بقلم
الإمام عبدالحسين شرف الدين الموسوي
« قدس الله سره »

تحقيق وتعليق
حسين الراضي

 

 

 

 

 


(6)

الإهداء

 

إلى بقية الله في أرضه من العترة ..

إلى من يقيم العدل على ربوع الأرض..

إلى من يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً ..

إلى الحجّة على العباد ..

إلى الإمام المنتظر ( عج ) ..

أهدي هذا المجهود المتواضع فأرجو قبوله ..

 

 

 

عبدك الراجي عفوك

حسين الراضي

 

 

 


(7)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الطبعة الثالثة

-1-

كلما تزايد تكالب الاستعمار العالمي على الأمة الإسلامية لتمزيقها وابتزاز ثرواتها واستعبادها ، وإبعادها عن أهدافها التي خلقت من أجلها ، اشتدت بها الحاجة للتفكير والتدبر أكثر من أي وقت مضى في أساليب أعدائها وكيف مرّروا مخططاتهم الاستعمارية في كل المجالات ، حتى أصبح العدو هو الحكم ، وقوله هو الفصل ، حتى في القضايا الإسلامية . كما اشتدت بها الحاجة لأن تحل مشاكلها وخلافاتها بروح الأخوة ولغة العلم والتفاهم ؛ ومهما كانت النتائج سلباً أو إيجاباً ، صحيحة أو خطأ ، فإن الاختلاف في وجهات النظر والآراء أمر طبيعي بين الأفراد ، بل وبين الفئات في الأمة ، وليس من المترقب التخلي عن وجهات النظر واختلاف الآراء من الأساس ، وإنما الواجب أن لا تكون سبباً لعدم ارتياح أي طرف أو سبباً للتباعد والتباغض لا سمح الله . وفي الحقيقة فإن الحقيقة إذا دار على قواعد وأسس علمية ، وبدافع من الإخلاص والكشف عن الحقيقة فإنه يؤدي إلى التلاحم والتماسك في الأمة ، وكلما انتشر الوعي في الأمة ازدادت قوتها وتماسكها وصمودها أمام الأعداء .

-2-

إن كتاب المراجعات للإمام شرف الدين ( قدس سره ) هو من أشهر الكتب التي بحثت بعض الاختلافات في الأمة بحثاُ موضوعياً علمياً ، وقد وفق هذا الكتاب إلى أبعد حد وأعطي الثمار المرجوة منه ، وهذا مما يدل على إخلاص مؤلفه في جمع شمل الأمة الإسلامية ، وقدرته العلمية والأدبية . والكتاب في حد

 


(8)

ذاته يكشف عن نفسه وعن مؤلفه ، فقد طبع الكتاب منذ سنة 1355هـ -1936م وحتى الآن عشرات الطبعات في لبنان والكويت والعراق ، وترجم إلى الإنكليزية والفارسية والأوردية ، كما طبع في إيران وباكستان والهند . وقد صدرت الطبعة الأولى محققة في بغداد سنة 1399هـ بتكليف من سماحة الاستاذ آية الله العظمى الشهيد السعيد الصدر (قدس سره ) ، والطبعة في بيروت سنة 1402هـ - 1982م .

 

-3-

وها نحن نقدم الكتاب للقراء الكرام في طبعته الثالثة المحققة ، التي تميزت عن سابقتيها بحسن الترتيب ومزيد من التنقيح والتصحيح وإضافة الفهارس للآيات والأحاديث والمواضيع . وفي هذه الطبعة وضعت التعاليق والملاحق في ذيل الصفحات بناءً على اقتراح من الفقيه المجاهد سماحة الأستاذ آية الله العظمى الشيخ المنتظري (دام ظله ) ؛ وذلك أنه في العام الماضي أهدينا له نسخة من الطبعة الثانية ، وبعد أن مدح الكتاب بصورته المحققة اقترح علينا وضع الملاحق في ذيل الصفحات فتكون الفائدة أتم ، كما تكون مدعاة لراحة القارئ ؛ ونحن بدورنا استجبنا لاقتراحه ، ونشكره على توجيهاته ورعايته الأبوية ، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يطيل عمره وعمر إمام الأمة الإمام الخميني حفظه الله ، وأن يمن على الأمة الإسلامية بالنصر العاجل .

 

والحمد لله رب العالمين

حسين الراضي

 

 


(9)

 

 

مقدمة الطبعة الثانية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد صاحب ((المنن السابغة والآلاء الوازعة والرحمة الواسعة والقدرة الجامعة والنعم الجسيمة والعطايا الجزيلة (الذي).....لا ينعت بتمثيل ولا يمثل بنظير ولا يغلب بظهير (الذي ) ....خلق فرزق وألهم فأنطق وابتدع فشرع وعلا فارتفع وقدّر فأحسن وصور فأتقن واحتج ّفأبلغ وأنعم فأسبغ وأعطى فأجزل ومنح فأفضل (الذي ) ....سما في العزّ ففات نواظر الأبصار ودنا في اللطف فجاز هواجز الأفكار (الذي) ....توحّد بالملك فلا ندّ له في ملكوت سلطانه ، وتفرد بالآلاء والكبرياء فلا ضدّ له في جبروت شأنه (الذي) ....حارت في كبرياء هيبته دقائق لطائف الأنام (الذي) .... عنت الوجوه لهيبته وخضعت الرقاب لعظمته ووجلت القلوب من خيفته )) .

وصلّ اللهم على حبيبك وخيرتك من خلقك ، سيد المرسلين محمد بن عبدالله (ص) (( الدليل إليك في الليل الأليل ، والماسك من أسبابك بحبل الشرف الأطول ، والناصع الحسب في ذروة الكاهل الأعبل ،والثابت القدم على زحاليفها في الزمن الأول ،وعلى آله الأخيار المصطفين الأبرار)).


 

 

 


(10)

الإسلام والوحدة

وبعد :

فإن الإسلام هو دين التوحيد ، توحيد الكلمة ورصّ الصفوف ، وجمع الشمل ولم الشعث.

(واعتصموا بحبل الله جميعاً ولاتفرقوا ) (1) ( إن الله يحبُّ الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ) (2) فالإسلام يدعو إلى الاعتصام بمبادئه وتطبيق قوانينه ، والتمسك بالثقل الثاني الذي خلفه الرسول (ص) وأحب أن تكون الأمة كالبنيان المرصوص المتماسك الأطراف والأجزاء ، وهذا المثال الذي ضربه القرآن الكريم لنا بعيد المرمى عميق الغور فإن البناء إذا كان متماسك اللبنات متراص الأجزاء فأنه يبقى دهراً طويلاً ويمكن الانتفاع منه في الحرّ والبرد ، كذلك الأمة إذا اتّحدت وجمعت كلمتها  فإن عزتها وشوكتها تقوى وتكون لها السيادة والقيادة للبشرية .

في الصحراء القاحلة وكان البرد قارصاً ، فلا كهرباء ولا وسائل للتدفئة إلا الأمور الابتدائية ، أمر الرسول (ص) أصحابه جميعاً أن ينتشروا في البيداء ليأتوه بأعواد من الحطب المتناثر على المدر والحجر ، وبعد أن جمعوه بين يديه وأشعل فيه النار قال ما معناه : هكذا تكون الجماعة ، فلو كان فرد واحد لما تمكن من تدفئتنا . نعم ، كان الرسول(ص) بهذا وغيره يعلم أصحابه أهمية جمع الكلمة والاتحاد وهو القائل إن الأمة يجب أن تكون في تماسكها وتعاطفها وتحابها كالجسد الواحد ، إذا تألم منه عضو سهر له باقي الجسم بالسهر والحمّى .

