلى قول من أعلمها أنهما قد قتلا ، ولا تزال تطوف في المواسم تنشد الناس ابنيها
بهذه الأبيات :
يا من أحس بابني اللـذين همـا كـالدرتين تشظى عنهما الصدف
يا من أحس بابني اللـذين همـا سمعي وقلبي فقلبي اليوم مردهف
يا من أحس بابني اللـذين همـا مخ العظام فمخي اليوم مختطف
نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا
أنحى على ودجي ابنـي مرهفة مشحـوذة وكذاك الإفـك يقترف
حتى لقيت رجـالا من أرومتـه شم الأنوف لهـم في قومهم شرف
فالآن ألعن بسرا حـق لعـنته هذا لعمـر أبي بسر هو السرف
من دل والهة حـرى مولهـة على صبيين ضلا إذ غدا السلف
قالوا : ولما بلغ علي بن أبي طالب عليه السلام قتل بسر الصبيين جزع لذلك جزعا
شديدا ، ودعا على بسر لعنه الله فقال : اللهم اسلبه دينه ، ولا تخرجه من الدنيا حتى
تسلبه عقله . فأصابه ذلك وفقد عقله ، وكان يهذي بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب
ويجعل بين يديه زق منفوخ فلا يزال يضربه حتى يسأم
[7].
صورة مفصلة
لقد أشن الغارة معاوية على شيعة أمير المؤمنين عليه السلام سنة 39 وفرق جيوشه في
أصقاع حكومته عليه السلام واختار أناسا ممن لا خلاق لهم لقتل أولئك الأبرياء أينما
كانوا وحيثما وجدوا ، فوجه النعمان بن بشير في ألف رجل إلى عين التمر . ووجه سفيان
بن عوف في ستة آلاف وأمره أن يأتي ( هيت ) فيقطعها ثم يأتي الأنبار والمدائن فيوقع
بأهلها فأتى ( هيت ) ثم أتى الأنبار وطمع في أصحاب علي عليه السلام لقتلهم فقاتلهم
فصبر أصحاب علي ثم قتل صاحبهم أشرس بن حسان البكري وثلاثون رجلا ، واحتملوا ما في
الأنبار من أموال أهلها ورجعوا إلى معاوية .
ووجه عبد الله بن مسعدة بن حكمة الفزاري ( وكان أشد الناس على علي ) في ألف
وسبعمائة إلى ثيماء ، وأمره أن يصدق من مر به من أهل البوادي ويقتل من امتنع ، ففعل
ذلك وبلغ مكة والمدينة وفعل ذلك .
ووجه الضحاك بن قيس وأمره أن يمر بأسفل واقصة ويغير على كل من مر به ممن هو في طاعة
علي عليه السلام من الأعراب ، وأرسل ثلاثة آلاف رجل معه فسار الناس وأخذ الأموال ،
ومضى إلى الثعلبية وقتل وأغار على مسلحة علي ، وانتهى إلى القطقطانة ، فلما بلغ
عليا أرسل إليه حجر بن عدي في أربعة آلاف فلحق الضحاك بتدمر فقتل منهم تسعة عشر
رجلا ، وقتل من أصحابه رجلان ، وحجز بينهما الليل فهرب الضحاك وأصحابه ورجع حجر ومن
معه .
ووجه عبد الرحمن بن قباث بن أشيم إلى بلاد الجزيرة وفيها شيب بن عامر جد الكرماني
الذي كان بخراسان ، فكتب إلى كميل بن زياد وهو بهيت يعلمه خبرهم ، فقاتله كميل
وهزمه وغلب على عسكره ، وأكثر القتل في أهل الشام وأمر أن لا يتبع مدبر ولا يجهز
على جريح . ووجه الحرث بن نمر التنوخي إلى الجزيرة ليأتيه بمن كان في طاعة علي ،
فأخذ من أهل دارا سبعة نفر من بني تغلب فوقع هناك من المقتلة ما وقع . ووجه زهير بن
مكحول العامري إلى السماوة ، وأمره أن يأخذ صدقات الناس فبلغ ذلك عليا فبعث ثلاثة
منهم جعفر بن عبد الله الأشجعي ليصدقوا من في طاعته من كلب وبكر ، فوافوا زهيرا
فاقتتلوا فانهزم أصحاب علي وقتل جعفر بن عبد الله .
البحث عن جابر
وبعث سنة 40 بسر بن أرطاة في جيش فسار حتى قدم المدينة وبها أبو أيوب الأنصاري
عامل علي عليها ، فهرب أبو أيوب فأتى عليا بالكوفة ، ودخل بسر المدينة ولم يقاتله
أحد فصعد منبرها فنادى عليه : يا دينار ! ويا نجار ! ويا زريق ![8]
شيخي شيخي عهدي به بالأمس فأين هو ؟ - يعني عثمان - ثم قال : يا أهل المدينة !
والله لولا ما عهد إلي معاوية ما تركت بها محتلما إلا قتلته . فأرسل إلى بني سلمة
فقال : والله ما لكم عندي أمان حتى تأتوني بجابر بن عبد الله . فانطلق جابر إلى أم
سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله فقال لها : ماذا ترين ؟ إن هذه بيعة ضلالة وقد
خشيت أن اقتل . قالت : أرى أن تبايع فإني قد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة وختني عبد
الله بن زمعة أن يبايعا ، فأتاه جابر فبايعه ، وهدم بسر دورا بالمدينة ، ثم سار إلى
مكة فخاف أبو موسى أن يقتله فهرب ، وكتب أبو موسى إلى اليمن : إن خيلا مبعوثة من
عند معاوية تقتل الناس ، تقتل من أبى أن يقر بالحكومة .
ثم مضى بسر إلى اليمن وكان عليها عبيد الله بن عباس عاملا لعلي فهرب منه إلى علي
بالكوفة ، واستخلف عبد الله بن عبد المدان الحارثي فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه ،
ولقي بسر ثقل عبيد الله بن عباس وفيه ابنان له صغيران فذبحهما وهما : عبد الرحمن
وقثم ، وقال البعض : إنه وجدهما عند رجل من بني كنانه بالبادية فلما أراد قتلهما
قال له الكناني : لم تقتل هذين ولا ذنب لهما ؟ فإن كنت قاتلهما فاقتلني معهما ، قال
: أفعل . فبدأ بالكناني فقتله ثم قتلهما . فخرجت نسوة من بني كنانة فقالت امرأة
منهن : يا هذا ! قتلت الرجال ، فعلام تقتل هذين ؟ والله ما كانوا يُقتلون في
الجاهلية والإسلام ، والله يا بن أرطاة إن سلطانا لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير ،
والشيخ الكبير ، ونزع الرحمة ، وعقوق الأرحام ، لسلطان سوء ، وقتل بسر في مسيره ذلك
جماعة من شيعة علي باليمن وبلغ عليا الخبر .
[9]
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب : كان يحيى بن معين يقول : كان بسر بن أرطاة رجل
سوء . قال أبو عمر : ذلك لأمور عظام ركبها في الإسلام فيما نقل أهل الأخبار وأهل
الحديث أيضا منها : ذبحه ابني عبد الله بن العباس وهما صغيران بين يدي أمهما .
[10]
وقال الدار قطني : لم تكن له استقامة بعد النبي عليه الصلاة والسلام وهو الذي قتل
طفلين لعبيد الله بن عباس بن عبد المطلب باليمن في خلافة معاوية وهم عبد الرحمن
وقثم ابنا عبيد الله بن العباس .
[11]
أول مسلمات سبين في الإسلام
وقال أبو عمرو الشيباني : لما وجه معاوية بن أبي سفيان بسر بن أرطاة الفهري لقتل
شيعة علي رضي الله عنه قام إليه معن أو عمرو بن يزيد السلمي وزياد بن الأشهب الجعدي
فقالا: يا أمير المؤمنين ! نسألك بالله والرحم ألاّ تجعل لبسر على قيس سلطانا فيقتل
قيسا بما قتلت به بنو سليم من بني فهر وكنانة يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وآله
مكة .
فقال معاوية : يا بسر لا إمرة لك على قيس فسار حتى أتى المدينة فقتل ابني عبيد
الله وفر أهل المدينة ودخلوا الحرة حرة بني سليم .
( قال أبو عمرو ) : وفي هذه الخرجة التي ذكر أبو عمرو الشيباني أغار بسر بن أرطاة
على همدان وسبى نساءهم ، فكن أول مسلمات سبين في الإسلام ، وقتل أحياء من بني سعد
[12]
المرأة المسلة تُشترى لعِظَمِ ساقها
( ثم أخرج أبو عمرو بإسناده من طريق رجلين عن أبي ذر رضي الله عنه أنه كان ) : يدعو
ويتعوذ في صلاة صلاها أطال قيامها وركوعها وسجودها قال : فسألناه مم تعوذت؟ وفيم
دعوت ؟ فقال تعوذت بالله من يوم البلاء يدركني ، ويوم العورة .
فقلنا : وما ذاك ؟
فقال : أما يوم البلاء فتلتقي فئتان ( فتيان ) من المسلمين فيقتل بعضهم بعضا .
وأما يوم العورة : فإن نساء من المسلمات يسبين فيكشف عن سوقهن فأيتهن كانت أعظم
ساقا اشتريت على عظم ساقها ، فدعوت الله أن لا يدركني هذا الزمان ولعلكما تدركانه
قال : فقتل عثمان رضي الله عنه ثم أرسل معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن فسبى نساء
مسلمات فأقمن في السوق .
[13]
مجازر في مكة والمدينة
وقال ابن عساكر :
كان بسر من شيعة معاوية بن أبي سفيان وشهد معه صفين ، وكان معاوية وجهه إلى اليمن
والحجاز في أول سنة أربعين ، وأمره أن يستقرأ من كان في طاعة علي فيوقع بهم ، ففعل
بمكة والمدينة واليمن أفعالا قبيحة وقد ولي البحر لمعاوية . وقتل باليمن ابني عبيد
الله بن العباس .
وقال الدار قطني : إن بسرا كانت له صحبة ولم يكن له استقامة بعد النبي صلى الله
عليه وسلم ( يعني : أنه كان من أهل الردة ) .
قال : وروى البخاري في التاريخ : إن معاوية بعث بسرا سنة سبع وثلاثين فقدم المدينة
فبايع ثم انطلق إلى مكة واليمن فقتل عبد الرحمن وقثم ابني عبيد الله بن عباس وفي
رواية الزهري : أن معاوية بعثه سنة تسع وثلاثين فقدم المدينة ليبلغ الناس فأحرق دار
زرارة
[14]
بن خيرون أخي بني عمرو بن عوف بالسوق ، ودار
رفاعة
[15] ابن رافع ، ودار عبد الله
[16] بن سعد من بني الأشهل ، ثم استمر إلى مكة واليمن فقتل
عبد الرحمن بن عبيد ، وعمرو
[17] بن أم إدراكة الثقفي ، وذلك أن معاوية بعثه على ما حكاه
ابن سعد ليستعرض الناس فيقتل من كان في طاعة علي بن أبي طالب فأقام في المدينة شهرا
فما قيل له في أحد : إن هذا ممن أعان على عثمان إلا قتله ، وقتل قوما من بني كعب
على مائهم فيما بين مكة والمدينة وألقاهم في البئر ومضى إلى اليمن . وقتل من همدان
بالجرف من كان مع علي بصفين فقتل أكثر من مائتين ، وقتل من الأبناء كثيرا وهذا كله
بعد قتل علي بن أبي طالب .
قال ابن يونس : كان عبيد الله بن العباس قد جعل ابنيه عبد الرحمن وقثم عند رجل من
بني كنانة وكانا صغيرين فلما انتهى بسر إلى بني كنانة بعث إليهما ليقتلهما ، فلما
رأى ذلك الكناني دخل بيته فأخذ السيف واشتد عليهم بسيفه حاسرا وهو يقول :
الليث من يمنع حافات الدار ولا يزال مصلتا دون الدار[18]
إلا فتى أروع غير غدار
فقال له بسر : ثكلتك أمك والله ما أردنا قتلك فلم عرضت نفسك للقتل ؟
فقال : اقتل دون جاري فعسى أعذر عند الله وعند الناس . فضرب بسيفه حتى قتل ، وقدّم
بسر الغلامين فذبحهما ذبحا ، فخرج نسوة من بني كنانة فقالت قائلة منهن : يا هذا
هؤلاء الرجال قتلت فعلام تقتل الولدان ؟ والله ما كانوا يُقتلون في الجاهلية
والإسلام والله إن سلطانا لا يقوم إلا بقتل الرضع الصغيرة والمدرة الكبير ، وبرفع
الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء.
فقال لها بسر : والله لقد هممت أن أضع فيكن السيف .
فقالت : تالله إنها لأخت التي صنعت ، وما أنا بها منك بآمنة . ثم قالت للنساء
اللواتي حولها : ويحكن تفرقن .
[19]
وفي الإصابة : عمرو بن عميس بن مسعود : كان من عمال علي ، فقتله بسر بن أرطاة لما
أرسله معاوية للغارة على عمال علي فقتل كثيرا من عماله من أهل الحجاز واليمن .
