بقلم
الإمام عبدالحسين شرف الدين الموسوي
« قدس الله سره »

تحقيق وتعليق
حسين الراضي

 

 

 

 

 


(6)

الإهداء

 

إلى بقية الله في أرضه من العترة ..

إلى من يقيم العدل على ربوع الأرض..

إلى من يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً ..

إلى الحجّة على العباد ..

إلى الإمام المنتظر ( عج ) ..

أهدي هذا المجهود المتواضع فأرجو قبوله ..

 

 

 

عبدك الراجي عفوك

حسين الراضي

 

 

 


(7)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الطبعة الثالثة

-1-

كلما تزايد تكالب الاستعمار العالمي على الأمة الإسلامية لتمزيقها وابتزاز ثرواتها واستعبادها ، وإبعادها عن أهدافها التي خلقت من أجلها ، اشتدت بها الحاجة للتفكير والتدبر أكثر من أي وقت مضى في أساليب أعدائها وكيف مرّروا مخططاتهم الاستعمارية في كل المجالات ، حتى أصبح العدو هو الحكم ، وقوله هو الفصل ، حتى في القضايا الإسلامية . كما اشتدت بها الحاجة لأن تحل مشاكلها وخلافاتها بروح الأخوة ولغة العلم والتفاهم ؛ ومهما كانت النتائج سلباً أو إيجاباً ، صحيحة أو خطأ ، فإن الاختلاف في وجهات النظر والآراء أمر طبيعي بين الأفراد ، بل وبين الفئات في الأمة ، وليس من المترقب التخلي عن وجهات النظر واختلاف الآراء من الأساس ، وإنما الواجب أن لا تكون سبباً لعدم ارتياح أي طرف أو سبباً للتباعد والتباغض لا سمح الله . وفي الحقيقة فإن الحقيقة إذا دار على قواعد وأسس علمية ، وبدافع من الإخلاص والكشف عن الحقيقة فإنه يؤدي إلى التلاحم والتماسك في الأمة ، وكلما انتشر الوعي في الأمة ازدادت قوتها وتماسكها وصمودها أمام الأعداء .

-2-

إن كتاب المراجعات للإمام شرف الدين ( قدس سره ) هو من أشهر الكتب التي بحثت بعض الاختلافات في الأمة بحثاُ موضوعياً علمياً ، وقد وفق هذا الكتاب إلى أبعد حد وأعطي الثمار المرجوة منه ، وهذا مما يدل على إخلاص مؤلفه في جمع شمل الأمة الإسلامية ، وقدرته العلمية والأدبية . والكتاب في حد

 


(8)

ذاته يكشف عن نفسه وعن مؤلفه ، فقد طبع الكتاب منذ سنة 1355هـ -1936م وحتى الآن عشرات الطبعات في لبنان والكويت والعراق ، وترجم إلى الإنكليزية والفارسية والأوردية ، كما طبع في إيران وباكستان والهند . وقد صدرت الطبعة الأولى محققة في بغداد سنة 1399هـ بتكليف من سماحة الاستاذ آية الله العظمى الشهيد السعيد الصدر (قدس سره ) ، والطبعة في بيروت سنة 1402هـ - 1982م .

 

-3-

وها نحن نقدم الكتاب للقراء الكرام في طبعته الثالثة المحققة ، التي تميزت عن سابقتيها بحسن الترتيب ومزيد من التنقيح والتصحيح وإضافة الفهارس للآيات والأحاديث والمواضيع . وفي هذه الطبعة وضعت التعاليق والملاحق في ذيل الصفحات بناءً على اقتراح من الفقيه المجاهد سماحة الأستاذ آية الله العظمى الشيخ المنتظري (دام ظله ) ؛ وذلك أنه في العام الماضي أهدينا له نسخة من الطبعة الثانية ، وبعد أن مدح الكتاب بصورته المحققة اقترح علينا وضع الملاحق في ذيل الصفحات فتكون الفائدة أتم ، كما تكون مدعاة لراحة القارئ ؛ ونحن بدورنا استجبنا لاقتراحه ، ونشكره على توجيهاته ورعايته الأبوية ، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يطيل عمره وعمر إمام الأمة الإمام الخميني حفظه الله ، وأن يمن على الأمة الإسلامية بالنصر العاجل .