ــــــــــــ

(1) آل عمران : 103

(2) الصف : 4

 


(11)

وبالعكس تماماً فيما إذا تفككت الأمة وتناحرت و تنازعت ، فإن الفشل والذل والهوان والخذلان سوف يكون نصيبها وحليفها ، وقد حذّر الخالق سبحانه من هذه العواقب الوخيمة بقوله تعالى :

( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم )(1) فقد رتّب على المنازعة والاختلاف الفشل، وبعدها تذهب ريحهم ، وهي كناية عن ذهاب القوة والنصر ، فإن الله سبحانه يمد الأمة بالنصر والتأييد واللطف منه وهذا تكريم منه إليهم عند اجتماعهم ووحدتهم ، فإذا اختلفوا وتفرقوا سلب تلك النعمة العظيمة وباتوا على شفا جرف هار . ويؤكد سبحانه في موارد عديدة على عدم الاختلاف , ويحذّر من الانشقاق ويضرب أمثلة على ذلك يقول : (ولا تكونوا من المشركين . من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ًكل حزب بما لديهم فرحون )(2) .ويقول أيضاً : (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم )(3) فكأن الذي يكون سبباً في الخلاف بين الأمة ، بالتالي يكون سبباً في محو الدين ومحقه .

ويلات الأمة الإسلامية :

ونحن إذا قمنا بدراسة معمقة للقسم الأخير من الآيات المتقدمة ، وقارنّا بينها وبين الأمة الإسلامية اليوم ، لرأينا أن ما حذرنا القرآن منه قد وقع على الأمة وأطبق عليها تماماً

فمأساة الأمة الإسلامية اليوم لا يمكن تحملها بحال من الأحوال ، فإن المصائب والويلات التي تحلّ بها من استيلاء الاستعمار الشرقي والغربي عليها واستعبادها ومصّ دمائها وسلب ثرواتها وهتك مقدساتها ، وفصلها

ـــــــــــــ

(1) الأنفال : 46 .                                            (3) آل عمران : 105 .

(2) الروم : 31_32 .

 


(12)

 

عن دينها ومبادئها وتراثها ،ليس ذلك إلا لتفريق المسلمين وزرع الاختلاف فيما بينهم ، حتى تركوا دينهم وراء ظهورهم وصاروا يلهثون خلف مظاهر الاستعمار الشرقي والغربي وخدعهما وحبائلهما ، وصار ما صار فاستولى الاستعمار على المسجد الأقصى قبلة المسلمين الأولى وسلمه إلى حثالة من الصهاينة الأنجاس الأرجاس ، فصاروا يعيثون في الأرض فساداً ، يقضون على النسل ويدّمرون الحرث ، يقتلون الأطفال والنساء والرجال ، حتى أحرقوا بيت المقدس . كل ذلك بمسمع ومرأى من المسلمين . والأنكى من ذلك كله أن زمرة من عملاء الاستعمار في المنطقة ممن يتسمون باسم الإسلام نفاقاً أخذوا جاهدين في القضاء على الإسلام ومحو مبادئه ، واستعباد المسلمين وإذلالهم خدمة لأسيادهم المجرمين وحفاظاً على كراسيهم إلى وقت قصير .

 

وما هذه الحرب الغادرة التي شنّها (صدام الكافر ) عميل الاستعمار والصهيونية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلا مثالاً على ذلك .

 

فإن هذا العميل القذر ، لما رأى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي الدولة الوحيدة في العالم التي تطبق أحكام القرآن ، وتنشر راية الإسلام بعد أن حُجب نوره قروناً طويلة ، قام بالتنسيق مع الاستعمار الغربي والشرقي وعملائهما في المنطقة ، فخططوا للقضاء على هذه الثورة المباركة ، فقتل عشرات الآلاف في العراق و إيران ، وهتك الأعراض والمقدسات وسلب الأموال , إلى آلاف الجرائم التي يرتكبها كل يوم . ولكن الحمد لله قد باءت ظنونهم بالفشل الذريع , والنصر قريب إن شاء الله .

أليس من المؤسف أن يتولى على المسلمين ويحكم رقابهم (صدّام الكافر )؟ الذي أباد الحرث والنسل , والله يقول : ( ولن يجعل الله للكافرين

 


(13)

على المؤمنين سبيلا ) أليس من المؤلم أن يتولى على الشعوب المسلمة أذناب الاستعمار , فيحكمون شعوبهم بالحديد والنار ويأخذون ثروات شعوبهم ويقدمونها هدية سائغة إلى أمريكا , وهي بدورها تقدمها إلى إسرائيل فتفتك بالمسلمين في فلسطين والجنوب اللبناني , فتحرق الأطفال والنساء بقنابلها وصواريخها .

إن الحالة المتردية التي تمر بها الأمة الإسلامية إنما هي نتيجة الاختلاف والتنازع , فحصدت الفشل الذريع بسبب ذلك , وفاتها النصر بما قدمت أيديها .

عصر الرسالة :

ولو حوّلنا أنظارنا إلى عصر الرسالة المحمدية (ص) لرأينا ما يذهلنا , وكيف تمكنت تلك الثلة القليلة في عددها , الكبيرة والعظيمة في معناها وحقيقتها وأهدافها , كيف تمكنت أن تحقق أكبر الانتصارات الرائعة ,وفتحت البلدان الكبيرة , واستولت على إمبراطورية كسرى وقيصر , وكانت في كثير من الأوقات وخصوصاً عند أول أمرها ,كانت بأيد خالية إلا من التماسك , وبقلوب فارغة إلا من الصبر والإيمان الراسخ بالعقيدة . فبالعقيدة والوحدة انتصروا وملكوا العالم حتى أصبحوا سادته .

الثورة الإسلامية :

ولماذا نذهب إلى ما قبل أربعة عشر قرناً - فربما يقال إن الزمان قد اختلف لاختلاف الوسائل - وعندنا المثال الحيّ الذي نعيشه في ليلنا ونهارنا , وهو ما قام به الشعب المسلم الإيراني البطل , بقيادة نائب الإمام الحجة (ع) إمام المسلمين وناصر المظلومين ومعزّ المستضعفين وناشر أحكام جدّه سيد المرسلين ومكسّر أصنام المستعمرين سماحة آية الله العظمى الإمام الأكبر المجاهد روح الله الموسوي الخميني , أدام الله ظله على رؤوس المسلمين .


 

( 14)

أثبت الشعب الإيراني العظيم بالاتكال على الله سبحانه و تعالى , والوحدة والتكاتف , وحنكة قائده الفذ , أثبت أن قوة الإيمان لا يمكن أن تقهر , ولا تقف أمامها أي قوة مادية مهما كانت تلك القوة , وأن القدرة والقوة لله وحده , وأن من يستمد قوته وإيمانه منه فهو المنتصر , ومن يتّكل على غيره فالفشل والخسران حليفه . نعم , هذا الشعب برهن على أن المسلمين عظماء وأقوياء فيما إذا التزموا بمبادئهم وطبقوا دينهم واتحدوا جميعاً, وأن قدرتهم وقوتهم تفوق جميع القدرات والقوى , ولا تتمكن أي قوة طاغوتية في العالم من الشرق أو الغرب أن تهزمهم .

الشعب الإيراني المؤمن توحدت صفوفه وتحابت قلوب أبنائه العامرة بالإيمان فسقطت أكبر إمبراطورية في الشرق , يدعمها الطغاة والجبابرة من الاستعمار الشرقي والغربي وعملاؤها في المنطقة , بعد أن استمر طغيانها وجبروتها و ظلمها للمستضعفين ظوال (2500) سنة .