[20]
قتل شيعة علي حيث كانوا
في رواية إبراهيم الثقفي في كتاب ( الغارات ) في حوادث سنة أربعين :
كان بسر بن أرطاة
[21] قاسي القلب ، فظاً سفاكا للدماء ، لا رأفة عنده ولا رحمة
فوجهه معاوية إلى اليمن وأمره أن يأخذ طريق الحجاز والمدينة ومكة حتى ينتهي إلى
اليمن وقال له : لا تنزل على بلد أهله على طاعة علي إلا بسطت عليهم لسانك حتى يروا
أنهم لا نجاة لهم [ منك ] وأنك محيط بهم ، ثم اكفف عنهم وادعهم إلى البيعة لي ،
فمن أبى فاقتله ، واقتل شيعة علي حيث كانوا .
[22]
ترويع أهل المدينة
وقال الثقفي :
وبعث معاوية بسر بن أبي أرطاة من بني عامر بن لؤي فبعثه في ثلاثة آلاف وقال : سر
حتى تمر بالمدينة فاطرد الناس وأخف من مررت به ، وانهب أموال كل من أصبت له مالا
ممن لم يكن يدخل في طاعتنا ، فإذا دخلت المدينة فأرهم أنك تريد أنفسهم وأخبرهم أنه
لا براءة لهم عندك ولا عذر حتى إذا ظنوا أنك موقع بهم فاكفف عنهم ثم سر حتى تدخل
مكة ولا تعرض فيها لأحد ، وأرهب الناس فيما بين المدينة ومكة ، واجعلهم شردات[23]
حتى تأتي صنعاء والجند
[24] فان لنا بهما شيعة وقد جاءني كتابهم .
[25]
هدم دور الأنصار في المدينة
قال إبراهيم الثقفي :
ثم سار بسر بن أبى أرطاة بمن تخلف معه من جيشه وكانوا إذا وردوا ماء أخذوا ابل أهل
ذلك الماء فركبوها وقادوا خيولهم حتى يردوا الماء الآخر فيردون تلك الإبل فيركبون
إبل هؤلاء فلم يزل يصنع ذلك حتى قرب من المدينة . قال : وقد روي أن قضاعة استقبلتهم
ينحرون لهم الجزر حتى دخلوا المدينة . وعامل علي عليه السلام على المدينة يومئذ أبو
أيوب الأنصاري فخرج عنها هاربا ودخل بسر المدينة فخطب الناس وشتمهم وتهددهم يومئذ
وتوعدهم وقال : شاهت الوجوه ،(
وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا
رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا
اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ
)وقد أوقع الله ذلك المثل بكم وجعلكم أهله ، كان بلدكم مهاجر النبي صلى الله عليه
واله وسلم ومنزله وفيه قبره ومنازل الخلفاء من بعده ، فلم تشكروا نعمة ربكم ولم
ترعوا حق أئمتكم وقتل خليفة الله بين أظهركم فكنتم بين قاتل وخاذل وشامت ومتربص ،
إن كانت للمؤمنين قلتم : ألم نكن معكم ، وإن كان للكافرين نصيب قلتم : ألم نستحوذ
عليكم ونمنعكم من المؤمنين ثم شتم الأنصار فقال : يا معاشر اليهود وأبناء العبيد
بنى زريق وبني النجار وبني سالم وبني عبد الاشهل أما والله لأوقعن بكم وقعة تشفي
غليل صدور المؤمنين وآل عثمان ، أما والله لادعنكم أحاديث كالأمم السالفة ، فتهددهم
حتى خاف الناس أن يوقع بهم ففزعوا إلى حويطب بن عبد العزى ويقال : انه زوج أمه فصعد
إليه المنبر فناشده وقال : عشيرتك وأنصار رسول الله صلى الله عليه واله وليسوا
بقتلة عثمان فلم يزل به حتى سكن فدعا الناس إلى بيعة معاوية فبايعوا ، ونزل بسر
فأحرق دورا ، أحرق دار زرارة بن جرول أحد بني عمرو بن عوف ، ودار رفاعة بن رافع
الزرقي ، ودار أبي أيوب الأنصاري وفقد جابر بن عبد الله فقال : مالي لا أرى جابرا
يا بني سلمة ؟ لا أمان لكم عندي أو تأتوني بجابر بن عبد الله الأنصاري فعاذ جابر
بأم سلمة - رضي الله عنها - فأرسلت إلى بسر بن [ أبي ] أرطاة ، فقال : لا أؤمنه حتى
يبايع ، فقالت له أم سلمة : اذهب : فبايع وقالت لابنها عمر
:
اذهب ، فبايع ، فذهبا فبايعا .
[26]
محنة جابر
وروى إبراهيم من طريق :
وهب بن كيسان قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : بعث معاوية بسر بن أبي أرطاة إلى
المدينة ليبايع أهلها على راياتهم وقبائلهم فجاءته بنو سلمة فقال : أفيهم جابر ؟
قالوا : لا ، قال : فليرجعوا فاني لست مبايعهم حتى يحضر جابر ، قال : فأتاني قومي
فقالوا : ننشدك الله لما انطلقت معنا ، فبايعت ، فحقنت دمك ودماء قومك فان لم تفعل
ذلك قتلت مقاتلينا وسبيت ذريتنا ، قال : فاستنظرتهم الليل فأتيت أم سلمة زوجة النبي
فأخبرتها الخبر ، فقالت : يا بني انطلق فبايع [ احقن دمك ودماء قومك فاني قد أمرت
ابن أخي أن يذهب فيبايع ] واني لأعلم أنها بيعة ضلالة . قال : فأقام بسر أياما ثم
قال لهم : إني قد عفوت عنكم و [ إن ] لم تكونوا لذلك بأهل ، ما قوم قتل إمامهم بين
ظهرانيهم بأهل أن يكف عنهم العذاب ، ولئن نالكم العفو مني في الدنيا فاني لأرجو أن
لا تنالكم رحمة الله في الآخرة ، وقد استخلفت عليكم أبا هريرة فإياكم
وخلافه ، ثم خرج إلى مكة .[27]
القتل لمن يرى رأي علي
عن الوليد بن هشام قال : بعث معاوية بسر بن أبي أرطاة أحد بني عامر بن لؤي لقتل من
كان على رأي علي بن أبي طالب عليه السلام فأقبل من الشام حتى قدم المدينة فصعد منبر
النبي صلى الله عليه وآله فقال : [ يا أهل المدينة ] أخضبتم لحاكم وقتلتم [ عثمان ]
مخضوبا والله لا أدع في المسجد مخضوبا إلا قتلته ثم قال لأصحابه : خذوا بأبواب
المسجد وهو يريد أن يستعرضهم فقام إليه عبد الله بن الزبير وأبو قيس رجل من بني
عامر بن لؤي فطلبا إليه حتى كف عنهم وخرج من المدينة فأتى مكة فلما قرب منها هرب
قثم بن العباس وكان عامل علي عليه السلام ودخل بسر مكة فشتمهم وأنبهم ثم خرج من مكة
واستعمل عليها
شيبة بن عثمان الحجبي .[28]
تهديد أهل مكة
عن الكلبي أن بسرا لما خرج من المدينة إلى مكة فقتل في طريقه رجالا وأخذ أموالا
وبلغ أهل مكة خبره فتنحى عنها عامة أهلها وتراضي الناس بشيبة بن عثمان أميرا لما
خرج قثم بن العباس عنها ، فخرج إلى بسر قوم من قريش فتلقوه فشتمهم ثم قال : أما
والله لو تركت ورأيي فيكم لما خليت فيكم روحا تمشي على الأرض فقالوا : ننشدك الله
في أهلك وعشيرتك فسكت ، ثم دخل فطاف بالبيت وصلى ركعتين ثم خطبهم فقال : الحمد لله
الذي أعز دعوتنا ، وجمع ألفتنا ، وأذل عدونا بالقتل والتشريد ، هذا ابن أبي طالب
بناحية العراق في ضنك وضيق ، قد ابتلاه الله بخطيئته ، وأسلمه بجريرته ، فتفرق عنه
أصحابه ناقمين عليه وولى الأمر معاوية الطالب بدم عثمان فبايعوا ولا تجعلوا على
أنفسكم سبيلا ، فبايعوا ، وفقد سعيد بن العاص فطلبه فلم يجده وأقام أياما ثم خطبهم
فقال : يا أهل مكة إني قد صفحت عنكم فإياكم والخلاف ، فوالله لئن
فعلتم لأقصدن منكم إلى التي تبير الأصل ، وتخرب المال ، وتخرب الديار .
[29]
نفاق ودجل
وخرج بسر إلى الطائف فلقيه المغيرة بن شعبة فسأله . وبلغني من غير هذا [ الوجه ]
أن المغيرة بن شعبة كتب إلى بسر حين خرج من مكة متوجها إلى الطائف : أما بعد فقد
بلغني مسيرك إلى الحجاز ، ونزولك مكة ، وشدتك على المريب ، وعفوك عن المسيء ،
وإكرامك لأولي النهى ، فحمدت رأيك في ذلك ، فدم على صالح ما أنت عليه ، فان الله لن
يزيد بالخير [ أهله ] إلا خيرا ، جعلنا الله وإياك من الآمرين بالمعروف
،
والقاصدين إلى الحق ، والذاكرين الله كثيرا .
[30]
ثم لقيه بسر فقال : يا مغيرة أني أريد أن أستعرض قومك ؟ قال المغيرة : إني أعيذك
بالله من ذلك ، إنه لم يزل يبلغنا منذ خرجت شدتك على عدو أمير المؤمنين عثمان فكنت
بذلك محمود الرأي ، فإذا كنت على عدوك ووليك سواءً أثمت ربك وتغري بك عدوك .
نجاة قوم
ووجه رجلا من قريش إلى تبالة وبها قوم من شيعة علي عليه السلام وأمره بقتلهم
فأخذهم وكلهم فيهم فقيل له : هؤلاء قومك فكف عنهم حتى نأتيك بكتاب من بسر بأمانهم
فخرج منيع الباهلي إلى الطائف واستشفع إلى بسر فيهم وتحمل بقوم من الطائف عليه
فكلموه فيهم وسألوه الكتاب بإطلاقهم فأنعم لهم ومطلهم بالكتاب حتى ظن أنهم قد قتلوا
، وأن كتابه لا يصل إليهم حتى يقتلوا ، فكتب إليهم ، فأتي منيع منزله وقد كان نزل
على امرأة بالطائف ورحله عندها فلم يجدها في منزلها فتوطأ على ناقته بردائه وركب
فسار يوم الجمعة وليلة السبت لم ينزل عن راحلته قط فأتاهم ضحوة وقد اخرج القوم
ليقتلوا [ واستبطئ كتاب بسر فيهم ] فقدم رجل منهم فضربه رجل من أهل الشام فانقطع
سيفه فقال الشاميون بعضهم لبعض : شمسوا سيوفكم حتى تلين ، فهزوها ، فتبصر منيع بريق
السيوف فلوح بثوبه فقال القوم : هذا راكب عنده خبر فكفوا وقام به بعيره فنزل عنه
وجاء يشتد على رجليه فدفع الكتاب إليهم ، وكان الرجل المقدم الذي ضرب بالسيف فانقطع
السيف أخاه وأمر بتخليتهم .
قتل الأطفال
عن سنان بن أبي سنان أن أهل مكة لما بلغهم ما صنع بسر خافوا وهربوا وخرج ابنا عبيد
الله سليمان وداود و أمهما جويرية أم حكيم ابنة خالد بن قارظ الكنانية وهم حلفاء
بني زهرة وهما غلامان مع أهل مكة فأضلوا هما عند بئر ميمون وميمون هذا ابن الحضرمي
أخو العلاء بن الحضرمي وهجم عليهما بسر فأخذهما فذبحهما فقالت أمهما :
ها من أحس بنيي الـذين همـا كـالدرتين تشظى عنهما الصدف
ها من أحس بنيي الـذين همـا سمعي وقلبي فقلبي اليوم مختطف
ها من أحس بنيي الـذين همـا مـخ العظام فمخي اليوم مزدهف
نبئت بسرا وما صدقت مازعموا من قتلهم ومن الافك الذي اقترفوا
أنحى على ودجي ابـني مرهفة مشـحوذة وكـذاك الإثـم يقترف
من ذل والـهة حـرى مسلـبة على صبيين ضلا إذ مضى السلف
[31]
سلطان سوء
قال إبراهيم الثقفي : ولما دخل بسر الطائف وكلمه المغيرة قال له : صدقتني ونصحتني ،
فبات فيها ثم خرج منها ، وخرج المغيرة فشيعه ساعة ثم ودعه وانصرف عنه ، فخرج حتى مر
ببني كنانة وفيهم ابنا عبيد الله بن العباس عبد الرحمن وقثم و أمهما جويرية بنت
قارظ الكنانية وقارظ من حلفاء بني زهرة ، وكان عبيد الله قد جعل ابنيه عند رجل من
بني كنانة فلما انتهى بسر إليهما أراد أن يقتلهما فلما رأي ذلك الكناني دخل بيته
وأخذ السيف وخرج إليه فقال له بسر : ثكلتك أمك والله ما كنا أردنا قتلك فلم عرضت
نفسك للقتل ؟ قال : نعم اقتل دون جاري أعذر لي عند الله والناس ، ثم شد عليهم
بالسيف حاسرا وهو يقول :
آليت لا يمنع حافات الدار ولا يموت مصلتا دون الجار
إلا فتى أروع غير غدار
فضارب بسيفه حتى قتل ، وقدم الغلامين فقتلهما ، فخرج نسوة من بني كنانة فقالت
امرأة منهن : هذه الرجال تقتلها فعلام تقتل الولدان ؟ والله ما كانوا يقتلون في
الجاهلية ولا في الإسلام ، والله إن سلطانا لا يشتد إلا بقتل الضرع الضعيف والمدرهم
الكبير ورفع الرحمة وقطع الأرحام لسلطان سوء فقال بسر : والله لهممت أن أضع فيكن
السيف ، قالت : والله إنه لأحب إلي إن فعلته ، وقالت جويرية أبياتها . ها من أحس
... التي كتبناها ، ويقال : إنه ذبحهما على درج صنعاء ، لا رحم الله بسرا .