 

والحمد لله رب العالمين

حسين الراضي

 

 


(9)

 

 

مقدمة الطبعة الثانية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد صاحب ((المنن السابغة والآلاء الوازعة والرحمة الواسعة والقدرة الجامعة والنعم الجسيمة والعطايا الجزيلة (الذي).....لا ينعت بتمثيل ولا يمثل بنظير ولا يغلب بظهير (الذي ) ....خلق فرزق وألهم فأنطق وابتدع فشرع وعلا فارتفع وقدّر فأحسن وصور فأتقن واحتج ّفأبلغ وأنعم فأسبغ وأعطى فأجزل ومنح فأفضل (الذي ) ....سما في العزّ ففات نواظر الأبصار ودنا في اللطف فجاز هواجز الأفكار (الذي) ....توحّد بالملك فلا ندّ له في ملكوت سلطانه ، وتفرد بالآلاء والكبرياء فلا ضدّ له في جبروت شأنه (الذي) ....حارت في كبرياء هيبته دقائق لطائف الأنام (الذي) .... عنت الوجوه لهيبته وخضعت الرقاب لعظمته ووجلت القلوب من خيفته )) .

وصلّ اللهم على حبيبك وخيرتك من خلقك ، سيد المرسلين محمد بن عبدالله (ص) (( الدليل إليك في الليل الأليل ، والماسك من أسبابك بحبل الشرف الأطول ، والناصع الحسب في ذروة الكاهل الأعبل ،والثابت القدم على زحاليفها في الزمن الأول ،وعلى آله الأخيار المصطفين الأبرار)).


 

 

 


(10)

الإسلام والوحدة

وبعد :

فإن الإسلام هو دين التوحيد ، توحيد الكلمة ورصّ الصفوف ، وجمع الشمل ولم الشعث.

(واعتصموا بحبل الله جميعاً ولاتفرقوا ) (1) ( إن الله يحبُّ الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ) (2) فالإسلام يدعو إلى الاعتصام بمبادئه وتطبيق قوانينه ، والتمسك بالثقل الثاني الذي خلفه الرسول (ص) وأحب أن تكون الأمة كالبنيان المرصوص المتماسك الأطراف والأجزاء ، وهذا المثال الذي ضربه القرآن الكريم لنا بعيد المرمى عميق الغور فإن البناء إذا كان متماسك اللبنات متراص الأجزاء فأنه يبقى دهراً طويلاً ويمكن الانتفاع منه في الحرّ والبرد ، كذلك الأمة إذا اتّحدت وجمعت كلمتها  فإن عزتها وشوكتها تقوى وتكون لها السيادة والقيادة للبشرية .

في الصحراء القاحلة وكان البرد قارصاً ، فلا كهرباء ولا وسائل للتدفئة إلا الأمور الابتدائية ، أمر الرسول (ص) أصحابه جميعاً أن ينتشروا في البيداء ليأتوه بأعواد من الحطب المتناثر على المدر والحجر ، وبعد أن جمعوه بين يديه وأشعل فيه النار قال ما معناه : هكذا تكون الجماعة ، فلو كان فرد واحد لما تمكن من تدفئتنا . نعم ، كان الرسول(ص) بهذا وغيره يعلم أصحابه أهمية جمع الكلمة والاتحاد وهو القائل إن الأمة يجب أن تكون في تماسكها وتعاطفها وتحابها كالجسد الواحد ، إذا تألم منه عضو سهر له باقي الجسم بالسهر والحمّى .

ــــــــــــ

(1) آل عمران : 103

(2) الصف : 4

 


(11)

وبالعكس تماماً فيما إذا تفككت الأمة وتناحرت و تنازعت ، فإن الفشل والذل والهوان والخذلان سوف يكون نصيبها وحليفها ، وقد حذّر الخالق سبحانه من هذه العواقب الوخيمة بقوله تعالى :

( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم )(1) فقد رتّب على المنازعة والاختلاف الفشل، وبعدها تذهب ريحهم ، وهي كناية عن ذهاب القوة والنصر ، فإن الله سبحانه يمد الأمة بالنصر والتأييد واللطف منه وهذا تكريم منه إليهم عند اجتماعهم ووحدتهم ، فإذا اختلفوا وتفرقوا سلب تلك النعمة العظيمة وباتوا على شفا جرف هار . ويؤكد سبحانه في موارد عديدة على عدم الاختلاف , ويحذّر من الانشقاق ويضرب أمثلة على ذلك يقول : (ولا تكونوا من المشركين . من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ًكل حزب بما لديهم فرحون )(2) .ويقول أيضاً : (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم )(3) فكأن الذي يكون سبباً في الخلاف بين الأمة ، بالتالي يكون سبباً في محو الدين ومحقه .