الشعب الإيراني نزل إلى الشوارع بصفوف متلاحمة من الرجال والنساء والأطفال , يهتفون (الله أكبر ) , ويفتحون صدورهم للرصاص , ويرمون بأنفسهم على الدبابات فحققوا نصرهم على طاغوت زمانه الشاه العميل , بل انتصروا على القوى الاستكبارية العالمية, وعلى رأسها الامبريالية الأمريكية مصّاصة دماء الشعوب وناهبة ثرواتهم , ومرغوا أنفها في التراب .

وها هو الشعب الإيراني المؤمن بثورته الفتيه الميمونة وقد أقام أول حكومة إسلامية بعد أربعة عشر قرناً من أفولها , ورفع بذلك الظلم والعدوان عن الشعب المضطهد وكشف للعالم ما تعانيه الشعوب المسلمة من ظلم حكامها وسوء معاملتهم لها . وهذا الشعب البطل في طريقة إلى تحقيق العدل على وجه الأرض , ونشر راية الإسلام على ربوع المعمورة .

 


(15)

دعوة إلى الوحدة :

ولما رأى المسؤولون في الجمهورية الإسلامية ما للتضامن و الوحدة بين الشعوب الإسلامية على اختلاف قومياتها ومذاهبها وألوانها ، من أثر بالغ في إعلاء كلمة التوحيد ونشر راية الهدى وتطبيق العدالة الإلهية وتحقيق الأهداف الرسالية ، والنصر المؤزر ، والتغلب على الاستعمار وأذنابه . حيث مروا بتجربة دقيقة، وعرفوا ما للوحدة من قيمة بالغة ونتائج كبيرة، وكانت الوحدة أحد الأسباب الرئيسية لانتصار الثورة الإسلامية في إيران ، وشعوراَ بالمسؤولية الشرعية عليهم ، أعلن قادة الثورة الإسلامية في إيران نداءهم بوجوب الوحدة بين المسلمين ورصَّ صفوفهم والتعاون والتكاتف ، وجاء هذا النداء المدوي إلى أسماع المسلمين على لسان آية الله العظمى الشيخ حسين علي المنتظري دامت إفاضاته ، وكان لهذا النداء أثره الكبير في استبشار المسلمين وإحياء آمالهم ، وقد طلعت بوادره بين المسلمين في توحيد كلمتهم ولمَّ شعثهم .

أيها المسلمون - سنّة وشيعة ، عرباً وعجماً - إننا لم نجن من هذه الاختلافات والمنازعات والسباب والقذف والتلامز والتنابذ أي تقدم وأي فائدة لا في ديننا ولا في دنيانا ، غير الذل والخذلان والاستعباد ، والفقر والفاقة ، حتى سيطر علينا المستكبرون والصهاينة الكافرون ، لمّا قاموا بتطبيق قاعدة ( فرّق تسد ) ، وقد نجحوا في خطتهم الاستعمارية إلى حد كبير . فاستعبدوا المسلمين ونهبوا ثرواتهم وهتكوا مقدساتهم وأحلوا بهم الدمار .

إن من المؤسف حقاً أن يدخل الاستعمار بين المسلمين ، ويستغل كلمة السنة والشيعة ، فيحرك أصابعه الأثيمة لأجل إثارة النعرات الطائفية ، ويحاول أن يعرض الحالة بصورة أكثر تشويهاً وأكثر حساسية ، فيحقق أهدافه ورغباته ويتصيد في الماء العكر والمسلمون في غفلة من ذلك .

 


(16)

مع أن نقاط الاجتماع بين المسلمين - السنة والشيعة - أكثر جداً وأهم وأكبر من نقاط الاختلاف ، فشهادتا أن ( لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ) (ص) اللتان بهما يكون الإنسان مسلماً ، وبهما تحقن الدماء والأموال والأعراض ويحل الطعام والنكاح ، كفيلتان بجمع المسلمين السنة والشيعة على صعيد واحد ، وتحقيق أهدافهم المشتركة ، فهم داخلون في إطار واحد وهدف واحد ، فخالقهم واحد ، وإسلامهم واحد ، ونبيهم واحد ، وقرآنهم واحد ، وقبلتهم واحدة ويصلون خمس صلوات جميعاً ، ويصومون شهراً واحداً ، ويعترفون جميعاً : بتوحيد الله ونبوة الرسول الأعظم (ص) ، والمعاد في يوم القيامة وغيرها من الركائز والمبادئ ، الأولية للإسلام ، فإنهم يحافظون عليها ويعملون بها جميعاً . والنصوص الشرعية لكل من الفريقين تؤكد على أنهم جميعاً مسلمون . (1) ، والإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالرغم من أنه منع من ممارسة حقه الشرعي ، فصبر وفي العين قذى وفي الحلق شجى ، يرى تراثه نهبا ؛ ولكن هذا كله لم يمنعه من إبداء النصح لقادة الحكومة آنذاك والحفاظ على وحدة الأمة وعلى الإسلام ونشر راية الهدى وإعلاء كلمة التوحيد . كما سوف يأتي في ثنايا الكتاب .

والاختلاف بين الطائفتين المسلمتين - السنة والشيعة - لم يكن أوسع وأكبر من الاختلاف بين المذاهب الأربعة أنفسها ، بل قد يحصل التبدل والاختلاف في مذهب واحد كما في مذهب الإمام الشافعي بين الإفتاء الجديد والقديم وبين تلامذة الإمام أبي حنيفة . وهذه الظاهرة يمكن للباحث أن يلاحظها عندما يراجع الكتب التي تعتني بالفقه المقارن ، مثل كتاب الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري ، والفقه على المذاهب الخمسة للشيخ محمد

ــــــــــــ

(1) راجع هذه النصوص في كتاب الفصول المهمة في تأليف الأمة للإمام شرف الدين . الفصل الأول . 


 


(17)

جواد مغنية وغيرهما ، فكما أن الاختلاف في الآراء والفتاوى بين المذاهب الأربعة لم يكن عائقاً عن توحيدهم وربطهم ، كذلك لا ينبغي أن يكون مجرد الاختلاف في وجهات النظر السياسية والعلمية بين السنة والشيعة عائقاً عن تلاحمهم وتعاونهم وتوحيد كلمتهم ورصَّ صفوفهم أمام عدوهم المشترك . ولا غرو أن يكون مذهب إلى جنب المذاهب الأربعة ، إن لم يكن في مقدمتها ، حيث أن الإمام الصادق (ع) - سادس أئمة أهل البيت ، والذي ينتسب إليه الشيعة ويأخذون أكثر فقههم من طريقه - كان أستاذاً لأبي حنيفة ، وقد قال في حق أستاذه ( لولا السنتان لهلك النعمان ) يعني السنتين اللتين درس فيهما عند الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) ، بالإضافة إلى المميزات التي كانت موجودة عنده دون غيره ، كما صرح جملة من أعلام الأمة الإسلامية من أهل السنة وخصوصاً من مشايخ الأزهر ، كالشيخ سليم البشري والشيخ محمود شلتوت على ما سوف يأتي من كلام الأول وفتوى الثاني في أثناء الكتاب .

والمسائل الخلافية التي تدور بينهم إذا أرادوا أن يبحثوها ، يجب أن تبحث بحثاً علمياً موضوعياً بعيداً عن المنابذة والاتهامات والتعصبات ، بل في جو يسوده الهدوء والأخوة الإسلامية والمحبة الإيمانية مهما كانت نتائج البحث سلباً أو إيجاباً ، وفي صالح أي طرف من الأطراف ، والواجب أن يشعروا جميعاً أن هدفهم في البحث هو طلب الحق وتقصي الحقائق ، مما يكون سبباً لوحدتهم وجمع كلمتهم على الحق والهدى ، بعد أن يكتشفوا الأسباب التي أدت إلى تمزقهم وتفرقهم .