[32]
قتل صهر عبيد الله بن العباس
عن الكناني قال : وخرج بسر من الطائف فأتى نجران فقتل عبد الله الأصغر بن عبد
المدان وكان يقال له : عبد الحجر ، وابنه مالكا ، وقال بعضهم : انه لم يقتل عبد
الله وقتل مالكا ورجلا آخر من بني عبد المدان ، فبكاهما شاعر قريش فقال :
ولولا أن تعنفني قـريش بكيت على بني عبد المدان
لهم أبوان قد علمت معد على أبنـائهم متفـضلان
وبلغنا أن عبد الله بن عبد المدان كان صهرا لعبيد الله بن العباس فأخذه بسر وقتله ،
ودعا ابنه مالكا وكان أدنى لأبيه في الشرف ، وكان يدعى لمالك باليمن فضرب عنقه ، ثم
جمعهم وقام فيهم يتهدد أهل نجران فقال : يا معاشر النصارى وإخوان القرود أما والله
لئن بلغني عنكم ما أكره لأعودن عليكم بالتي تقطع النسل ، وتهلك الحرث ، وتخرب
الديار فمهلا مهلا ، وسار حتى أتى أرحب فقتل أبا كرب وكان يتشيع ويقال : انه كان
سيد من بالبادية من همدان فقدمه وقتله قتلا ذريعا .
مجازر في صنعاء
وأتى صنعاء وقد خرج عنها عبيد الله بن العباس وسعيد بن نمران ، وقد استخلف عبيد
الله عليها عمرو ابن أراكة بن عبد [ الله بن ] الحارث بن حبيب الثقفى فمنع بسرا من
دخول صنعاء وقاتله فقتله بسر ودخل صنعاء فقتل فيها قوما وأتاه وفد مأرب فقتلهم فلم
ينج منهم إلا رجل واحد رجع إلى قومه فقال لهم : أنعى قتلانا.. شيوخا وشبانا .
وبلغني من حديث عبد الملك بن نوفل عن أبيه أن بسرا لما صمد ؛ صمد عبيد الله ابن
العباس بصنعاء فأقبل نحوهم فاجتمعت شيعة عثمان فأقبلوا نحو صنعاء .
أسف علي عليه السلام
وذكر عن أبي الوداك قال : كنت عند علي عليه السلام حين قدم عليه سعيد بن نمران
بالكوفة فعتب عليه وعلى عبيد الله أن لا يكونا قاتلا بسرا فقال سعيد : والله قاتلت
ولكن ابن عباس خذلني وأبى أن يقاتل ، ولقد خلوت به حين دنا منا بسر فقلت : إن ابن
عمك لا يرضى مني ولا منك إلا بالجد في قتالهم ، وما نعذر ، قال : لا والله مالنا
بهم طاقة ولا يدان ، فقمت في الناس وحمدت الله وأثنيت عليه ثم قلت : يا أهل اليمن
من كان في طاعتنا وعلى بيعة أمير المؤمنين فإليّ إلي فأجابني منهم عصابة فاستقدمت
بهم فقاتلت قتالا ضعيفا وتفرق الناس عني وانصرفت ووجهت إلى صاحبي فحذرته موجدة
صاحبه عليه وأمرته أن يتمسك بالحصن ويبعث إلى صاحبنا ويسأله المدد فانه أجمل بنا
وأعذر لنا ، فقال : لا طاقة لنا بمن جاءنا ، وأخاف تلك . وزحف إليهم بسر فاستقبلهم
سعيد بن نمران فحملوا عليه فقاتل قتالا كلاً ولا ، ثم انصرف هو وأصحابه إلى عبيد
الله وحضر صنعاء ثم خرج منها حتى لقي أهل جيشان وهم شيعة لعلي عليه السلام فقاتلهم
وهزمهم وقتلهم قتلا ذريعا وتحصنوا منه ثم انه رجع إلى صنعاء .
عن
الوليد بن هشام قال : خرج بسر من مكة واستعمل عليها شيبة بن عثمان
[33]
القتل على الظن
ثم مضى يريد اليمن فلما جاوز مكة رجع قثم بن العباس إلى مكة فغلب عليها ، وكان بسر
إذا قرب من منزل تقدم رجل من أصحابه حتى يأتي أهل الماء فيسلم فيقول : ما تقولون في
هذا المقتول بالأمس عثمان ؟ قال : إن قالوا : قتل مظلوما لم يعرض لهم ، وان قالوا :
كان مستوجبا للقتل قال : ضعوا السلاح فيهم ، فلم يزل على ذلك حتى دخل صنعاء ، فهرب
منه عبيد الله بن العباس وكان واليا لعلي عليه السلام عليها ، واستخلف عمرو ابن
أراكة فأخذه بسر فضرب عنقه ، وأخذ ابني عبيد الله فذبحهما على درج صنعاء ، وذبح في
آثارهما مائة شيخ من أبناء فارس ، وذلك أن الغلامين كانا في منزل أم النعمان بنت
بزرج امرأة من
الابناء .
[34]
ثلاثون ألف قتيل
قتل بسر في وجهه ذاهبا وراجعا ثلاثين ألفا ، وحرق قوما بالنار وقال الشاعر وهو ابن
مفرغ :
إلى حيث سار المرء بسر بجيشه فقتل بسر ما استطاع وحرقا
[35]
دعاء علي على بسر
وقد كان علي عليه السلام دعا قبل موته على بسر بن أبي أرطاة - لعنه الله - فيما
بلغنا فقال : اللهم إن بسرا باع دينه بدنياه وانتهك محارمك وكانت مخلوق فاجر آثر
عنده مما عندك ، اللهم فلا تمته حتى تسلبه
عقله ، فما لبث بعد وفاة علي عليه السلام إلا يسيرا حتى وسوس [ وذهب عقله ] .
[36]
هذه صورة مصغرة عن جرائم شخص واحد وهو بسر وما وصل لنا عن جرائمه ولا تسأل عما عمله
زياد بن سمية ، وسمرة بن جندب وأضرابها .
ضرورة وعي الأمة
الإمام الحسن عليه السلام أبتُلي كما ابتُلي أبوه أمير المؤمنين (عليه السلام) من
قبل - ومن والاهما - بهذه الإشاعات والاتهامات لأجل إسقاطهم من أعين الأمة ، وحينئذ
إذا كان المجتمع غير واعٍ والأمة غير واعية ، تمر عليها الأحابيل و الإشاعات
والاتهامات ، فبعد ذلك تخسر قوتها وعظمتها وريادتها تخسر الدنيا والآخرة ، أما إذا
كانت الأمة واعية وملتفتة إلى الأحابيل والأحاديث التي تحاك حولها وضدها حيث لا
تؤثر فيها الإشاعات والاتهامات بل كلما تُطرح إشاعة أو اتهام حول القيادة تزداد
الأمة تمسكاً وصلابة بعقيدتها وإيمانها بقيادتها ، وبأمانة في الموضوع الذي نحن
نتحدث عنه ، وهو الاتهام أو الاختلاق ليس فقط مجرد الحوادث وإنما الاتهام والاختلاق
حتى على لسان الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام ، وأنه قال
كذا وقال كذا ولم يقل ، والمتتبع للتاريخ يجد الكثير و الكثير من هذه المواضيع
[37].
اختلاق الأحاديث
في الفترة التي حكم فيها معاوية ابن أبي سفيان نشط وضع الحديث بالأخص عند مجابهته
للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وبعد وفاته ، فقد كتب معاوية إلى عماله في جميع
الأطراف وبعدما استتب له الأمر على أنه ينظر إلى كل شخص يروي حديثاً فينا ( في بني
أمية ) فحينئذ أكرموه وقدروه وأدنوه ، وصار أولئك الأشخاص يتصدون لمثل هذا العمل
المشين ولم يكن عندهم إيمان بالله سبحانه وتعالى ، وإنما كانوا يظهرون الإسلام
ويخفون النفاق ، وتوجهوا إلى مثل هذه الأعمال ، فصاروا يضعون الأحاديث في فضل بني
أمية .
قال ابن أبي الحديد :
وروى أبو الحسن علي بن محمد بن أبى سيف المدايني في كتاب ( الأحداث ) قال : كتب
معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل
أبى تراب وأهل بيته فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرءون منه
ويقعون فيه وفي أهل بيته وكان اشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من
شيعة علي عليه السلام فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة فكان يتتبع
الشيعة وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام علي عليه السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر
وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل وطرفهم وشردهم عن
العراق فلم يبق بها معروف منهم.
وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق ألا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته
شهادة وكتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته والذين
يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم واكتبوا لي بكل ما يروى كل
رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته . ففعلوا ذلك حتى اكثروا في فضائل عثمان ومناقبه
لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ويفيضه في العرب
منهم والموالي فكثر ذلك في كل مصر وتنافسوا في المنازل والدنيا فليس يجئ احد مردود
من الناس عاملا من عمال معاوية فيروى في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه
وشفعه فلبثوا بذلك حينا .
ثم كتب إلى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية فإذا
جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ولا
تتركوا خبرا يرويه احد من المسلمين في أبى تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة
فان هذا احب إليّ واقر لعيني وادحض لحجة أبى تراب وشيعته واشد عليهم من مناقب عثمان
وفضله . فقرئت كتبه على الناس فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة
لها وجد الناس في رواية ما يجرى هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر وألقى
إلى معلمي الكتاتيب فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه
كما يتعلمون القرآن وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم فلبثوا بذلك ما شاء
الله . ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان انظروا من قامت عليه البينة
انه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان واسقطوا عطاءه ورزقه وشفع ذلك بنسخة أخرى
من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره فلم يكن البلاء اشد ولا
اكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة حتى إن الرجل من شيعة علي عليه السلام ليأتيه من
يثق به فيدخل بيته فيلقى إليه سره ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتى يأخذ عليه
الأيمان الغليظة ليكتمن عليه فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر ومضى على ذلك
الفقهاء والقضاة والولاة وكان اعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون والمستضعفون
الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا
مجالسهم ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى
أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق
ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها . فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن
بن علي عليه السلام فازداد البلاء والفتنة فلم يبق احد من هذا القبيل إلا وهو خائف
على دمه أو طريد في الأرض .
ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين عليه السلام وولى عبد الملك بن مروان فاشتد على
الشيعة وولى عليهم الحجاج بن يوسف فتقرب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض علي
وموالاة أعدائه وموالاة من يدعى من الناس انهم أيضا أعداؤه فأكثروا في الرواية في
فضلهم وسوابقهم ومناقبهم واكثروا من البغض من علي عليه السلام و عيبه والطعن فيه
والشنآن له حتى إن إنسانا وقف للحجاج - ويقال انه جد الأصمعي عبد الملك بن قريب -
فصاح به أيها الأمير إن أهلي عقوني فسموني عليا واني فقير بائس وأنا إلى صلة الأمير
محتاج فتضاحك له الحجاج وقال للطف ما توسلت به قد وليتك موضع كذا .
وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه وهو من أكابر المحدثين وأعلامهم - في تاريخه ما
يناسب هذا الخبر وقال إن اكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام
بنى أمية تقربا إليهم بما يظنون انهم يرغمون به أنوف بنى هاشم . قلت ولا يلزم من
هذا أن يكون علي عليه السلام يسوءه أن يذكر الصحابة والمتقدمون عليه بالخير والفضل
إلا أن معاوية وبنى أمية كانوا يبنون الأمر من هذا على ما يظنونه في علي عليه
السلام من انه عدو من تقدم عليه ولم يكن الأمر في الحقيقة كما يظنونه ولكنه كان يرى
انه افضل
منهم وانهم استأثروا عليه بالخلافة ........