ويلات الأمة الإسلامية :

ونحن إذا قمنا بدراسة معمقة للقسم الأخير من الآيات المتقدمة ، وقارنّا بينها وبين الأمة الإسلامية اليوم ، لرأينا أن ما حذرنا القرآن منه قد وقع على الأمة وأطبق عليها تماماً

فمأساة الأمة الإسلامية اليوم لا يمكن تحملها بحال من الأحوال ، فإن المصائب والويلات التي تحلّ بها من استيلاء الاستعمار الشرقي والغربي عليها واستعبادها ومصّ دمائها وسلب ثرواتها وهتك مقدساتها ، وفصلها

ـــــــــــــ

(1) الأنفال : 46 .                                            (3) آل عمران : 105 .

(2) الروم : 31_32 .

 


(12)

 

عن دينها ومبادئها وتراثها ،ليس ذلك إلا لتفريق المسلمين وزرع الاختلاف فيما بينهم ، حتى تركوا دينهم وراء ظهورهم وصاروا يلهثون خلف مظاهر الاستعمار الشرقي والغربي وخدعهما وحبائلهما ، وصار ما صار فاستولى الاستعمار على المسجد الأقصى قبلة المسلمين الأولى وسلمه إلى حثالة من الصهاينة الأنجاس الأرجاس ، فصاروا يعيثون في الأرض فساداً ، يقضون على النسل ويدّمرون الحرث ، يقتلون الأطفال والنساء والرجال ، حتى أحرقوا بيت المقدس . كل ذلك بمسمع ومرأى من المسلمين . والأنكى من ذلك كله أن زمرة من عملاء الاستعمار في المنطقة ممن يتسمون باسم الإسلام نفاقاً أخذوا جاهدين في القضاء على الإسلام ومحو مبادئه ، واستعباد المسلمين وإذلالهم خدمة لأسيادهم المجرمين وحفاظاً على كراسيهم إلى وقت قصير .

 

وما هذه الحرب الغادرة التي شنّها (صدام الكافر ) عميل الاستعمار والصهيونية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلا مثالاً على ذلك .

 

فإن هذا العميل القذر ، لما رأى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي الدولة الوحيدة في العالم التي تطبق أحكام القرآن ، وتنشر راية الإسلام بعد أن حُجب نوره قروناً طويلة ، قام بالتنسيق مع الاستعمار الغربي والشرقي وعملائهما في المنطقة ، فخططوا للقضاء على هذه الثورة المباركة ، فقتل عشرات الآلاف في العراق و إيران ، وهتك الأعراض والمقدسات وسلب الأموال , إلى آلاف الجرائم التي يرتكبها كل يوم . ولكن الحمد لله قد باءت ظنونهم بالفشل الذريع , والنصر قريب إن شاء الله .

أليس من المؤسف أن يتولى على المسلمين ويحكم رقابهم (صدّام الكافر )؟ الذي أباد الحرث والنسل , والله يقول : ( ولن يجعل الله للكافرين

 


(13)

على المؤمنين سبيلا ) أليس من المؤلم أن يتولى على الشعوب المسلمة أذناب الاستعمار , فيحكمون شعوبهم بالحديد والنار ويأخذون ثروات شعوبهم ويقدمونها هدية سائغة إلى أمريكا , وهي بدورها تقدمها إلى إسرائيل فتفتك بالمسلمين في فلسطين والجنوب اللبناني , فتحرق الأطفال والنساء بقنابلها وصواريخها .

إن الحالة المتردية التي تمر بها الأمة الإسلامية إنما هي نتيجة الاختلاف والتنازع , فحصدت الفشل الذريع بسبب ذلك , وفاتها النصر بما قدمت أيديها .

عصر الرسالة :

ولو حوّلنا أنظارنا إلى عصر الرسالة المحمدية (ص) لرأينا ما يذهلنا , وكيف تمكنت تلك الثلة القليلة في عددها , الكبيرة والعظيمة في معناها وحقيقتها وأهدافها , كيف تمكنت أن تحقق أكبر الانتصارات الرائعة ,وفتحت البلدان الكبيرة , واستولت على إمبراطورية كسرى وقيصر , وكانت في كثير من الأوقات وخصوصاً عند أول أمرها ,كانت بأيد خالية إلا من التماسك , وبقلوب فارغة إلا من الصبر والإيمان الراسخ بالعقيدة . فبالعقيدة والوحدة انتصروا وملكوا العالم حتى أصبحوا سادته .