وكتاب المراجعات الذي بين أيدينا من أبرز المصاديق لهذه الحقيقة فقد اجتمع علمان من أعلام الأمة الإسلامية - السنة والشيعة - وتحسسا مشاكل الأمة الإسلامية ، فرأيا من أبرزها الاختلاف والتباعد بين الطائفتين


(18)

المسلمين - السنة والشيعة - فحددا الداء ووضعا له الدواء ، وصمما على أن يبحثا تلك الأسباب وأن يضعا لها حداً فاصلاً .

وبالفعل فقد اجتمع كل من الشيخ سليم البشري شيخ الجامع الأزهر في مصر في وقته ، والإمام شرف الدين (قدس) ، وبحثا المسائل الخلافية في الإمامة والمذهب وبعض المسائل التاريخية ، بحثاها معاً بحثاً موضوعياً مشفوعاً بالإحساس بالمسؤولية الشرعية والروح الأخوية البعيدة عن التعصب الطائفي أو الانحياز الشخصي ، فخدما بذلك الأمة الإسلامية في توحيد كلمتها ورص صفوفها وسد فجوات كبيرة كان العدو ينفذ منها .

 

ونحن في وقت سابق قد قمنا بدعم هذه الأبحاث بتحقيقها والتعليق عليها وإضافة عشرات المصادر لها ، استجابة لأمر أستاذنا سماحة آية الله العظمى الإمام الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر حشره الله مع أجداده الكرام .

 

وقد طُبع الكتاب الطبعة الأولى باهتمام سماحة السيد الشهيد (قدس) . وإن أنسى فلن أنسى تلك العواطف الأبوية التي شملني بها بعد طبع الكتاب ونشره . وهنا أسجل مكرمة له حول الكتاب .

الشهيد الصدر يشيد بالكتاب :

في كربلاء المقدسة ، وفي حرم سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام وقرب الرأس الشريف إلى جانب الساعة الكبيرة المقابلة للضريح ، التقيت بسماحته ، وكان مشغولاً بين الصلاة والزيارة ، فلثمت أنامله الشريفة ، وكانت قد مضت أيام لم أتشرف فيها بخدمته وحضور درسه ، لظروف خاصة .


(19)

فتفضل في هذا اللقاء بتقديم التهاني والتبريكات ، وأشاد بهذه التعليقة على المراجعات وقال (قدس) إضافة إلى ذلك :

( إن جملة من أهل العلم والفضل المختصين قد أشادوا بخدماتكم الجليلة في التعليقة على الكتاب وقالوا : ( إنها لا تقل أهمية وجهداً عن أصل الكتاب ) .

وأنا بدوري نوهت بخدمته وقلت :

إن الفضل كله يرجع إلى سماحتكم فقد كنتم السبب فيه .

ودار في هذا اللقاء آخر حديث بيني وبينه ، حيث كان آخر جمعة زار فيها جده الإمام الحسين (ع) ، وفي ليلة الأربعاء بعدها مباشرة اعتقل وذلك في رجب 1399 هـ

وإذا كان آخر لقاء لي معه في الدنيا في حرم سيد الشهداء (ع) ، فأرجو من العلي القدير أن يجمعني وإياه مع الإمام الحسين (ع) في الآخرة .

وكم كنت أتمنى أن يعاد طبع هذا الكتاب مرات ومرات تحت نظره والتزود من توجيهاته وإرشاداته ، ولكن المستعمر الكافر وعملاءه في المنطقة عرفوا أن الإمام الشهيد الصدر (قدس) هو الشخصية الوحيدة في العراق التي لها أهلية القيادة للثورة الإسلامية ، وتحطيم عروش الطواغيت ، وأرادوا أن لا تتكرر الثورة الإسلامية الإيرانية في العراق . فأقدم عميل الاستعمار صدام الكافر على إعدامه مع أخته الفاضلة بنت الهدى ، وظنوا أنهم يخمدون بذلك لهيب الثورة الإسلامية ، ولكن خابت ظنونهم وطاشت سهامهم . فإن دمه الزكي سيبقى شعلة وضاءة تنير الطريق للمجاهدين والعاملين في سبيل الله وإعلاء كلمته ، ولن يهدأ للأمة الإسلامية قرار حتى تحقق تلك الأهداف العالية ، وتقيم


(20)

حكم الله في العالم الإسلامي وغيره ، بعد اسقاط عروش الظالمين إلى غير رجعة . 

ونحن إذ نقدم الكتاب في طبعته الثانية بحلة قشيبة واهتمام كبير من التنقيح والتصحيح . نرجو من العلي القدير أن يمن على هذه الأمة الإسلامية على اختلاف مذاهبها ومشاربها وقومياتها وجنسياتها ، أن يمن عليها بالوحدة والتعاطف والتكاتف ورص الصفوف لتكون كتلة واحدة مجتمعة على الحق والهدى .

اللهم ( واحتم لي في قضائك خير ما حتمت ، واختم لي بالسعادة في من ختمت ، وأحيني ما أحييتني موفوراً ، وامتني مسروراً ومغفوراً ، وأر عيني مبشراً وبشيراً ، واجعل لي إلى رضوانك وجنانك عيشاً قريراً وملكاً كبيراً ، وصل على محمد وآله كثيراً )

 

حسين الراضي


 


 (21)

مقدمة الطبعة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم

 

والحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم السلام على أشرف خلقه محمد المصطفى (ص) ، وعلى آله أعدال القرآن وثقله ، سفن النجاة التي من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك وغرق ، الذي جعل محبتهم ومودتهم أجراً للرسالة ، وطهرهم من الرجس والدنس تطهيراً وعلى صحبه المؤمنين والتابعين لهم بإحسان .

 

وبعد : فإن كتاب المراجعات لسماحة سيدنا الإمام شرف الدين (قدّس سرّه) يعتبر بحق من أهم ما أنتجه الفكر الإسلامي والإمامي في توضيح قضايا الإمامة وإثبات وجهتها الحقة بعد وفاة الرسول الأعظم ، وهو في الحقيقة كتاب يدعو لوحدة وجمع الكلمة بين المسلمين ، ويضع حداً فاصلاً لكثير من القضايا على أساس البحث العلمي والدقة الموضوعية ينحسر الجهل ويسفر الصبح ، ويرجع النصاب إلى أهله .

ثم أنّ المؤلّف (قدّس سرّه) عند طبع الكتاب لأول مرة سنة 1355 هـ قام بالتعليق عليه فخرّج أحاديثه على المصادر الموجودة عنده والتزم تعيين الصفحة والجزء والباب غير أنه لوحظ :


(22)

أولاً :

أنه قد فاته كثير من مصادر الأحاديث والآيات في كتب الجمهور فذكر للحديث أو الآية مصدراً أو مصدرين ، وهذا ما وقع في أكثر أحاديث الثقلين وحديث السفينة ، والآيات النازلة في شأن أهل البيت (ع) التي احتجّ بها ، وهذه الموارد لها الأهمية الكبرى في الاستدلال على قضية الإمامة ، مع ما لها من عشرات المصادر .

ثانياً :

أهمل في أكثر الموارد تعيين الطبعة ، وهذا ما يشق على المطالع عند المراجعة والتطبيق على المصدر .

ثالثاً :

إن التخريجات التي دأب عليها السيّد (قده) إنما تتطابق مع الطبعات القديمة لمصادر الحديث التي كانت متوفرة لديه ، وهذه فعلاً صارت نادرة ؛ وإنما توجد في المكتبات العامة وبعض الخاصة . وقد احتلت مكانها اليوم طبعات أخرى أحدث وأوسع انتشاراً ، فكان لابد من تطبيق التخريجات عليها .