[38]
ويذكر المقدسي صاحب التاريخ – وهو من علماء منطقة واسط في العراق – يقول : دخلت
يوماً من الأيام إلى أحد المتاجر في واسط ، فنظرت إلى شيخ كبير والناس مجتمعون حوله
وهو يحدث الناس ، يقول فدنوت منه لأسمع الحديث فإذا هو يقول : إذا صار يوم القيامة
، المولى سبحانه وتعالى لا يزال يدني معاوية بن أبي سفيان حتى يجلسه إلى جانبه ثم
بعد ذلك يلفه بيده حتى يخفيه ، ثم بعد ذلك يبرز إلى أهل المحشر كالعروس .
يقول فدنوت من الشيخ الذي يتحدث بهذا الحديث فقلت ولم ذلك ؟ ( لأي سبب ) يفعل الله
سبحانه بمعاوية هذا العمل ؟ فيقول : لأجل محاربته علي بن أبي طالب (عليه السلام) .
يقول المقدسي فقلت له كذبت يا ضال ، يقول : فالتفت إليّ وقال عليكم به خذوه فإنه
رافضي ، ( مع العلم أن المقدسي لم يكن من الشيعة وإنما كان أحد علماء السنة وهو
يعيش في القرن الثالث الهجري ) يقول فأنقذه شخص يعرفه .
ويقول أيضاً في نفس كتابه في يوم من الأيام حمل عليّ شخص ليقتلني لأنه كان يحدث
بحديث فيقول بأن معاوية نبي مرسل فكذبته في هذا الحديث فأراد أن يقتلني ، وعليك
القياس في هذه المواضيع ولمن أراد التوسع والاطلاع في وضع الأحاديث يراجع كتاب
الغدير للشيخ الأميني قدس الله نفسه فإنه تعرض إلى سلسلة وضع الأحاديث وكانت في بني
أمية وفي الخلفاء الثلاثة وفي العشرة المبشرة من الصحابة وبقية الصحابة وغيرهم ،
وذكر المئات إن لم يكن الآلاف من الأحاديث التي قد وضعت في فضائل هؤلاء ثم يدلل على
جميع تلك الروايات بعدم صحتها من كتبهم وليس من كتبنا
فقط
[39] ، ومن
أراد أن يطلع أكثر حول قضية معاوية وبني أمية فليراجع كتاب ( النصائح الكافية لمن
يتولى معاوية ) للسيد محمد بن عقيل اليمني ، وله كتاب آخر ( تزكية الإيمان في الرد
على ابن أبي سفيان ) وله كتاب ثالث ( العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل ) وكلها
حول هذه المواضيع فليراجعها من أراد أن يطلع أكثر فأكثر .
الوضاعون للأحاديث
الإمام الحسن (عليه السلام ) أصابه نصيب أوفى من الاتهامات والإشاعات التي ألصقت به
بعد أبيه الإمام أمير المؤمنين (ع) وعرف أشخاص معينون قد تصدوا إلى وضع الأحاديث :
منهم ( سمرة بن جندب ) الذي روى حوادث كثيرة في ذم الإمام أمير المؤمنين (عليه
السلام ) وأخذ عليها المبالغ الطائلة مثل(000، 400) درهم أخذها من بيت المال
في زمان معاوية
[40]
من أكبر الجرائم
فقد روي أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي أن هذه الآية نزلت في
علي بن أبى طالب : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ
*
وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ
وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ
*[41]
،
وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم ، وهي قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَن
يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ
اللّهِ)[42]،
فلم يقبل ، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل ، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل ،
فبذل له أربعمائة ألف فقبل ، وروى ذلك .
[43]
ونقل ابن أبي الحديد عن شيخه أنه :
قال : وقد صح أن بني أمية منعوا من إظهار فضائل علي عليه السلام ، وعاقبوا [ على ]
ذلك الراوي له ، حتى إن الرجل إذا روى عنه حديثا لا يتعلق بفضله بل بشرائع الدين لا
يتجاسر على ذكر اسمه ، فيقول : عن أبى زينب . وروى عطاء ، عن عبد الله بن شداد بن
الهاد ، قال : وددت أن أترك فأحدث بفضائل علي بن أبى طالب عليه السلام يوما إلى
الليل ، وأن عنقي هذه ضربت بالسيف . قال : فالأحاديث الواردة في فضله لو لم تكن في
الشهرة والاستفاضة وكثرة النقل إلى غاية بعيدة ، لا نقطع نقلها للخوف والتقية من
بني مروان مع طول المدة ، وشدة العداوة ، ولولا أن لله تعالى أودع في هذا الرجل سرا
يعلمه من يعلمه لم يرو في فضله حديث ، ولا عرفت له منقبة ، ألا ترى أن رئيس قرية لو
سخط على واحد من أهلها ، ومنع الناس أن يذكروه بخير وصلاح لخمل ذكره ، ونسى اسمه ،
وصار وهو موجود معدوما ، وهو حي ميتا !
[44]
وأيضاً جملة من الصحابة ربما يصعب ذكر أسمائهم فهم مشهورون بذلك ولا نريد أن تكون
حساسية من ذكر بعض مشاهير الصحابة.
[45]
التهم الموجهة للإمام
الحسن (ع)
فإذن الإمام الحسن (عليه السلام) لم يكن أعظم من أبيه والذي ألصقت به الاتهامات
الكثيرة وحتى لا نطيل في المقدمة ندخل الآن في موضوعنا وهو موضوع قضية الوضع .
فالإمام الحسن (ع) في الحقيقة كما يقول سماحة آية الله الشيخ محمد حسين آل كاشف
الغطاء (قدس سره) : ( إن مصيبة الإمام الحسن لا تقل عن مصيبة
الإمام
الحسين
) بالرغم من أن الإمام الحسين (عليه السلام) قد استشهد وقتل – وتعرفون تلك الفجائع
– إلا أن المصائب التي جرت على الإمام الحسن (عليه السلام) لا تقل عن القتل والآلام
التي تحملها من أقرب الأشخاص ومن أقرب المقربين إليه سواء كان من بني عمومته أو كان
من جملة أصحابه فمر بنفس الدور الذي مر به الإمام أمير المؤمنين (ع) بالإضافة إلى
ذلك قضية التهم التي ألصقت به .
التهم والإشاعات التي اتهم بها الإمام الحسن عليه السلام يمكن أن تقسم إلى قسمين
رئيسيين :
القسم الأول : الاتهامات التي يراد بها إسقاط الإمام أمير المؤمنين عليه السلام
وتشويه سمعته في أعين الناس البسطاء وأنه لا خبرة له بالحرب ولا بالسياسة ولا
بالإدارة . هذه المسرحيات تعددت :
أ- فمنها في حياته وقد تحدث هو أكثر من مرة عن ذلك كما رواه عنه الشريف الرضي في
نهج البلاغة .
ب- ومنها المسرحيات التي عُرضت في الروايات المختلفة وبطلها هذه المرة الإمام الحسن
عليه السلام فهو الذي يقابل أباه أمير المؤمنين عليه السلام لأنه أعرف بأبيه وفي
هذه المسرحية يظهر الابن البطل الشجاع صاحب المواقف المشرفة وصاحب الرأي السديد
الصائب والذي يجب أن يؤخذ بقوله ورأيه .. طبعاً ليس محبة فيه وإنما هو بغضاً لأبيه
حتى يُسقطان معاً .
القسم الثاني : الاتهامات المباشرة لتشويه سمعة الإمام الحسن عليه السلام وإسقاطه
بدعوى أفعاله الشهوانية والبذخ والترف وارتكابه المكروهات بكثرة الزواج والطلاق
وغيرهما .
أما القسم الأول :
فيوجد في ضمن الروايات الموضوعة والمختلقة الشيء الكثير والذي راج سوقه في فترة
زمنية ليست بالقصيرة .
النصوص التي تشكل الشبهات
والتهم
1- قال سيف بن عمر التميمي : قال طارق بن شهاب خرجنا من الكوفة معتمرين حين أتانا
قتل عثمان (رض) فلما انتهينا إلى الربذة وذلك في وجه الصبح إذا الرفاق وإذا بعضهم
يحدو بعضاً فقلت ما هذا فقالوا أمير المؤمنين قلت ما له قالوا غلبه طلحة والزبير
فخرج يعترض لهما ليردهما فبلغه أنهما قد فاتاه فهو يريد أن يخرج في آثارهما فقلت
إنا لله وإنا إليه راجعون آتي علياً فأقاتل معه هذين الرجلين وأم المؤمنين أو أخلفه
إن هذا لشديد فخرجت فأتيته فأقيمت الصلاة بغلس فتقدم فصلى فلما انصرف أتاه ابنه
الحسن فجلس فقال قد أمرتك فعصيتني فتقتل غداً بمضيعة لا ناصر لك فقال علي إنك لا
تزال تخن خنين الجارية وما الذي أمرتني فعصيتك قال أمرتك يوم أحيط بعثمان رضي الله
عنه أن تخرج من المدينة فيقتل ولست بها ثم أمرتك يوم قتل ألا تبايع حتى يأتيك وفود
أهل الأمصار والعرب وبيعة كل مصر ثم أمرتك حين فعل هذان الرجلان ما فعلا أن تجلس في
بيتك حتى يصطلحوا فإن كان الفساد كان على يدي غيرك فعصيتني في ذلك كله قال أي بني
أما قولك لو خرجت من المدينة حين أحيط بعثمان فو الله لقد أحيط به وأما قولك لا
تبايع حتى تأتي بيعة الأمصار فإن الأمر أمر أهل المدينة وكرهنا أن يضيع هذا الأمر
وأما قولك حين خرج طلحة والزبير فإن ذلك كان وهناً على أهل الإسلام ووالله ما زلت
مقهوراً مذ وليت منقوصاً لا أصل إلى شيء مما ينبغي وأما قولك اجلس في بيتك فكيف لي
بما قد لزمني أو من تريدني أتريد أن أكون مثل الضبع التي يحاط بها ويقال دباب دباب
ليست ها هنا حتى يحل عرقوباها ثم تخرج وإذا لم أنظر فيما لزمني من هذا الأمر
ويعنيني فمن
ينظر فيه فكف عنك أي بني .[46]
2- قال الطبري ( كتب إليّ السري ) عن شعيب عن سيف عن خالد بن مهران البجلي عن مروان
بن عبد الرحمن الحميسي عن طارق ابن شهاب قال خرجنا من الكوفة معتمرين حين أتانا قتل
عثمان رضي الله عنه فلما انتهينا إلى الربذة وذلك في وجه الصبح إذا الرفاق وإذا
بعضهم يتلو بعضاً فقلت ما هذا فقالوا أمير المؤمنين فقلت ما له قالوا غلبه طلحة
والزبير فخرج يعترض لهما ليردهما فبلغه أنهما فأتاه فهو يريد أن يخرج في آثارهما
فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون آتي علياً فأقاتل معه هذين الرجلين وأم المؤمنين أو
أخالفه إن هذا لشديد فخرجت فأتيته فأقيمت الصلاة بغلس فتقدم فصلى فلما انصرف أتاه
ابنه الحسن فقال أمرتك فعصيتني فتقتل غداً بمصبعة لا ناصر لك فقال علي إنك لا تزال
تحن حنين الجارية وما الذي أمرتني فعصيتك قال أمرتك يوم أحيط بعثمان رضي الله عنه
أن تخرج من المدينة فيقتل ولست بها ، ثم أمرتك يوم قتل ألا تبايع حتى يأتيك وفود
أهل الأمصار والعرب وبيعة كل مصر ثم أمرتك حين فعل هذان الرجلان ما فعلا أن تجلس في
بيتك حتى يصطلحوا فإن كان الفساد كان على يدي غيرك فعصيتني في ذلك كله . قال أي بني
أما قولك لو حرجت من المدينة حين أحيط بعثمان فوالله لقد أحيط بنا كما أحيط به وأما
قولك لا تبايع حتى يأتي بيعة أهل الأمصار فإن الأمر أمر أهل المدينة وكرهنا أن يضيع
هذا الأمر وأما قولك حين خرج طلحة والزبير فإن ذلك كان وهناً على أهل الإسلام
ووالله ما زلت مقهوراً مذ وليت منقوصاً لا أصل إلى شيء مما ينبغي وأما قولك اجلس في
بيتك فكيف لي بما قد لزمني أو من تريدني أتريد أن أكون مثل الضبع التي يحاط بها
ويقال دباب دباب ليست هاهنا حتى يحل عرقوباها ثم تخرج وإذا لم أنظر فيما لزمني من
هذا الأمر ويعنيني فيمن
ينظر فيه فكف عنك أي بني .[47]
3- قال الطبري : حدثني إسماعيل بن موسى الفزاري قال أخبرنا علي بن عابس الأزرق قال
حدثنا أبو الخطاب الهجري عن صفوان بن قبيصة الأحمسي قال حدثني العرني صاحب الجمل
قال : ..... فقام إليه الحسن فبكى فقال له علي قد جئت تحن حنين الجارية فقال أجل
أمرتك فعصيتني فأنت اليوم تقتل بمصبعة لا ناصر لك قال حدث القوم بما أمرتني به قال
أمرتك حين سار الناس إلى عثمان رضي الله عنه ألا تبسط يدك ببيعة حتى تجول جائلة
العرب فإنهم لن يقطعوا أمراً دونك فأبيت علي وأمرتك حتى سارت هذه المرأة وصنع هؤلاء
القوم ما صنعوا أن تلزم المدينة وترسل إلى من استجاب لك من شيعتك قال علي صدق والله
ولكن والله يا بني ما كنت لأكون كالضبع وتستمع للدم إن النبي صلى الله عليه وسلم
قبض وما أرى أحداً أحق بهذا الأمر مني فبايع الناس أبا بكر فبايعت كما بايعوا ثم أن
أبا بكر رضي الله عنه هلك وما أرى أحداً أحق بهذا الأمر مني فبايع الناس عمر بن
الخطاب فبايعت كما بايعوا ثم إن عمر رضي الله عنه هلك وما أرى أحداً أحق بهذا الأمر
مني فجعلني سهماً من ستة أسهم فبايع الناس عثمان فبايعت كما بايعوا ثم سار الناس
إلى عثمان رضي الله عنه فقتلوه ثم أتوني فبايعوني طائعين غير مكرهين فأنا مقاتل من
خالفني بمن اتبعني حتى
يحكم الله بيني وبينهم وهو خير الحاكمين .[48]
4- وروى ابن قتيبة والطبري ... وقام فأتى منزله فدخل عليه الحسن أبنه ، فقال له :
أما والله كنت أمرتك فعصيتني ، فقال له علي : وما أمرتني به فعصيتك فيه ؟ قال :
أمرتك أن تركب زواحلك ، فتلحق بمكة المشرفة ، فلا تتهم به ، ولا تحل شيئاً من أمره
فعصيتني ، وأمرتك حين دعيت إلى البيعة أن لا تبسط يدك إلا على بيعة جماعة ، فعصيتني
، وأمرتك حين خالف عليك طلحة والزبير أن لا تكرههما على البيعة ، وتخلي بينهما وبين
وجههما ، وتدع الناس يتشاورون عاماً كاملاً ، فوالله لو تشاوروا عاماً ما زويت عنك
، ولا وجدوا منك بداً ، وأنا آمرك اليوم أن تقيلهما بيعتهما ، وترد إلى الناس أمرهم
، فإن رفضوك رفضتهم ، وإن قبلوك قبلتهم ، فإني والله قد رأيت الغدر في رؤوسهم ، وفي
وجوههم النكث والكراهية . فقال له علي : أنا إذاً مثلك ، لا والله يا بني ، ولكن
أقاتل بمن أطاعني من عصاني ، وأيم الله يا بني ما زلت مبغياً علي منذ هلك جدك ،
فقال له الحسن : وأيم الله يا أبت ليظهرن عليك معاوية ، لأن الله تعالى قال : (وَمَن
قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا)
[49]
فقال علي : يا بني ، وما علينا من ظلمه والله ما ظلمناه ، ولا أمرنا ولا نصرنا
عليه ولا كتبت فيه إلى أحد سواداً في بياض ، وإنك لتعلم أن أباك أبرأ الناس من دمه
ومن أمره . فقال له الحسن : دع عنك هذا والله إني لا أظن ، بل لا أشك أن بالمدينة
عاتق
[50]
ولا
عذراء ولا صبي إلا وعليه كفل من دمه .