الثورة الإسلامية :

ولماذا نذهب إلى ما قبل أربعة عشر قرناً - فربما يقال إن الزمان قد اختلف لاختلاف الوسائل - وعندنا المثال الحيّ الذي نعيشه في ليلنا ونهارنا , وهو ما قام به الشعب المسلم الإيراني البطل , بقيادة نائب الإمام الحجة (ع) إمام المسلمين وناصر المظلومين ومعزّ المستضعفين وناشر أحكام جدّه سيد المرسلين ومكسّر أصنام المستعمرين سماحة آية الله العظمى الإمام الأكبر المجاهد روح الله الموسوي الخميني , أدام الله ظله على رؤوس المسلمين .


 

( 14)

أثبت الشعب الإيراني العظيم بالاتكال على الله سبحانه و تعالى , والوحدة والتكاتف , وحنكة قائده الفذ , أثبت أن قوة الإيمان لا يمكن أن تقهر , ولا تقف أمامها أي قوة مادية مهما كانت تلك القوة , وأن القدرة والقوة لله وحده , وأن من يستمد قوته وإيمانه منه فهو المنتصر , ومن يتّكل على غيره فالفشل والخسران حليفه . نعم , هذا الشعب برهن على أن المسلمين عظماء وأقوياء فيما إذا التزموا بمبادئهم وطبقوا دينهم واتحدوا جميعاً, وأن قدرتهم وقوتهم تفوق جميع القدرات والقوى , ولا تتمكن أي قوة طاغوتية في العالم من الشرق أو الغرب أن تهزمهم .

الشعب الإيراني المؤمن توحدت صفوفه وتحابت قلوب أبنائه العامرة بالإيمان فسقطت أكبر إمبراطورية في الشرق , يدعمها الطغاة والجبابرة من الاستعمار الشرقي والغربي وعملاؤها في المنطقة , بعد أن استمر طغيانها وجبروتها و ظلمها للمستضعفين ظوال (2500) سنة .

الشعب الإيراني نزل إلى الشوارع بصفوف متلاحمة من الرجال والنساء والأطفال , يهتفون (الله أكبر ) , ويفتحون صدورهم للرصاص , ويرمون بأنفسهم على الدبابات فحققوا نصرهم على طاغوت زمانه الشاه العميل , بل انتصروا على القوى الاستكبارية العالمية, وعلى رأسها الامبريالية الأمريكية مصّاصة دماء الشعوب وناهبة ثرواتهم , ومرغوا أنفها في التراب .

وها هو الشعب الإيراني المؤمن بثورته الفتيه الميمونة وقد أقام أول حكومة إسلامية بعد أربعة عشر قرناً من أفولها , ورفع بذلك الظلم والعدوان عن الشعب المضطهد وكشف للعالم ما تعانيه الشعوب المسلمة من ظلم حكامها وسوء معاملتهم لها . وهذا الشعب البطل في طريقة إلى تحقيق العدل على وجه الأرض , ونشر راية الإسلام على ربوع المعمورة .

 


(15)

دعوة إلى الوحدة :

ولما رأى المسؤولون في الجمهورية الإسلامية ما للتضامن و الوحدة بين الشعوب الإسلامية على اختلاف قومياتها ومذاهبها وألوانها ، من أثر بالغ في إعلاء كلمة التوحيد ونشر راية الهدى وتطبيق العدالة الإلهية وتحقيق الأهداف الرسالية ، والنصر المؤزر ، والتغلب على الاستعمار وأذنابه . حيث مروا بتجربة دقيقة، وعرفوا ما للوحدة من قيمة بالغة ونتائج كبيرة، وكانت الوحدة أحد الأسباب الرئيسية لانتصار الثورة الإسلامية في إيران ، وشعوراَ بالمسؤولية الشرعية عليهم ، أعلن قادة الثورة الإسلامية في إيران نداءهم بوجوب الوحدة بين المسلمين ورصَّ صفوفهم والتعاون والتكاتف ، وجاء هذا النداء المدوي إلى أسماع المسلمين على لسان آية الله العظمى الشيخ حسين علي المنتظري دامت إفاضاته ، وكان لهذا النداء أثره الكبير في استبشار المسلمين وإحياء آمالهم ، وقد طلعت بوادره بين المسلمين في توحيد كلمتهم ولمَّ شعثهم .