رابعاً :

إن بعض الأحاديث أو الحقائق التاريخية أشار إليها وتركها دون تخريج .

فلهذا ، وغيره صارت الحاجة ماسة إلى تعليقة عليها تسهّل على المراجعين تحصيل المصادر للأحاديث والآيات التي يستدل بها .

وقد تلقّى سماحة سيدنا آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر - دام ظله - عدّة رسائل من القراء يشكون بعض الملاحظات .

فأحسّ سماحة السيّد الأستاذ بأهمية التعليق عليها وسدّ هذا الفراغ ، فأناط بي ذلك فامتثلت أمره .


 


(23)

فقمت بالتعليق مستقلاً عن الكتاب متلافياً للملاحظات الآنفة الذكر ، فصرت أخرج الأحاديث والآيات على الطبعات الجديدة بما تيسر لي . أولاً .

وثانياً : أوردت مختلف المصادر للآية أو الحديث التي فاتت المؤلف (قده) مع تعيين الجزء والصفحة ورقم الحديث إن وجد وتعيين اسم المطبعة (1) بل تعدد الطبعات بما تيسر ، وما فاتنا من المصادر أضعاف ما ذكرنا .

ثالثاً : أضفت جملة من الأحاديث وبعض الحقائق التي لم يشر إليها المؤلف مع ذكر مصادرها ، فيكون ذلك تتمة للمراجعات في مصادرها وأحاديثها .

رابعاً : قمت بإثبات ودعم القضايا التي ذكرها المؤلف دون أن يشير إلى مصادرها .

هذا وأسأل المولى سبحانه وتعالى أن يكون هذا الجهد خالصاً لوجهه ، وأن ينفعنا به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، والحمد لله ربّ العالمين .  

 

حسين الراضي

 

 

 

 

 

 

ــــــــــــــ

(1) هذا في الطبعة الأولى وأما في هذه الطبعة فقد وضعنا فهرساً للمصادر التي يتكرر ذكرها كثيراً مع تعيين اسم المطبعة .


(24)

 

 

 

تنبيه

 

 

 

 

 

 

ج = المجلد .

ح = حديث .

ص = صفحة .

ط = طبع . ط 2 = الطبعة الثانية .

- = إلى : مثلاً 16 – 19 – أي من صفحة 16 إلى صفحة 19 .

المصدر الذي لم نذكر اسم مطبعته معه أثناء الكتاب ، أثبتناه في آخر الكتاب في الفهرست ، وذلك نظراً لتكرره كثيراً .

هذا وقد تم وضع أرقام متسلسلة للتخريجات بكاملها .

كما أضيفت تعليقات جديدة أشير إليها في مواضعها بنجمة ( * )

 

 

 

 


 (25)

الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد
وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير
المغضوب عليهم ولا الضالين *

 

 

 

 

 

 

 


(27)

 

حياة المؤلف (1)

بقلم آية الله علم الهدى سماحة الشيخ مرتضى آل ياسين

لست ببالغ من تعريفك - أيها القارئ الكريم - بالسيد المؤلف مبلغ تعريف هذا الكتاب به ، وحسبك منه - وأنت تقرأه في هذا الكتاب - أن تعرف به بطلا من أبطال العلم ، وفارسا من فرسان البيان ، تأتيه حين تأتيه مالكا لأمرك ، مسيطرا على نفسك ، فإذا استقر بك المقام عنده ، لم تتمالك دون أن تضع قيادك بين يديه ، فإذا هو يتملك زمام أمرك ، ويدخل إلى قرارة نفسك ، فيسيطر عليك بطبيعة قوته وأدبه وعلمه .

وأنت لا تخشى مغبة العاقبة من هذه السيطرة فإنها سيطرة مضمونة الخير ، مأمونة الشر ، بعيدة عن الكيد والمكروه ، بعد الصحة عن الفساد ، وكن واثقا أكبر الثقة - حين يأخذك بيانه وبرهانه - أنه إنما يرد بك مناهل مترعة الضفاف ، بنمير ذي سلسبيل ، كلما كرعت من فراته جرعة ، تحلبت شفتاك لجرعات تحسب أن ليس لظمئك راويا غيرها .

هذا بعض ما يعرفك به الكتاب عن مؤلفه ، أفتراني أبلغ من تعريفك به أبعد مما يعرفك هو بنفسه ؟ كلا فإن للسيد عبد الحسين في الحياة مناحي وميادين لا أراني موفيا عليها ، وأنا في هذا السبيل الضيق القصير ، ويوشك أن

ـــــــــــــ

(1)   نقلت عن الطبعة الثانية التي طبعت في دار الساعة ـ بغداد ـ 1365 هـ . 


(28)

يكون الأمر يسيرا لو أن المترجم له غير هذا الرجل ، ويهون الأمر لو كان من هؤلاء الرجال المحدودة حياتهم وأعمالهم ، أما رجل كهذا الرجل الرحب العريض ، فمن الصعب جدا أن يتحمل كاتب عب‌ء الحديث عنه ، والتوفر عليه ، لأنه يشعر حين يقف إليه أنه يقف إلى جبل ينبض بألوان من الحياة ، متدفقة من كل نواحيه وجوانبه ، فلا يكاد يرد كل لون إلى مصدره إلا ببحث عليه مسؤوليات من المنطق والعلم ، قد ينوء بها عاتق المؤرخ الأمين .

ويكفيك من تعريفه - على سبيل الإجمال - ما يعرفك به الكتاب من فنه وعلمه ، وكنا نود لو يتاح لنا أن نقف وقفة خاصة لهذه الناحية الفنية المتعبة ، ولا سيما ونحن منه في سبيل العلم والفن اللذين اجتمعا للمؤلف فصاغا هذا الكتاب متساندين صياغة قدرة وابتداع ، قل أن نجد لها ندا في مقدور زملائه من الأعلام ( أمد الله في حياة أحيائهم ) .

ولكن إحكام الكتاب على هذا النحو من قوة العارضة في الأدب ، وبعد النظر في البحث ، وسلامة الذوق في الفن وحسن التيسير في إيضاح المشاكل ، وتحليل المسائل ، أطلق له لسانا من البيان الساحر أغنانا عن الأخذ بالأعناق إلى مواضع جماله ، فكل بحث فيه لسان مبين عن سره، يناديك حين تغفل عنه ، ويدعوك بصوته حين تمر به سهوان ، ولا تقدر لنفسك أن تتملاه أو تعجب به .

وكتاب فيه هذه الحياة لا ينفك عن صاحبه بحال ، ولا تحسب أن للكتب حياة خاصة مستقلة ، فليست حياة الكتب غير حياة المؤلفين والكتَّاب نفسها ، فإذا سمعت نبأة ، وأدركت حسا في كتاب ، فإنما تسمع جرس الكاتب ، وتحس حسه عينه .

وبعد فسأتركك عند هذا القدر من المعرفة بهذا الامام ، ولك أن تكتفي


(29)

به ، ولك أن لا تكتفي منه ، فبحسبي أن أشعرك بطرف مما عرفت منه ، وأنا انغمس في هذه - المراجعات - . وبحسبك مني أن ترى منزلته من نفسي : كعالم يضم إلى علمه فناً من الأدب منقطع النظير ، ولك أن تثق بي حين تعتبرني دليلا ، أمينا سليم الاختيار بترجمة هذه الذخيرة ، وضمها إلى مؤثلات لغتنا الحية .