فقال : يا بني إنك لتعلم أن أباك قد رد الناس عنه مراراً أهل الكوفة وغيرهم ، وقد
أرسلتكما جميعاً بسيفيكما لتنصراه وتموتا دونه ، فنهاكما عن القتال ، ونهى أهل
الدار أجمعين . وأيم الله لو أمرني بالقتال لقاتلت دونه ، أو أموت بين يديه . قال
الحسن : دع عنك هذا حتى يحكم الله بين عباده يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون .[51]
5- قال ابن أبي الحديد : خرج طارق بن شهاب الأحمسي يستقبل علياً عليه السلام وقد
صار بالربذة طالباً عائشة وأصحابها ، وكان طارق من صحابة علي عليه السلام وشيعته
قال : فسألت عنه قبل أن ألقاه : وما أقدمه ؟ فقيل : خالفه طلحة والزبير وعائشة
فأتوا البصرة ، فقلت في نفسي : إنها الحرب ! أ فأقاتل أم المؤمنين ! وحواري رسول
الله صلى الله عليه وآله ! إن هذا لعظيم ، ثم قلت : أ أدع علياً ، وهو أول المؤمنين
إيماناً بالله ، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيه ! وهذا أعظم ! ثم
أتيته فسلمت عليه ، ثم جلست إليه ، فقص عليّ قصة القوم وقصته ، ثم صلى بنا الظهر ،
فلما انفتل جاءه الحسن ابنه عليهما السلام ، فبكى بين يديه ، قال : ما بالك ؟ قال
أبكي لقتلك غداً بمضيعة ولا ناصر لك . أما إني أمرتك وعصيتني ، ثم أمرتك فعصيتني
!فقال عليه السلام : لا تزال تحن حنين الأمة ! ما الذي أمرتني به فعصيتك ! قال :
أمرتك حين أحاط الناس بعثمان أن تعتزل ، فإن الناس إذا قتلوه طلبوك أينما كنت حتى
يبايعوك ، فلم تفعل . ثم أمرتك لما قتل عثمان ألا توافقهم على البيعة حتى يجتمع
الناس ويأتيك وفود العرب فلم تفعل . ثم خالفك هؤلاء القوم ، فأمرتك ألا تخرج من
المدينة ، وأن تدعهم وشأنهم ، فإن اجتمعت عليك الأمة فذاك ، وإلا رضيت بقضاء الله .
فقال عليه السلام : والله لا أكون كالضبع تنام على اللدم حتى يدخل إليها طالبها
فيعلق الحبل برجلها ، ويقول لها دباب دباب ، حتى يقطع عرقوباها . وذكر تمام الفصل .
فكان طارق بن شهاب يبكي إذا ذكر هذا الحديث .
[52]
6- قال البلاذري : حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا محمد
ابن أبي أيوب ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب : أن الحسن بن علي قال لعلي : يا
أمير المؤمنين إني لا أستطيع أن أكلمك وبكى فقال علي : تكلم ولا تحن حنين المرأة .
فقال : إن الناس حصروا عثمان فأمرتك أن تعتزلهم وتلحق بمكة حتى تؤب إلى العرب عوازب
أحلامها ورواه أيضا الحاكم في الحديث ( 26 ) من ترجمة أمير المؤمنين من المستدرك :
ج 3 ص 115 ، قال : حدثنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب ، حدثنا يحيى بن أبي طالب ،
حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا العلاء بن صالح ، عن عدي ابن أبي ثابت . عن أبي
راشد قال : لما جاءت بيعة علي إلى حذيفة قال : لا أبايع بعده إلا أصعر أو أبتر .
فأبيت ، ثم قتله الناس فأمرتك أن تعتزل الناس فلو كنت في جحر ضب لضربت إليك العرب
آباط الإبل حتى يستخرجوك ، فغلبتني ، وأنا آمرك اليوم أن لا تقدم العراق ، فإني
أخاف عليك أن تقتل بمضيعة ! ! فقال علي : أما قولك تأتي مكة فوالله ما كنت لأكون
الرجل الذي تستحل به مكة ، وأما قولك حصر الناس عثمان فما ذنبي إن كان بين الناس
وبين عثمان ما كان [ وأما قولك ] اعتزل [ الناس ولا تقدم ] العراق فوالله لا أكون
مثل الضبع أنتظر اللدم .[53]
7- قال ابن شبّة النميري : حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال ، حدثنا أبو عاصم محمد
بن أيوب ، عن قيس بن مسلم ، أنه سمع طارق بن شهاب يقول : خرجت ليالي جاءنا قتل
عثمان رضي الله عنه فأنا أتعرض للدنيا وأنا رجل شاب أظن عندي قتالا فأخرج قلت :
أحضر الناس وأنباءهم ، فخرجت حتى آتي الربذة فإذا علي يؤم العثمة في صلاة العصر ،
فصلى ، وأسند ظهره إلى القبلة واستقبل القوم فقام الحسن ابن علي رضي الله عنه فقال
: يا أمير المؤمنين إني لا أستطيع أن أكلمك وبكى . فقال علي رضي الله عنه : لا تبك
وتكلم ولا تحن حنين الجارية . قال : إن الناس حصروا عثمان رضي الله عنه يطلبونه بما
يطلبون إما ظالمين وإما مظلومين ، فأمرتك أن تعتزل الناس وتلحق بمكة حتى تؤوب إلى
العرب غير آذن لكلامها ، فأبيت ، ثم حصروه فقتلوه ، فأمرتك أن تعتزل الناس ، فو
الله لو كنت في جحر ضب لضربت العرب إليك آباط الإبل حتى تستخرج منه ، فغلبتني ،
وأنا آمرك اليوم أن لا تقدم العراق ، وأذكرك الله أن تقتل بمضيعة . فقال علي رضي
الله عنه : أما قولك تأتي مكة ، فو الله ما كنت لأكون الرجل تستحل به مكة ، وأما
قولك حصر الناس عثمان ، فما ذنبي إن كان بين الناس وبين عثمان ما كان . وأما قولك
اعتزل العراق ، فو الله ما كنت لأكون مثل الضبع تستمع للدم .[54]
8- وقال ابن شبّة النميري : حدثنا حيان بن بشر قال ، حدثنا يحيى بن آدم قال ، حدثنا
جعفر بن زياد ، عن أم الصيرفي ، عن صفوان بن قبيصة ، عن طارق بن شهاب قال : لما قتل
عثمان رضي الله عنه قلت : ما ينتهي بالعراق وإنما الجماعة بالمدينة عند المهاجرين
والأنصار ، فخرجت فأخبرت أن الناس قد بايعوا عليا رضي الله عنه ، فانتهت إلى الربذة
وإذا علي رضي الله عنه يقرأ ، فرضع له رحل فقعد عليه فكان كقيام الرحل ، فتكلم فحمد
الله وأثنى عليه ثم قال : إن طلحة والزبير بايعا طائعين غير مكرهين ، ثم أرادا أن
يفسدا الأمر ويشقا عصا المسلمين ، وحرض على قتالهم ، فقام الحسن بن علي رضي الله
عنه فقال : ألم أقل لك إن العرب ستكون لها جولة عند قتل هذا الرجل ، فلو أقمت بدارك
التي أنت بها - يعني المدينة - فإني أخاف عليك أن تقتل بحال مضيعة لا ناصر لك .
فقال علي رضي الله عنه : اجلس فإنما تحن كما تحن الجارية ، فو الله لا أجلس في
المدينة كالضبع يستمتع اللدم ، لقد ضربت هذا الأمر ظهره وبطنه ورأسه وعينيه فما
وجدت إلا السيف أو الكفر
[55]
.
9- وروى البلاذري قال :قال علي لابنه الحسن – ورآه يتوضأ - : أسبغ الوضوء . فقال :
قد قتلتم أمس رجلاً ( كذا ) كان يسبغ الوضوء . فقال علي : لقد أطال الله حزنك على
عثمان !!![56]
10-ورواه أيضاً في ترجمة عثمان ج5 ص81 في السطر 3 عكساً قال : ( روى ) المدائني عن
أبي جزى ، عن قتادة قال : رأى علي الحسن عليهما السلام يتوضأ فقال له : أسبغ الوضوء
. فقال الحسن : لقد قتلت رجلاً كان يسبغ الوضوء لكل صلاة . فقال علي : لقد طال حزنك
على عثمان !!![57]
هذه مجموع الروايات التي يمكن أن يستدل بها على هذه التهم والشبهات حول الإمام
الحسن عليه السلام .
والنتيجة من هذه الروايات
التهم التالية
1- أن الإمام الحسن عليه السلام يتهم أباه بقتل عثمان . وهذه تهمة خطيرة .
2- أن الإمام الحسن ( عليه السلام ) عثماني الهوى بل ورأيه مع عثمان وقد بكى عليه
وحزن حزناً شديداً .
3- أن الإمام الحسن (عليه السلام) الابن أعرف بعواقب الأمور من أبيه علي (عليه
السلام) ويترقب له القتل .
4- الأب يشبه الابن بالجارية التي لا موقف لها .
5- الابن يأمر الأب بعدم تواجده في المدينة وقت الفتنة والأب لم يطع ذلك .
وفي رواية ابن قتيبة يرى الابن أن الأب في موضع تهمة في قتل الخليفة الثالث .
6- الابن ينهى الأب عن قبول البيعة حتى يجتمع كل الأمصار .
7- الابن يأمر الأب بالجلوس في البيت عندما نكث طلحة والزبير البيعة . والأب يرفض
ذلك .
8- وفي الرواية الثانية للطبري ، الابن يأمر الأب أن لا يخرج لحرب الجمل وإنما يلزم
المدينة ويرسل بعض شيعته .