أيها المسلمون - سنّة وشيعة ، عرباً وعجماً - إننا لم نجن من هذه الاختلافات والمنازعات والسباب والقذف والتلامز والتنابذ أي تقدم وأي فائدة لا في ديننا ولا في دنيانا ، غير الذل والخذلان والاستعباد ، والفقر والفاقة ، حتى سيطر علينا المستكبرون والصهاينة الكافرون ، لمّا قاموا بتطبيق قاعدة ( فرّق تسد ) ، وقد نجحوا في خطتهم الاستعمارية إلى حد كبير . فاستعبدوا المسلمين ونهبوا ثرواتهم وهتكوا مقدساتهم وأحلوا بهم الدمار .

إن من المؤسف حقاً أن يدخل الاستعمار بين المسلمين ، ويستغل كلمة السنة والشيعة ، فيحرك أصابعه الأثيمة لأجل إثارة النعرات الطائفية ، ويحاول أن يعرض الحالة بصورة أكثر تشويهاً وأكثر حساسية ، فيحقق أهدافه ورغباته ويتصيد في الماء العكر والمسلمون في غفلة من ذلك .

 


(16)

مع أن نقاط الاجتماع بين المسلمين - السنة والشيعة - أكثر جداً وأهم وأكبر من نقاط الاختلاف ، فشهادتا أن ( لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ) (ص) اللتان بهما يكون الإنسان مسلماً ، وبهما تحقن الدماء والأموال والأعراض ويحل الطعام والنكاح ، كفيلتان بجمع المسلمين السنة والشيعة على صعيد واحد ، وتحقيق أهدافهم المشتركة ، فهم داخلون في إطار واحد وهدف واحد ، فخالقهم واحد ، وإسلامهم واحد ، ونبيهم واحد ، وقرآنهم واحد ، وقبلتهم واحدة ويصلون خمس صلوات جميعاً ، ويصومون شهراً واحداً ، ويعترفون جميعاً : بتوحيد الله ونبوة الرسول الأعظم (ص) ، والمعاد في يوم القيامة وغيرها من الركائز والمبادئ ، الأولية للإسلام ، فإنهم يحافظون عليها ويعملون بها جميعاً . والنصوص الشرعية لكل من الفريقين تؤكد على أنهم جميعاً مسلمون . (1) ، والإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالرغم من أنه منع من ممارسة حقه الشرعي ، فصبر وفي العين قذى وفي الحلق شجى ، يرى تراثه نهبا ؛ ولكن هذا كله لم يمنعه من إبداء النصح لقادة الحكومة آنذاك والحفاظ على وحدة الأمة وعلى الإسلام ونشر راية الهدى وإعلاء كلمة التوحيد . كما سوف يأتي في ثنايا الكتاب .

والاختلاف بين الطائفتين المسلمتين - السنة والشيعة - لم يكن أوسع وأكبر من الاختلاف بين المذاهب الأربعة أنفسها ، بل قد يحصل التبدل والاختلاف في مذهب واحد كما في مذهب الإمام الشافعي بين الإفتاء الجديد والقديم وبين تلامذة الإمام أبي حنيفة . وهذه الظاهرة يمكن للباحث أن يلاحظها عندما يراجع الكتب التي تعتني بالفقه المقارن ، مثل كتاب الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري ، والفقه على المذاهب الخمسة للشيخ محمد

ــــــــــــ

(1) راجع هذه النصوص في كتاب الفصول المهمة في تأليف الأمة للإمام شرف الدين . الفصل الأول . 


 


(17)

جواد مغنية وغيرهما ، فكما أن الاختلاف في الآراء والفتاوى بين المذاهب الأربعة لم يكن عائقاً عن توحيدهم وربطهم ، كذلك لا ينبغي أن يكون مجرد الاختلاف في وجهات النظر السياسية والعلمية بين السنة والشيعة عائقاً عن تلاحمهم وتعاونهم وتوحيد كلمتهم ورصَّ صفوفهم أمام عدوهم المشترك . ولا غرو أن يكون مذهب إلى جنب المذاهب الأربعة ، إن لم يكن في مقدمتها ، حيث أن الإمام الصادق (ع) - سادس أئمة أهل البيت ، والذي ينتسب إليه الشيعة ويأخذون أكثر فقههم من طريقه - كان أستاذاً لأبي حنيفة ، وقد قال في حق أستاذه ( لولا السنتان لهلك النعمان ) يعني السنتين اللتين درس فيهما عند الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) ، بالإضافة إلى المميزات التي كانت موجودة عنده دون غيره ، كما صرح جملة من أعلام الأمة الإسلامية من أهل السنة وخصوصاً من مشايخ الأزهر ، كالشيخ سليم البشري والشيخ محمود شلتوت على ما سوف يأتي من كلام الأول وفتوى الثاني في أثناء الكتاب .