 

مولده ونشأته :

على أني لا أرى لك أن تقتصر من معرفته على هذا المقدار ، كما لا أرى لك أن تجتزئ بطائر اسمه ، وسعة شهرته في العالم الإسلامي ، وإنما أرى أن تتجاوز ذلك إلى الاحاطة بشيء من حياته ؛ وبشيء من ظروفه التي قدرت له هذه الحياة .

ولد السيد عبد الحسين شرف الدين - أورف الله ظله - في الكاظمية سنة 1290هـ . من أبوين كريمين تربط بينهما أواصر القربى ، ويوحد نسبهما كرم العرق ، فأبوه الشريف بن الشريف جواد بن الشريف إسماعيل ، وأمه البرة ( الزهراء ) بنت السيد هادي بن السيد محمد علي ، منتهيين بنسب قصير إلى شرف الدين أحد أعلام هذه الأسرة الكريمة .

ثم درج في بيت مهدت له أسباب الزعامة العلمية ؛ ورفعت دعائمه على أعلام لهم في دنيا الإسلام ، ذكرُ محمود ، وفضل مشهود ، وخدمات مشكورة ، فكانت طبيعة الإرث الاثيل ، تحفزه للنهوض من جهة أخرى ، وتربيته الصالحة - كانت قبل ذلك -تصوغه على خير مثال يصاغ عليه الناشئ الموهوب ، فهو أنى التفت من نواحي منشئه الكريم ، استقى النشاط والتوفر على ما بين يديه من حياة : مؤملة لخيره ولخير من وراء‌ه من الناس .

 


(30)

ثم شبل في هذا البيت الرفيع ؛ يرتع في رياض العلم والأخلاق ، ويتوقل في معارج الكرامة ، فلما بلغ مبلغ الشباب الغض اصطلحت عليه عوامل الخير ، وجعلت منه صورة للفضيلة ، ثم كان لهذه الصورة التي انتزعها من بيته وبيئته وتربيته أثر واضح في نشأته العلمية ، ثم في مكانته الدينية بعدئذ . فلم يكد يخطو الخطوة الأولى في حياته العلمية حتى دلت عليه كفايته ، فعكف عليه طلابه وتلامذته ، وكان له في منتديات العلم في سامراء والنجف الأشرف صوت يدوي ، وشخص يومأ إليه بالبنان .

ومنذ ذلك اليوم بدأ يلتمع نجمه في الأوساط العلمية ، ويتسع إشراقه كلما توسع هو في دراسته ، وتقدم في مراحله حتى ارتاضت له الحياة العلمية ، على يد الفحول من أقطاب العلم في النجف الأشرف وسامراء ، كالطباطبائي ، والخراساني ، وفتح الله الاصفهاني ، والشيخ محمد طه نجف ، والشيخ حسن الكربلائي ، وغيرهم من إعلام الدين وأئمة العلم .

ولما استوفى حظه العلمي من الثقافة الإسلامية العالية ، كان هو قد صاغ لنفسه ذوقا عاليا ، ساعدته على إنشائه ملكاته القوية ، وسليقته المطبوعة على حسن الأداء ، وتخير الألفاظ ، وقوة البيان ، وذرابة اللسان ، وسعة الذهن ، فكان بتوفيقه بين العلم والفن ممتازا في المدرسة ، مضافا إلى ما كان له من الميزة الفطرية في ناحيتي الفكر والعقل .

على انه لم يكتف من مدرسته بتلقي الدروس واكتناز المعارف فقط ، بل استفاد من ملابسات الحياة العامة التي كانت تزدحم على أبواب المراجع من أساتذته ، وانتفع من الأحداث المؤتلفة ، والحوادث المختلفة التي كانت تولدها ظروف تلك الحياة ، فكان يضع لما اختلف منها ، ولما ائتلف حسابا ،

 


(31)

ويستخرج منه نفعا ويقدر له قيمة ، وينظر إليه نظرة اعتبار ، ليجمع بين العلم والعمل ، وبين النظريات والتطبيق .

إذن فقد كانت مدرسته - بالقياس إليه - مدرستين : يعاني في إحداهما المسائل العلمية ، ويعاني في الثانية المسائل الاجتماعية ، ثم تتزاوج في نفسه آثار هذه و تلك مصطلحة على إنتاج بطولته .

 

في عاملة :

وحين استعلن نضجه ، ولمع فضله في دورات البحث ومجالس المذاكرة والتحصيل ؛ عاد في الثانية والثلاثين من عمره - إلى جبل عامل - جنوب لبنان ، موقوراً مشهورا مملوء الحقائب ، ريان النفس ، وريق العود ، ندي اللسان ، مشبوب الفكر ، وكان يوم وصوله يوما مشهودا ، قذفت فيه عاملة بأبنائها لتستهل مقدمة مشرقاً في ذراها وأجوائها ، واستقبلته مواكب العلماء والزعماء والعامة ، إلى حدود الجبل من طريق الشام في مباهج كمباهج العيد .

ولم تكن عاملة - وهي منبت أسرته - مغالية أو مبالغة بمظاهر الحفاوة به ، أو بتعليق أكبر الآمال عليه ، فإنها علمت - ولما يمض عليه فيها غير زمن يسير - أنه زعيمها الذي ترجوه لدينها ودنياها معا ، فتنيط به الأمل عن « عين » بعد أن أناطته به عن « أذن » ، وتتعلق به عن خبرة ، بعدما تعلقت به عن سماع ، وتعرف به الرجل الذي يضيف عيانه إلى أخباره ، أمورا لم تدخل في الظن عند الخبر

إصلاحه :

وابتدأت في عاملة حياة جديدة ، شأنها الشدة في الدين ، واللين في

 


(32)

الأخلاق ، والقوة في الحق ، والهوادة مع الضعفاء ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والتطامن لأهل الدين ، والتواضع للعلماء ، وكانت يومئذ إقطاعيات منكرة ، لا تملك العامة معها من أمر نفسها شيئا ، ولا تفهم من الحياة في ظلها غير معناها المرادف للرق والعبودية ، أو لا يُفسح لها أن تفهم غير ذلك من حياتها الهينة المسخرة للأقوياء من جبابرة الناس وطواغيتهم ، فلما استقر به المقام في عاملة ، لم يستطع إقرار هذا النظام الجائح المستبد بحقوق الجماعة ، ولم يجد من نفسه ، ولا من إيمانه ، ولا من بره ، مساغا للصبر على الإقطاعية هذه ، وإن ظاهرها الأقوياء ، والمتزعمون ، والمستعمرون ، وكل من يتحلب ضرعها المادي الحلوب ، لذلك ثار بها وبهم ، وأنكر عليها وعليهم ، واستغلظ الشر بينه وبينهم ، فجمعوا له وأجلبوا عليه ، وسعوا فيه ، وكان كل سعيهم بورا .

اثر بلاغته :

وكان لمنابره البليغة ، ولأساليب إرشاداته البارعة ، اكبر الأثر في تحقيق إصلاحه المنشود ، ولا غرو فان للسيد المؤلف مقاما خطابيا يغبطه عليه خطباء العرب ، ويعتز به الدين والعلم والأدب .

وخطابته ككتابته تستمد معانيها وقوتها وغزارتها من ثقافته كلها ، وترتضع في الموضوع الخاص اثداء شتى من معلوماته الواسعة ، فإذا قرأته أو سمعته رأيت مصادر ثقافته كلها منهلة متفتحة الأفواه كشرايين الثدي وعروقه ، ترفده من كل موضع وعاه في حياته ما ينسجم وموضوعه الذي هو بسبيله ، وعلى ذوقه الممتاز أن يضع أطراف ما يتدفق إليه في هيكل الموضوع الذي بين يديه ، ويركزه في مكانه ، حتى إذا انتهى أنهى إذن بحثا نافعا كله غذاء ومتاع .