9- الابن يرى أن الأب أكره طلحة والزبير على البيعة . كما في رواية ابن قتيبة .
10- الابن يأمر الأب أن يقيل طلحة والزبير من البيعة . كما في رواية ابن قتيبة .
11- الابن يأمر الأب أن يفسخ البيعة كلها ويرد إلى الناس أمرهم . كما في رواية ابن
قتيبة .
12- الابن يرى أن معاوية ولي الدم للخليفة الثالث وأنه سينتصر على علي (عليه
السلام) واستشهد الابن بقوله تعالى : (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا
لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) الإسراء : 33
13- الابن يرى أن كل أهل المدينة شركاء في دم الخليفة الثالث حتى النساء العذارى
والصبيان ويتهم أباه معهم . كما في رواية ابن قتيبة .
14- إن الأب دافع عن نفسه أمام الابن وأوامره ونصائحه بكل حرارة وقوة ، وصار ينفي
اتهامه بمشاركته في قتل الخليفة ، ولكن الابن المتشدد والعنيد في موقفه لم يقبل
أعذار أبيه ودفاعه وبقي مصراً على رأيه .
هذه خلاصة الخزعبلات التي تُصور الحسن (عليه السلام) من أكبر العاقين لأبيه ومن
أكبر المنحرفين ليس عن أبيه فحسب بل عن الإسلام وتُصور علي بن أبي طالب (عليه
السلام) الشخصية الضعيفة التي لا خبرة لها بالحرب والأمور الإدارية والسياسية
ويتهالك على الدنيا والمناصب والشهرة . هذا هو علي الموجود في هذه الروايات وهذا هو
الحسن بن علي الموجود في هذه الروايات . ولكنهما غير علي بن أبي طالب (عليه السلام)
نفس النبي وابن عمه (صلى الله عليه وآله) ووصيه وزوج ابنته وأبو ولديه .
نعم غير علي بن أبي طالب (عليه السلام) الواقعي ، وغير الحسن بن علي (عليه السلام)
سبط النبي (صلى الله عليه وآله) والذي تربى في حجر النبوة ورضع من ثدي الإمامة ،
ومن أولى من الإمام الحسن (عليه السلام) أن يعرف حق الأب على ابنه بل وأعرف بأبيه
من غيره .
الجواب :لابد من مناقشة هذه الرويات :
1-من حيث السند . 2- من حيث المتن .
سند هذه الروايات :
وهذه الروايات من حيث السند ترجع إلى طائفتين :
الطائفة الأولى : رواية الطبري الأولى ترجع إلى سيف بن عمر والذي ذكرها في كتابه (
الفتنة وحرب الجمل ) وكذلك رواية ابن أبي الحديد مرسلة ومضمونها هي رواية سيف ،
وكذلك رواية ابن قتيبة مرسلة وهي وإن كانت أكثر تفصيلاً من رواية سيف إلا أنها ترجع
إليها .
الثانية : رواية الطبري الثانية والتي ذكر لها سنداً آخر غير سند الأولى .
مع رواية أبن شبة النميري .
أما الطائفة الأولى :
فروايتان مرسلتان وهما رواية ابن أبي الحديد وابن قتيبة ولا اعتبار بهما .
ورواية الطبري ترجع إلى رواية سيف بن عمر ، وسندها من أضعف الأسانيد على وجه الأرض
.
فالسري : ضعيف سواء كان هو السري بن إسماعيل الهمداني أو كان السري بن عاصم
الهمداني فقد ضعفهما علماء الرجال .[58]
وأما سيف بن عمر التميمي : فقد أجمع علماء الجرح والتعديل على ضعفه ووصفوه أنه
كذّاب ، وضّاع ، زنديق ، يقلب الأسانيد ، متهم في دينه
[59]
وكذلك شعيب بن إبراهيم الكوفي مجهول لا يمكن أن يعول عليه
[60].
الرواية الثانية للطبري :
وسندها كما يلي :
1-إسماعيل بن موسى الفزاري : ثقة .
2-علي بن عابس الأزرق : ضعيف .
ضعفه يحيى بن معين
[61]
والبخاري
[62]
والعقيلي
[63]
وعبد الرحمن بن أبي حاتم
[64]،
وأبو داود[65]
والجوزجاني والنسائي وأبو الفتح الأزدي[66]
، وابن حبان
[67]،
وابن حجر[68]
والهيثمي[69]
والسعدي[70]
والذهبي[71]
والمزي[72]
.
3-أبو الخطاب الهجري : مجهول الحال .
قال
ابن حجر : مجهول
[73].
4-صفوان بن قبيصة الأحمسي : أبو قبيصة .
مجهول
الحال . قال أبو حاتم الرازي : هو مجهول
[74].
وقال
الذهبي : مجهول
[75]،
وقال البخاري : أبو قبيصة لا أدري من هو
[76].
نعم
ذكره ابن حبان في الثقات
[77]وهو
كما ترى إذا تفرد بالقول . لا يأخذون بقوله .
أما روايتا ابن شبة :
الرواية الأولى منها سندها كما يلي :
1-أبو نعيم الفضل بن دكين .
2-أبو عاصم محمد بن أيوب .
3-قيس بن مسلم .
4-طارق بن شهاب .
سند الرواية على مبنى العامة لا بأس بها . إذا سلمت من السقط فإنه بين ابن شبة وبين
طارق بن شهاب فيها ثلاث وسائط بينما في الرواية الثانية بينهما خمس وسائط . فيحتمل
السقط فيها . فالنتيجة أنه لا يمكن التعويل عليها .
الرواية الثانية :
في سندها صفوان بن قبيصة أو قبيصة وقد تقدم ضعفه .
فهذه الروايات كلها ساقطة من حيث السند ما عدى رواية ابن شبة الأولى على بعض
الاحتمالات .
وأما من حيث المتن : فهذه الروايات تنطوي على عدة دعاوى متعددة :
الجواب :عن
الدعوة الأولى : أن الإمام الحسن يتهم أباه بقتل عثمان .
الثانية :
أن الإمام الحسن عليه السلام عثماني الهوى .
فإن الروايات قد تضافرت على أن الإمام لم يشارك في قتله حسب تصريح الإمام نفسه عليه
السلام .والتاريخ أكثر شاهد على ذلك فبعد أن ذكر ابن شبة وابن عساكر وغيرهما
الروايات التي تتهم الإمام علي بذلك فكأن ابن شبة لم يرتضِ هذا الاتهام فعقد باباً
أورد فيه عدداً من الروايات عن أمير المؤمنين عليه السلام في البراءة من دم عثمان
وإليك بعضها :
1-حدثنا محمد بن حاتم قال ، حُدّثْنَا عن عمر بن سعيد ابن أبي حسين قال ، حدثني عبد
الكريم أبو أمية قال ، سمعت جابر بن زيد أبا الشعثاء يقول ، حدثني مَن سَمعَ علياً
رضي الله عنه يقول : والله ما أحببت قتل عثمان رضي الله عنه ، ولا أمرت به ، ولكن
بني عمي لاموني وزعموا أني صاحب ذلك ، فاعتذرت إليهم فأبوا أن يقبلوا عذري ، ثم
اعتذرت فأبوا أن يقبلوا فعندت فصمَتّ ، قال : فسألته ، فقال : يقول
أتضرع
إليهم ولا يقبلون فصمَتّ
[78].
2-حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا خلاد بن أبي عمر والأعمى قال : سمعت محمد بن
سيرين يقول : إن أناساً من أصحاب علي رضي الله عنه قالوا له : إنك تبرأ من قتل
عثمان ونحن نقاتل ، فقام فيهم قائماً فقال : إنكم تزعمون أني أبرأ من قتل عثمان ،
وإن الله قتل عثمان وأنا معه . فقال محمد بإصبعه هكذا :
على
الوجهين
[79].
3-حدثنا أبو عاصم ، عن مسلمة بن النعمان قال ، حدثني معبد مولى علي ، والحدثان بن
عطية الليثيان قالا ، حدثنا بشر ابن عاصم ، وعبدالله بن فضالة : أن علياً رضي الله
عنه لما قدم البصرة دخلوا عليه فجعل الناس قريش وغيرهم (الكلام[80])
إلى عبيد الله بن فضالة . فتكلم فحمد الله وأثنى عليه وذكر ، ثم قال :
أما بعد فإن[81]
قريشاً والناس ترجع إليك إمرة الناس ، وأبرأ من قتل عثمان . ثم سكت . فقال علي
رضي الله عنه : هل فيكم من متكلم ؟ قالوا : لا . قال : أبا الحقين المعذرة أبا
الحقين المعذرة ، الله قتله وأنا
معه
[82].
4-حدثنا موسى بن مروانة الرقي قال ، حدثنا عمر بن أيوب ، عن جعفر بن برقان ، عن
يزيد بن الأصم قال : خرج معاوية رضي الله عنه في موكب ممن يطلب للعقد حاجاً ، فذكر
ابن عباس رضي الله عنهما عثمان رضي الله عنه فقال : أعان عليه علي . قال يزيد فقلت
: أليس كان علي يقول : الله قتله وأنا
معه . قال فانتهرني ابن عباس رضي الله عنهما فقال : ما يدريك ما كان يعني قوله
[83].
5-حدثنا عبد الله بن رجاء قال ، أنبأنا إسرائيل ، عن ليث ، عن طاووس ، عن ابن عباس
رضي الله
عنهما
قال : سمعت علياً رضي الله عنه يقول : والله ما قتلت ولا أمرت ولكن غلبت
[84].
6-حدثنا أحمد بن يونس قال ، حدثنا زائدة قال ، حدثنا ليث ، عن طاووس – أو مجاهد –
قال زائدة : هو عن أحدهما – عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال علي رضي الله عنه
: والله ما أمرت ، ووالله ما
قتلت ولكن غلبت
[85].
7-حدثنا ( عمرو بن محمد ، عن إسحاق بن يونس الأزرق ، عن مسعر بن كدام ، عن عبد
الكريم ، عن طاووس ، عن ابن عباس قال : أشهد على علي أنه قال في قتل عثمان : لقد
نهيت عنه
[86] ولقد كنت له كارهاً ولكن غلبت
[87].
8-حدثنا أبو داوود قال ، حدثنا زمعة ، عن ابن طاووس ، عن طاووس ، عن عباس رضي الله
عنهما قال : قال علي رضي الله عنه في عثمان ثلاثاً نهيتهم عن قتله ، وكنت كارهاً
لقتله ولكن غلبت عليه
[88].
9-حدثنا يزيد بن هارون قال ، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن حصين بن الحارث ، عن
سرية بنت زيد بن أرقم قالت : دخل علي على زيد بن أرقم يعوده ، فخاضوا في الحديث ،
فقال علي رضي الله عنه : سلوني عما شئتم ، فلا تسألون عن شيء إلا أنبأتكم به ، فقال
له زيد بن أرقم : نشدتك بالله ، أنت قتلت عثمان ؟ فنكس رأسه ثم رفعه فقال : لا
والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما قتلت عثمان ولا ( أمرت بقتله )
[89].[90]
10-حدثنا أبو عاصم وحبان بن هلال قالا ، حدثنا جويرية بن بشير قال ، حدثنا أبو خلدة
– زاد حبان حنظلة ، قال : سمعت علياً رضي الله عنه يخطب الناس فعرض بذكر عثمان رضي
الله عنه في خطبته – قالا جميعاً في حديثهما – قال : إن الناس يزعمون أني قتلت
عثمان ، فلا والذي لا إله إلا هو ما قتلته ، ولا
مالأت على قتله ولا ساءني
[91].
11-حدثنا سلم بن إبراهيم قال ، حدثنا جميل بن عبيد الطائي قال : سمعت أبا خلدة
الحنفي يقول : سمعت علياً رضي الله عنه وهو على المنبر يقول : ما أمرت ولا نهيت ولا
سرني ولا ساءني قتل عثمان رضي
الله عنه
[92].
12-حدثنا محمد بن حميد قال ، حدثنا هارون بن المثنى قال ، حدثنا الجراح ، عن
عبدالله بن عيسى ، عن جده عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال : رأيت عبد الرحمن بن أبي
ليلى قال ، رأيت علياً رضي الله عنه
خرج من منزل رجل من الأنصار وهو يقول : اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان
[93].
13-حدثنا حيان بن بشر قال ، حدثنا يحيى بن آدم قال ، حدثنا شريك ، عن عبدالله بن
عيسى ، عن عبد الرحمن بن أبي قال : رأيت علياً رضي الله عنه رفع يديه – أو قال
إصبعيه – وقال : اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان
.
14-حدثنا محمد بن الصباح قال ، حدثنا إسماعيل بن زكريا ، عن عاصم الأحول ، عن أبي
عبدالله العنزي ، وعن أبي زرارة الشيباني قالا : نشهد بالله على علي شهادة يسألنا
عنها ، فقد شهدنا شاهدة ، لقد
سمعناه يقول : والله ما قتلت عثمان ، ولا أمرت ، ولا شركت ولا رضيت
[95].