والمسائل الخلافية التي تدور بينهم إذا أرادوا أن يبحثوها ، يجب أن تبحث بحثاً علمياً موضوعياً بعيداً عن المنابذة والاتهامات والتعصبات ، بل في جو يسوده الهدوء والأخوة الإسلامية والمحبة الإيمانية مهما كانت نتائج البحث سلباً أو إيجاباً ، وفي صالح أي طرف من الأطراف ، والواجب أن يشعروا جميعاً أن هدفهم في البحث هو طلب الحق وتقصي الحقائق ، مما يكون سبباً لوحدتهم وجمع كلمتهم على الحق والهدى ، بعد أن يكتشفوا الأسباب التي أدت إلى تمزقهم وتفرقهم .

وكتاب المراجعات الذي بين أيدينا من أبرز المصاديق لهذه الحقيقة فقد اجتمع علمان من أعلام الأمة الإسلامية - السنة والشيعة - وتحسسا مشاكل الأمة الإسلامية ، فرأيا من أبرزها الاختلاف والتباعد بين الطائفتين


(18)

المسلمين - السنة والشيعة - فحددا الداء ووضعا له الدواء ، وصمما على أن يبحثا تلك الأسباب وأن يضعا لها حداً فاصلاً .

وبالفعل فقد اجتمع كل من الشيخ سليم البشري شيخ الجامع الأزهر في مصر في وقته ، والإمام شرف الدين (قدس) ، وبحثا المسائل الخلافية في الإمامة والمذهب وبعض المسائل التاريخية ، بحثاها معاً بحثاً موضوعياً مشفوعاً بالإحساس بالمسؤولية الشرعية والروح الأخوية البعيدة عن التعصب الطائفي أو الانحياز الشخصي ، فخدما بذلك الأمة الإسلامية في توحيد كلمتها ورص صفوفها وسد فجوات كبيرة كان العدو ينفذ منها .

 

ونحن في وقت سابق قد قمنا بدعم هذه الأبحاث بتحقيقها والتعليق عليها وإضافة عشرات المصادر لها ، استجابة لأمر أستاذنا سماحة آية الله العظمى الإمام الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر حشره الله مع أجداده الكرام .

 

وقد طُبع الكتاب الطبعة الأولى باهتمام سماحة السيد الشهيد (قدس) . وإن أنسى فلن أنسى تلك العواطف الأبوية التي شملني بها بعد طبع الكتاب ونشره . وهنا أسجل مكرمة له حول الكتاب .

الشهيد الصدر يشيد بالكتاب :

في كربلاء المقدسة ، وفي حرم سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام وقرب الرأس الشريف إلى جانب الساعة الكبيرة المقابلة للضريح ، التقيت بسماحته ، وكان مشغولاً بين الصلاة والزيارة ، فلثمت أنامله الشريفة ، وكانت قد مضت أيام لم أتشرف فيها بخدمته وحضور درسه ، لظروف خاصة .


(19)

فتفضل في هذا اللقاء بتقديم التهاني والتبريكات ، وأشاد بهذه التعليقة على المراجعات وقال (قدس) إضافة إلى ذلك :

( إن جملة من أهل العلم والفضل المختصين قد أشادوا بخدماتكم الجليلة في التعليقة على الكتاب وقالوا : ( إنها لا تقل أهمية وجهداً عن أصل الكتاب ) .

وأنا بدوري نوهت بخدمته وقلت :

إن الفضل كله يرجع إلى سماحتكم فقد كنتم السبب فيه .

ودار في هذا اللقاء آخر حديث بيني وبينه ، حيث كان آخر جمعة زار فيها جده الإمام الحسين (ع) ، وفي ليلة الأربعاء بعدها مباشرة اعتقل وذلك في رجب 1399 هـ

وإذا كان آخر لقاء لي معه في الدنيا في حرم سيد الشهداء (ع) ، فأرجو من العلي القدير أن يجمعني وإياه مع الإمام الحسين (ع) في الآخرة .

وكم كنت أتمنى أن يعاد طبع هذا الكتاب مرات ومرات تحت نظره والتزود من توجيهاته وإرشاداته ، ولكن المستعمر الكافر وعملاءه في المنطقة عرفوا أن الإمام الشهيد الصدر (قدس) هو الشخصية الوحيدة في العراق التي لها أهلية القيادة للثورة الإسلامية ، وتحطيم Ÿ