وأعظم به - إلى جانب هذه البلاغة - متخيرا لآلئ معانيه ، وأزياء أفكاره


(33)

يقدرها تقديرا ، ويرصفها رصفا ، ويبعث فيها حياة تنبضها بما يريد لها من دلالة في مفهوم أو من منطوق بأوصافه ، وإضافاته ، وبكل تآليفه المنسوقة المنسجمة .

ثم أعظم به محدثا إذا تشاجن الحديث وتشقق وانساب على سفينة ، يمخر العباب ، فهناك النكتة البارعة ، والطرفة اللامعة ، والنادرة الحلوة ، والخبر النافع .

من هذا وذاك علقت به النفوس ؛ واجتمع عليه الرأي ، فقاد للخير وابتغى المصلحة . وتكاملت له زعامة عامة ، يحل منها في شغاف الأفئدة والقلوب ، ولم تكن هذه الزعامة مرتجلة مفاجئة ، بل كانت عروقها واشجة الأصول ، عميقة الجذور ، تتصل بالأعلام من آبائه ، والغر من أعمامه وأخواله ، ثم صرفت هذا الميراث الضخم يده البانية ، فأعلت أركانه ومدت شطآنه وخلجانه .

بيته :

فبيته في ذرى عاملة ، مطنب مضروب ، للقرى والضيفان ، تزدحم فيه الوفود ، وتهدى إليه الحشود اثر الحشود ، ويصدر عنه الكروب بالرفد المحمود ، وهو قائم في تيار الموجتين المتعاكستين بالورد والصدر ، هشاشا طلق المحيا لا يشغله تشييع الصادر ، عن استقبال الوارد ، ولا يلهيه حق القائم عن حقوق القاعد ، ولكنه يجمع الحقوق جميعا ويوفق بينها ، فيوزعها عادلة متناسبة .

ولأريحيته الكريمة جوانب انفع من هذا الجانب ، وابعد اثر ، فهو مفزع يأوي إليه المحتاجون والمكروبون ، وملجأ يلوذون به في الملمات يستدفعون


 


(34)

به المكاره ، حين تضيق بها صدور الناس، وتشتد بهم آلامها ، فإذا طفت بيته ، رأيت ألوان الغايات ، تدفع بألوان من المحتاجين إليه ، المعولين عليه في مختلف أحوالهم ، وأوضاعهم الخاصة والعامة ، مما يتصل بدينهم أو دنياهم ، وتراه قائما بين هؤلاء وهؤلاء ، يجودهم بنفحاته العلوية ، ويغدق عليهم من أريحيته الهاشمية ؛ ويبذل لهم من روحه وراحته ما يملأ به نفوسهم مرحا وسرورا ، ثم لا يسألهم على ذلك جزاء ولا شكورا .

وها هو لا يزال ، مد الله في حياته ، يملي على تاريخه من أحداثه الجسام ، ومآتيه الغر في خدمة الله والمؤمنين والوطنية الصحيحة ، ما تضيق عنه هذه العجالة .

خدماته :

أما خدماته المناضلة ضد الاستعمار الأجنبي فحدث عنها ولا حرج ولا يتسع مجالنا هذا لتفصيل القول في ذلك النضال ، ولكن بوسعي أن أقول لك بكلمة مجملة : إن خدماته العظيمة في العهد التركي ، ثم في العهد الفرنسي ، ثم في أيام الاستقلال ، كانت امتدادا لحركات التحرير ، وارتقاء بها نحو كل ما يحقق العدل ويوطد الأمن ، وينعش الكافة على أن السلطات في العهود كلها لم تأل جهدا في مقاومته ، ومناوأة مشاريعه بما تقاوم به السلطات الجائرة من الدس والاضطهاد وقتل المصالح ، ولعل المحن التي كابدها هذا الإمام الجليل في سبيل إسعاد قومه ، لم يكابد نارها إلا أفذاذ من زعماء العرب وقادتهم ، ممن ابلوا بلاء‌ه وعانوا عناء‌ه .

وناهيك بما فاجأته به سلطة الاحتلال الفرنسي حين ضاقت به ذرعا ، إذ أوعزت إلى بعض جفاتها الغلاظ باغتياله . واقتحم ابن الحلاج عليه الدار في غرة ، وهو بين أهله وعياله ، دون أن يكون لديه احد من أعوانه ورجاله ، ولكن


(35)

الله سبحانه وتعالى أراد له غير ما أرادوا ، فكف أيديهم عنه ، ثم تراجعوا عنه صاغرين يتعثرون بأذيال الفشل والهوان ، وما يكاد يذيع نبأ هذه المباغتة الغادرة في عاملة ، حتى خفت جماهيرهم إلى صور ، تزحف إليها من كل صوب وحدب ، لتأتمر مع سيدها فيما يجب اتخاذه من التدابير إزاء هذا الحدث ، غير أن السيد صرفهم بعد أن شكرهم ، واجزل شكرهم ، وارتأى لهم أن يمروا بالحادث كراما .

ثم تلا هذا الحادث إحداث وأحداث اتسع فيها الخرق ، وانفجرت فيها شقة الخلاف ، حتى أدت إلى تشريد السيد بأهله ومن إليه من زعماء عاملة إلى دمشق ، وقد وصل إليها برغم الجيش الفرنسي الذي كان يرصد عليه الطريق ، إذ كانت السلطة الغاشمة تتعقبه بقوة من قواتها المسلحة لتحول بينه وبين الوصول إلى دمشق ، وحين يئست من القبض عليه ، عادت فسلطت النار على داره في ( شحور ) فتركتها هشيما تذروه الرياح ، ثم احتلت داره الكبرى الواقعة في ( صور ) بعد أن أباحتها للأيدي الأثيمة ، تعيث بها سلبا ونهبا ، حتى لم تترك فيها غاليا ولا رخيصا ، وكان أوجع ما في هذه النكبة تحريقهم مكتبة السيد بكل ما فيها من نفائس الكتب واعلاقها ، ومنها تسعة عشر مؤلفا من مؤلفاته ، كانت لا تزال خطية إلى ذلك التاريخ .

في دمشق :

وظل في دمشق تجيش نفسه بالعظائم وتحيط به المكرمات ، في ابهة من نفسه ، ومن جهاده ، ومن إيمانه ، وكان في دمشق يومئذ مداولات ملكية ، واجتماعات سياسية ، وحفلات وطنية ، تتبعها اتصالات بطبقات مختلفة من الحكومة والشعب ، كان السيد في جميعها زعيما من زعماء الفكر ، وقائدا من قادة الرأي ، ومعقدا من معاقد الأمل في النجاح .


(36)

وله في هذه الميادين مواقف مذكورة ، وخطابات محفوظة ، سجلها له التاريخ بكثير من الفخر والإعجاب.

ولم يكن بد من اصطدام العرب بجيش الاحتلال ، فقد كانت الأسباب كلها مهيأة لهذا الاصطدام ؛ حتى إذا التقى الجمعان في « ميسلون » واشتبكا في حرب لم يطل أمدها ، ودارت الدائرة على العرب لأسباب نعرض عنها .

غادر السيد دمشق إلى فلسطين ومنها إلى مصر بنفر من أهله ، بعد أن وزع أسرته في فلسطين بين الشام ؛ وبين أنحاء من جبل عامل ، في مأساة تضيف أدلة إلى الأدلة على لؤم ، فقد ظل ثقل من أهله الذين ذهبوا إلى « عاملة » ليالي وأياما لا يجدون بلغة من العيش يحشون بها معد صغارهم الفارغة ، على أنهم يبذلون من المال أضعاف القيمة ، ويبسطون أكفهم بسخاء نادر ، وأخيرا لم يجدوا حلا بغير توزيع قافلتهم في الأطراف المتباعدة ، بين من بقي من أوليائهم وأصدقائهم على شيء من الوفاء أو الشجاعة .