15-حدثنا حيان بن بشر قال ، حدثنا يحيى بن آدم قال ، حدثنا أبو شهاب قال ، حدثنا
عاصم الأحول قال ، حدثنا شيخان سنة ست وثمانين أحدهما يكنى أبا زرارة قالا : نشهد
على علي رضي الله عنه أنه قال :
اللهم لم أقتل ، ولم آمر ، ولم أشرك ، ولم أرض في قتل عثمان
[96].
16-حدثنا عبدالله بن رجاء قال ، أنبأنا محمد بن طلحة ، عن أبيه طلحة ، عن نميرة قال
: كنا جلوساً
مع علي رضي الله عنه على شط الفرات فبدت سفينة فقال " وله الجوار المنشآت في البحر
كالأعلام[97]
" ثم أخذ عوداً فنكث به ساعة ثم نكس رأسه ، ثم رفع رأسه قال : والله ما قتلت عثمان
، ولا مالأت على
قتله ، والله ما قتلت عثمان ولا مالأت علي قتله
[98].
17-حدثنا محمد بن حاتم قال ، حدثنا شجاع بن الوراق ، عرار بن عبدالله ، عن عميرة بن
سعد اليامي قال : كنت مع علي رضي الله عنه عند شط الفرات فأقبلت سفن فقال " وله
الجوار المنشآت في البحر
كالأعلام
[99]" والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله .[100]
18-حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا أبو هلال عن قتادة ، عن الحسن قال : قتل
عثمان رضي الله
عنه وعلي رضي الله عنه في أرض له فقال : اللهم لم أرض ولم أمالئ .[101]
19-حدثنا هارون بن عمر قال ، حدثنا ضمرة ، عن أبي شوذب ، عن الحسن قال : لما بلغ
علياً رضي الله عنه قتل عثمان استقبل القبلة ثم قال : اللهم لم أرض ولم أملئ .[102]
20-حدثنا هارون بن عبدالله قال ، حدثنا عبد الرزاق عن معمر ، عن طاووس ، عن أبيه ،
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سمعت علياً رضي الله عنه يقول : والله ما أمرت ،
ولا قتلت ، ولكن غلبت .[103]
21-حدثنا
محمد بن سنان ، ومحمد بن عبد الله بن الزبير قالا ، حدثنا شريك ، عن عبدالله بن
عيسى ، عن ابن أبي ليلى ، قال ، ابن سنان عن جده عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : رأيت
علياً رضي الله عنه عند أحجار الزيت رافعاً يديه ماداً إصبعيه وهو يقول : اللهم إني
أبرأ إليك من دم عثمان قال فذكرت ذلك لعبد الملك بن مروان فقال : ما أرى له ذنباً
[104].
هذه جملة من الروايات التي ذكرها ابن شبة والتي ينفي الإمام أنه قتل عثمان اقتصرنا
عليها وقد ذكر روايات أخرى تركناها مخافة التطويل .
الجواب الثاني عن دعوى أن الإمام الحسن يتهم أباه بقتل عثمان
لو أردنا أن نقف قليلاً عند هذا الاتهام وهذه الفرية وبغض النظر عن كوننا شيعة
للإمام الحسن عليه السلام وأننا نعتقد بعصمته ، وإنما ننظر إلى ابن مع أبيه فقط
فنقول :
أولاً
: الرواية رواها البلاذري في كتابه ( الأنساب ) مرة مرسلة وأخرى ينقلها عن المدائني
أحد الرواة للتاريخ علي بن محمد المدائني أبو الحسن ولد 132 وتوفي 224 هـ صاحب
الأخبار والتآليف الكثيرة ، اختلف في وثاقته وعدمها ، فقال ابن عدي : ( ليس بالقوي
)[105]
والذهبي تضارب رأيه فيه فمرة ذكره في المغني في الضعفاء قال صدوق ثم نقل قول ابن
عدي فيه ومثله في الميزان . بينما مدحه ووثقه في سيره
[106].
تضعيف المدائني
علي بن محمد بن عبدالله بن أبي سيف أبو الحسن المدائني مولى عبد الرحمن بن سمرة ليس
بالقوي في الحديث وهو صاحب الأخبار ، وأبو الحسن المدائني هو صاحب أخبار معروف
بالأخبار وأقل ما له من للروايات المسندة وهذا الحديث هو يرويه بهذا الإسناد .[107]
علي بن محمد ، أبو الحسن المدائني الأخباري ، صاحب التصانيف . ذكره ابن عدي في
الكامل فقال : علي بن محمد بن عبدالله بن أبي سيف المدائني مولى عبد الرحمن بن سمرة
. ليس بالقوي في الحديث ، وهو صاحب الأخبار ، قل ما له في الروايات المسندة .
قلت : روى عنه الزبير بن بكار ، وأحمد بن زهير ، والحارث بن أبي أسامة ، وقال أحمد
بن أبي خيثمة : كان أبي وابن معين مصعب الزبيري يجلسون على باب مصعب ، فمر رجل على
حمار فاره وبزة حسنة فسلم وخص بسلامه يحيى ، فقال له : يا أبا الحسن : إلى أين ؟
قال : إلى دار هذا الكريم الذي يملأ كمي دنانير ودراهم : إسحاق الموصلي . فلما ولى
قال يحيى : ثقة ثقة ثقة . فسألت أبي من هذا ؟ فقال : هذا المدائني .
مات المدائني سنة أربع أو خمس [ وعشرين] ومائتين عن ثلاث وتسعين سنة .[108]
(علي) بن محمد أبو الحسن المدائني الاخباري صاحب التصانيف ذكره ابن عدي في الكامل
فقال : علي بن محمد بن عبدالله بن أبي سيف المدائني مولى عبدالرحمن بن سمرة وليس
بالقوي في الحديث وهو صاحب الأخبار قل ماله من الروايات المسندة .
قلت : روى عنه الزبير بن بكار وأحمد بن زبير والحارث بن أبي أسامة فقال : أحمد بن
أبي خيثمة كان أبي ويحيى بن معين ومصعب الزبيري يجلسون على باب مصعب فمر رجل على
حمار فاره وبزة حسنة فسلم وخص بسلامه يحيى فقال له يا أبا الحسن إلى أين قال إلى
دار هذا الكريم الذي يملأ كمي دنانير ودراهم ( إسحاق الموصلي ) فلما ولى قال يحيى :
ثقة ثقة ثقة . فسألت أبي من هذا فقال : هذا المدائني .
مات المدائني سنة أربع وعشرين ومائتين أو سنة خمس وعشرين ومائتين عن ثلاث وتسعين
سنة .
وقد سهى قلم العلامة القرشي فقال علي بن عبدالله البصري بل عبدالله جده فهو علي بن
محمد بن عبدالله المدائني .[109]
فحينئذ الرواية التي اعتمد عليها الدكتور طه حسين تسقط من أساسها ، لأن الراوي لها
المدائني وهو غير ثقة ، فلا يمكن الأخذ بها ، هذا أولاً .
وثانياً
: بغض النظر عن كون الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إمام معصوم وهو صاحب
الولاية والخلافة العامة ، ويجب على الإمام الحسن عليه السلام أن يطيعه ، بغض النظر
عن ذلك لو فرضنا أنه ابن مع أبيه ، هل يليق بالابن أن يؤنب أباه بهذه اللهجة وبهذا
الاتهام ؟ وهذا اتهام غير بسيط ، لأن هذا الكلام – أن الحسن يتهم أباه بقتل عثمان –
وعثمان الخليفة الثالث للمسلمين و الذي يعترفون به .
فإذا كان الإمام الحسن عليه السلام هو الذي يشهد على أبيه بأنه قتل عثمان فهذا لا
يتناسب مع سائر الأبناء مع آبائهم فضلاً عن الإمام الحسن مع الإمام أمير المؤمنين .
بالإضافة ، سوف يأتي في طيات البحث على أنهم يدعون أن الإمام الحسن كان يدافع عن
عثمان بأمر أبيه ، إن أباه أمره أن يدافع عن عثمان لما حوصر وأراد الصحابة أن
يقتلوه ، يدعي البعض أن علي بن أبي طالب عليه السلام قد أمر ابنه الإمام الحسن عليه
السلام أن يدافع عن عثمان ، حينئذ كيف يتناسب هذا الكلام مع اتهام الإمام الحسن من
أن أباه هو الذي قتله وهذا من ناحية عملية إتهام غير صحيح .
الأمر الثالث : نصيحة الإمام لعثمان وموقفه من قتله :
الإمام علي عليه السلام لما نظر إلى ما حل بعثمان في آخر حياته جاءه وأبدى نصيحته
له وذكره بالعواقب الوخيمة من تصرفاته في بيت المال وتولية بني أمية وبقية الأسباب
التي يؤاخذ عليها[110]
، بل ودافع عنه في أحلك الظروف الحرجة فقال عليه السلام : ( والله ، لقد دفعت عنه
حتى خشيت أن أكون آثما )[111]
وقال عليه السلام : ( والله ما قتلت عثمان ، ولا مالأت على قتله )[112]
وقال عليه السلام : - حول مقتل عثمان – ( لو أمرت به لكنت قاتلاً أو نهيت عنه لكنت
ناصراً غير أن من نصره لا يستطيع أن يقول : خذله من أنا خير منه ، ومن خذله لا
يستطيع أن يقول : نصره من هو خير مني . وأنا جامع لكم أمره ، استأثر ، فأساء
الأَثَرَة ، وجزعتم ، فأسأتم الجزع ، ولله حكم واقع في المستأثر والجازع )
[113].
والخلاصة
: أن الإمام أمير المؤمنين (ع) يصرح أنه قال : أنا لم آمر بقتله كما لم أنهى أيضاً
عن قتله ، وإنما الذي كان سبب قتله هو أعماله التي قام بها ، في تصرفه في بيت المال
والولاة وما شاكل ذلك ، فالصحابة نقموا عليه ومن جملتهم عمار بن ياسر ومحمد بن أبي
بكر ابن الخليفة الأول فأقدموا على قتله
[114]
، والإمام أمير المؤمنين عليه السلام كما تقدم تفصيله في آخر الأمر : أن موقفه كان
موقفاً حيادياً لم يأمر بالقتل كما أنه لم يمانع أولئك وإنما ترك القضية على حالها
فحصل ما حصل ، فحينئذ يكون موقف الإمام أمير المؤمنين يتنافى مع التصريح الذي قد
ذكره الدكتور / طه حسين عن الإمام الحسن .
هذه هي التهمة الثانية ، و هذه التهمة ليس لها أساس من الصحة لا من حيث السند
تاريخياً ولا من الناحية الأخلاقية ولا من الناحية العقلية فحينئذ تكون هذه التهمة
باطلة .
قال المحمودي معلقاً على رواية إسباغ الوضوء :
المشهور أن هذه المحاورة جرت بين أمير المؤمنين عليه السلام والحسن البصري حينما مر
عليه بالبصرة وهو يتوضأ ، فقال له : أسبغ الوضوء ... ولكن كلاهما باطل لا سيما ما
ذكره البلاذري ها هنا ، وفي ترجمة عثمان .
أما أولاً
: فلأن ما ذكره في الموردين غير واجد لشرائط الحجية والقبول ، لأن ما ذكره هنا مرسل
لا يعلم أن رواته أية رهط . ولعلهم من عفاريت النواصب !!! وكذا ما ذكرناه عن ترجمة
عثمان أيضاً مختل القواعد ، لأن قتادة المولود سنة (61) لم يدرك المحاورة بشخصه ،
فلو صدق أنه ذكر هذا ، فلابد أن يكون ناقلاً عمن كان حصر المحاورة أو ممن سمع ممن
حضرها ، ولم يذكره في السند ، فلعله بعض نماردة بني أمية الذين أسسوا سب أمير
المؤمنين وأهل بيته ( ثمانين سنة ) في أرجاء العالم الإسلامي ويؤيد ذلك أنه عاش في
أيام اهتضام أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم وأيام ارتقاء آل أمية - ومن يهوى هواهم
– على أريكة التفرعن والجبروت فكانوا بالجبروت واستخدام دعات السوء يشوهون الحقائق
ويموهون الأباطيل بلا مزاحم ولا معارض ، ودام ذلك إلى أوائل دولة بني العباس فاشتبه
الأمر على كثير من أهل البصر والبصيرة فكيف بقتادة المسكين الذي ولد أكمه ؟!
ويؤيد ذلك ما نقله في ترجمة قتادة من تهذيب التهذيب ج 8 ص 353 عن الشعبي أنه قال إن
قتادة حاطب ليل .
وكذا ما نقله عن عمرو بن العلاء قال : كان قتادة وعمرو بن شعيب لا يغث عليهما شيء
يأخذان عن كل أحد !!! وإن تأملت ما ذكره أيضاً في الترجمة عن ابن حبان من أنه قال :
كان مدلساً على قدر فيه ؟! تستيقن أنه لا قيمة لما يرويه أمثاله إلا في صورة تشهد
القرائن الخارجية بصدقه !!!
ثم إن أبي جزي الراوي عن قتادة أيضاً لم يعرف من هو ؟ كما أن المدائني أيضاً غير
مقبول عند بعضهم .
وأما ثانياً : فلأن الحسن عليه السلام كان شاهداً أن أباه كان ينهى عن قتل عثمان وكان
بمعزل عن قاتليه . ورووه عنه أنه أرسل الحسن والحسين لنصر عثمان ، فكيف يصح مع هذا
أن يقال : إن الحسن قال لأبيه : قد قتلتم رجلاً بالأمس كان يسبغ الوضوء !!! لا سيما
قوله – بزعم المختلق – المذكور في ترجمة عثمان : ( لقد قتلت رجلاً كان يسبغ الوضوء
) ؟ وهذه قرينة قطعية على أن الرواية من مفتريات آل أمية وشيعتهم !!!!
[115]
التهمة الثانية : أنه
عثماني الهوى
من التهم التي ألصقت بالإمام الحسن أنه عثماني الهوى يعني عقيدته عثمانية على غرار
عثمان بن عفان . هذه التهمة – أنه عثماني الهوى – زجت في التاريخ بشكل واضح ، ولعل
جملة من المؤرخين القدماء ذكروها ثم بعد ذلك تداولها المؤرخون المتأخرون .
والمتأخرون كثيراً ما يعتمدون في قضاياهم على المصادر المتقدمة فيأخذونها على أنها
من الأمور المسّلمة .
اعتمد هذه الفرية الدكتور طه حسين ، والدكتور طه حسين هو أحد المشهورين في مصر وقد
احتل كرسي الأدب العربي مع أنه مكفوف البصر ، وكثيراً ما يكتب بأسلوب أدبي وشعري
وقصصي دون عملية التحقيق ، وقل أن يذكر مصادره عندما يريد أن يتحدث .
الدكتور / طه حسين له كتاب (الفتنة الكبرى ) تحدث في الجزء الأول عن عثمان ، وفي
الجزء الثاني عن علي (ع) وأبنائه ، فأسمى الجزء الأول عثمان والجزء الثاني علي
وبنوه . الدكتور / طه حسين تحدث في الجزء الثاني حول الإمام الحسن كما تحدث عن
الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وتعرض إلى عقيدته وقال : إن الحسن بن علي عندما
قُتل عثمان حزن حزناً شديداً وكان متألماً وغير راضٍ بمقتله ، ثم قال بما مضمونه
على أن الحسن بن علي على نحو التحقيق أنه عثماني الهوى يعني أن الإمام الحسن انتهج
نفس الطريقة التي اتخذها عثمان و يهوى عثمان ، وأورد رواية أنه مر علي بن أبي طالب
على الحسن فقال له : أسبغ الوضوء يعني توضأ ، فالتفت الحسن بن علي إلى أبيه وقال له
: بالأمس قتلتم رجلاً كان يسبغ الوضوء – يعني عثمان – فمعناه أن الإمام الحسن كان
موقفه مخالفاً لموقف أبيه أو كان معارضاً له .
والجواب : عن هذه الشبهة قد تقدم في الجواب الثاني عن الشبهة الأولى فإن الرواية
لمصدر هذه الشبهة رواية ضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها .
التهمة الثالثة
التهمة الثالثة التي يتهم بها الإمام الحسن هو ما ذكرناه – فيما تقدم - من أن
الإمام الحسن عليه السلام كان موقفه – لما حوصر عثمان – الدفاع عن عثمان ، فهل أن
هذا صحيح ؟ من أن الإمام الحسن كان يدافع عن عثمان وبأمر من أبيه أيضاً ؟ وأن أباه
أمره أن يدافع عن عثمان ؟ لما نستعرض هذه القضية نراها من الروايات التي ليس لها
أساس من الصحة وذلك :
أولاً
: لما ذكرناه وأشرنا إليه سابقاً من أن الإمام أمير المؤمنين (ع) كان موقفه من
عثمان في البداية موقف الناصح والمدافع ثم كان موقفه موقفاً حيادياً لأنه كاتب
عثمان وتعهد عثمان للصحابة بعدة تعهدات على أن يتراجع عن موقفه وأن يبدل من سيرته
إلا أنه لم يستمر على ذلك ، فبعد المحاورة والمكاتبات بينه وبين الإمام أمير
المؤمنين (ع) ترك الإمام القضية وصار معذوراً .
وثانياً
: والإمام الحسن عليه السلام لا يمكن أن يخرج عن طاعة أبيه البتة ، لأنه يراه هو
الإمام الشرعي بعد رسول الله (ص) فحينئذ هذه الرواية أيضاً ساقطة ولا يمكن الأخذ
بها.
ثالثاً
: الأمر الذي يسقط اعتبار هذه الرواية وهذه التهمة على أن المتصدين لقضية عثمان
والثائرين عليه إنما كانوا هم كبار الصحابة ، مثل عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر
وأعيان الصحابة من المهاجرين والأنصار ، وحينئذ كيف يتمكن الإمام الحسن عليه السلام
أن يقف أمام وجوه كبار الصحابة ، لا يمكن أن يقف أمامهم ومن جملتهم عمار بن ياسر ،
وعمار بن ياسر بينه وبين الإمام أمير المؤمنين عليه السلام صلة قوية بل بينه وبين
الإمام الحسن كذلك لأنه كان مصاحباً له في حرب صفين وعند التهيؤ للحرب ، في صفين
كان الإمام الحسن عليه السلام وعمار بن ياسر كانا من أول المتقدمين وكانا يخطبان في
الناس ويحثونهم على الجهاد ، عندها لا يكونا مختلفين فحينئذ هذه التهمة لا أساس لها
من الصحة .
التهمة الرابعة
التي يتهم بها الإمام الحسن عليه السلام ، يوم البيعة الظاهرية للإمام
أمير المؤمنين عليه السلام البيعة الأولى كانت يوم غدير خم في اليوم الثامن عشر من
ذي الحجة ، والثانية : بعد أن قتل عثمان جاء الناس إلى أمير المؤمنين يريدون أن
يبايعوه بالخلافة . الاتهام الذي يلصق بالإمام الحسن هو أن الإمام الحسن كان موقفه
من أبيه موقف الناقد المعارض ، وأشار على أبيه أن لا يتصدى للخلافة وأن لا يمد يده
للبيعة . هذه الرواية طبعاً ساقطة تاريخياً كما سنشير إليه في الشبهة الخامسة ، لأن
هذه الشبهة والشبهة الخامسة مرتبطة برواية واحدة تاريخياً فالجواب عنهما واحد .
الشبهة الخامسة
هو يوم خروج طلحة والزبير على الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في حرب الجمل .
الاتهام الذي يتهم به الإمام الحسن ، أنه كان معارضاً لأبيه في البيعة وعندما خرج
طلحة والزبير على الإمام أمير المؤمنين ونكثا البيعة ، صار الحسن يؤنب أباه ويقول
له : ( أمرتك فعصيتني لماذا أنت تصديت للبيعة ولماذا أنت خرجت لما خرج طلحة والزبير
) ؟
الجواب :
هذه رواية طويلة تتعرض إلى يوم البيعة وإلى خروج طلحة والزبير وغيرها من القضايا
نأتي عليها وعلى دراستها .
الرواية يرويها الطبري في تأريخه وكما تعلمون أن الطبري من أقدم المؤرخين للمسلمين
وهو قد عاش في أوائل القرن الرابع الهجري وألف كتابه ( تاريخ الأمم والملوك ) وأكثر
المؤرخين المتأخرين قد أخذوا منه إلى يومنا هذا وهو من أشهر الكتب التاريخية . هذا
الكتاب كان يتحدث عن التاريخ وبالأخص فترة صدر الإسلام فترة الرسول والخلفاء وبني
أمية وبني العباس .
الطبري كان كبقية المؤرخين يجمع الغث والسليم في كتابه ولكن الطبري حصل منه - سواء
كان عن دراية أو جهل – خطأ كبير في اعتماده على راوية معين أسمه ( سيف بن عمر
التميمي ) والطبري قد نقل عنه قرابة 800 رواية سواء كانت في الخلافة أو في حروب أو
في أشعار أو ما شاكل ذلك . أحيلكم إلى كتاب اسمه ( عبدالله بن سبأ وأساطير أخرى )
للسيد مرتضى العسكري .
الكتاب يقع في مجلدين وقد طبع لعدة طبعات ، والكتاب قيّم جداً تأريخياً والسيد
مرتضى العسكري في كتابه هذا تعرض إلى قضية عبدالله بن سبأ ، لأن كثيراً من
المتخصصين أو من الذين يريدون أن يختلقوا الاتهامات دائماً يلصقون الشيعة ويتهمونهم
أنهم سبئية عقيدتهم قد أخذوها عن عبدالله بن سبأ . ولمن أراد التعرف على هذه الفرية
حول الشيعة أو أراد التعرف على مناقشة الطبري في تاريخه حول الروايات التي قد وضعها
سيف بن عمر الأسيدي التميمي ، أن يرجع إلى هذا الكتاب ، فقد أثبت العسكري في كتابه
( عبدالله بن سبأ ) على أن عبدالله بن سبأ شخصية خيالية لا وجود لها في التاريخ ،
وأن سيف بن عمر هو أحد الوضاعين وأحد المختلقين للأحاديث والحوادث التاريخية أيضاً.
[116]
فالجواب :
1-الطبري
روى هذه الرواية التي تعرضت إلى كلام الإمام الحسن مع الإمام أمير المؤمنين عليهما
السلام ، وهذا الكلام الخشن الوقح ذكره في هذه الرواية التي قد رواها عن سيف بن عمر
الأسيدي التميمي ، وحينئذ بما أن هذا الشخص وهو سيف أحد الوضاعين في التاريخ
[117]؛ فلا قيمة لهذه الرواية فتسقط من أساسها .
2- بالإضافة إلى الأجوبة التي قد ذكرناها - فيما تقدم - وهو أن الإمام الحسن عليه
السلام لو لم يكن إلا شاب مهذب الخلق لكفى في ذلك ، حتى وإن لم يكن ابن بنت رسول
الله ولم يشبهه النبي في خَلقِه وخُلقِه ، و لم يكن كريم أهل البيت ولم يكن حليم
أهل البيت لو غضضنا الطرف عن كل مكارمه وأخلاقه التي قد ذكرها الرسول الأعظم (ص) بل
لمجرد أنه شاب مهذب الأخلاق لكفى ألاّ يتعرض لأبيه باتهامه بالقتل أو للأمر بأني
أمرتك فعصيتني ، وما هو مقدار تأمر الأبن على أبيه حتى يقول أنا آمرك .
3-الأمر إنما يأتي من العالي إلى الداني لا يأتي من الداني إلى العالي . الأب هو
الذي يأمر الابن وليس الابن هو الذي يأمر الأب ، وإذا كان الأمر من الداني إلى
العالي يقال له دعاء وإذا كان من المتساويين يقال له ( التماس ) في علم البلاغة –
أو رجاء بالنسبة للمولى سبحانه وتعالى فعلى كل حال هذه التهمة أيضاً تسقط .
القسم الثاني :
من التهم التي ألصقت بالإمام الحسن عليه السلام :
كثير الزواج والطلاق
إن هذه الشبهة وهي كثرة الزواج ويلازمه الطلاق من الشبه العويصة التي ألصقت بالإمام
الحسن عليه السلام ولذلك اختلف الباحثون فيها بين مؤيد ومانع ومتوقف .
أما المؤيدون :
فاستدلوا بما ورد من أحاديث وروايات تاريخية تحدثت عن هذا الجانب وببعض الأمور التي
لا تتنافى مع
الشريعة الإسلامية وإليك تفصيل ذلك :
1-أنه لا مانع من كثرة الزواج بل واستحبابه فقد ندبت الشريعة الإسلامية إليه وقد
تكاثرت الأحاديث النبوية عليه ، وكذلك جاءت على لسان أهل البيت عليهم السلام[118].
2-إنما تزوج بهذه الكثرة لتقوى شوكته ويشتد أزره بالمصاهرة على الأمويين الذين
بذلوا جميع جهودهم للقضاء على الهاشميين وتحطيم كيانهم ومحو ذكرهم
[119].
3-إن
أولياء النسوة كانوا يعرضون بناتهم على الإمام يلحون عليه بالتزويج بهن لأجل التشرف
به والتقرب إليه ، فهو حفيد النبي صلى الله عليه وآله ، وسبطه الأكبر ، وسيد شباب
أهل الجنة
[120]هذا ما استدل به المصححون والمؤيدون لكثرة الزواج من
الإمام الحسن عليه السلام .
النافون :
أما النافون لكثرة الزواج فاستدلوا بعدة أمور خلاصتها :
1-كراهة الطلاق شرعاً :
إن من لوازم كثرة الزواج هو كثرة الطلاق حيث لا يصح لأحد أن يتزوج بأكثر من أربع
حرائر إلا النبي صلى الله عليه وآله وهي من مختصاته وهذا بإجماع الأمة .
فإذا كثر الزواج بأكثر من أربع فلابد من طلاق الزائد على |