في مصر :

حين وصل مصر احتفلت به ، وعرفته بالرغم من تنكره وراء كوفية وعقال ، في طراز من الهندام على نسق المألوف من الملابس الصحراوية اليوم ؛ وكانت له مواقف في مصر وجهت إليه نظر الخاصة من شيوخ العلم ، وأقطاب الأدب ، ورجال السياسة ، على نحو ما تقتضيه شخصيته الكريمة .

ولم يكن هذا أول عهده بمصر فقد عرفته مصر قبل ذلك بثمان سنين ، حين زارها في أواخر سنة تسع وعشرين ، ودخلت عليه فيها سنة ثلاثين وثلاثمائة وألف هجرية ، في رحلة علمية جمعته بأهل البحث ، وجمعت به قادة الرأي من علماء مصر ، وعقدت فيها بينه وبين شيخ الأزهر يومئذ -  الشيخ


(37)

سليم البشري - اجتماعات متوالية تجاذبا فيها أطراف الحديث وتداولا جوانب النظر في أمهات المسائل الكلامية والأصولية ، ثم كان من نتاج تلك الاجتماعات الكريمة هذه (المراجعات ) التي نحن بصددها .

 

في فلسطين :

وحدثت ظروف دعته إلى أن يكون قريبا من عاملة، فغادر مصر في أواخر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألف هجرية إلى قرية من فلسطين تسمى ( علما ) تقع على حدود جبل عامل ، وفي هذه القرية هوى إليه أهله وعشيرته ، ولحق به أولياؤه المشردون في هذا الجهاد الديني الوطني ، فكانوا حوله في القرى المجاورة . وكان في ( علما ) كما يكون في جبل عامل من غير فرق كأنه غير مبعد عن داره وبلده ، يتوافد اليه الناس من قريب ومن بعيد ، ولا يكاد يخلو منزله من أفواج الناس ، فيهم الضيوف ، وفيهم طلاب الحاجات ، وفيهم رواد القضاء ، والفقه ، وفيهم من تستدعه الحياة السياسية أن يعرف ما عند السيد من وجه الرأي .

وانسلخت شهور في ( علما ) تصرفت فيها الأمور تصرفا يرضي السيد بعض الرضا ، وأبيح للسيد أن يعود إلى عاملة بعد مفاوضات أدت إلى العفو عن المجاهدين عفوا عاما ، والى وعد من السلطة بإنصاف جبل عامل ، وإنهاضه ، وإعطائه حقوقه كاملة .

العودة :

وحين اطمأنت نفسه بما وعدته به السلطة ، عاد إلى جبل عامل ، ولم تسمح نفسه بأن يعود والمجاهدون مبعدون ، لذلك جعل بيروت طريق عودته ـ وطريقه بعيدة عنها ـ ليستنجز العفو العام عن المجاهدين ، وكذلك


(38)

كان ، فانه لم يخرج من بيروت حتى كان المجاهدون في حل من الرجوع إلى وطنهم واهليهم .

ولعل جبل عامل لم يشهد يوما أبهج ولا احشد من يوم عودته ، ولعله لن يشهد يوما كهذا اليوم ، يحشر فيه الجبل من جبله وساحله ، في بحر من الناس يموج بعضه فوق بعض ، وتطفوا فوقه الأعلام رفافة بالبشر ، منحنية بالتحية ، والهتاف ، مجلجلة كجلجلة الرعد في أذن الجوزاء .

 

ويبدأ من ذلك اليوم موسم للشعر ، تفتقت فيه القرائح العاملية عن ذخائر ممتعة من الأدب العالي ، وتفتحت سلائقهم عن اصدق العواطف ، وأسمى المشاعر تنبض بها قوافيهم تهز المحافل في إبداع وتجويد ، صباح ، مساء ، ولقد امتد هذا الموسم الأدبي زمنا طويلا اجتمع في أيامه ولياليه ضخم القيمة ، ضخم الحجم ، يمكن اعتباره مصدرا لتاريخ الفكر والسياسة في جبل عامل خلال هذه الفترة .

 

منزلته في العالم الاسلامي :

ترتسم على كل افق من آفاق هذا العالم الإسلامي ، أسماء معدودة لرجال معدودين ، امتازوا بمواهب وعبقريات ، رفعتهم إلى الأوج الأعلى من آفاقهم ، فإذا أسماؤهم كالنجوم اللامعة تتلألأ في كبد السماء .

أما الذين ترتسم أسماؤهم في كل أفق من تلك الآفاق ، فقليل ، وقليل هم ، وليسوا إلا أولئك الذين علت بهم الطبيعة ، فكان لهم من نبوغهم النادر ما يجعلهم أفذاذاً في دنيا الإسلام كلها ، ومن هؤلاء الأفذاذ سيدنا المؤلف « أطال الله عمره » فقد شاء‌ت الإرادة العليا أن تبارك علمه وقلمه ، فتخرج منهما للناس نتاجا من افضل النتاج ، وقد لا أكون مبالغا حين استبيح لقلمي


(39)

أن يسجل : أن السيد المؤلف يتقدم بما انتج إلى الطليعة من علماء الشيعة الذين كرسوا حياتهم طوال أعمارهم لخدمة الدين والمذهب . وبهذا استحق أن يتصدر مجلس الخاصة في العالم الإسلامي اليوم .

 

حياته العلمية :

وقد يلوح مما قدمنا أن المشاكل الاجتماعية المتراكمة من حوله ، تصرفه عن النظر في حياته العلمية ، وتزحزحه عن عمله الفني . والواقع ان رجلا يمنى بما مني به « سيدنا » ينصرف عادة عما خلق له من علم وتأليف ، فإن ما يحيط به من المشكلات يضيق بالنظر في امر المكتبة ، والكتابة ، لولا بركة وقته ، وسعة نفسه ، وقدرة ذهنه .

فهو - على حين انه يوفي حق تلك المشكلات الشاغلة - يوفي حق علمه فيبلغ من المكتبة نصيب الذي تحتاجه حياته العلمية ، وهو منذ ترك النجف الأشرف على اتصال مستمر بالبحث والمطالعة والكتابة والمناظرة . يخلو كل يوم في فتراته إلى مكتبته يستريح إلى ما فيها من موضوعات ، وينسى من وراء‌ها من حياة مرهقة لاغبة .

 

مؤلفاته :

وليس أدل على هذا من إنتاجه ، هذا الإنتاج الغزير الثري النبيل . وإن مؤلفاته لتشهد بأنه من الحياة العلمية ؛ كمن ينصرف إليها ، ولا يشغل بغيرها ، وأدل ما يدل منها على ذلك ، كيفية مؤلفاته لا كميتها ؛ فهي وإن كانت كثيرة حتى بالقياس إلى رجل يتفرغ إليها ، فإنها من الأصالة ، والعمق ، والاستيعاب ، حيث لا تدل على أن مؤلفها رجل يمتحنه الناس بتلك المشاغل ، ويبتلونه بما عندهم من مشاكل ، فهي بما فيها من قوة ، ومتانة ،


(40)

وغور ، ونحت وتفكير ، أدل على اتصاله الدائم بحياته العلمية من جهة ، وادل على فضله وخصوبة سليقته ، من جهة أخرى .

بهذا الميزان يرجح علم الرجل وفضله ، ثم يرجح به امتياز ما كتب ، وهو امتياز قليل النظير ، فإن المؤلفين المكثرين ، كثيرا ما تظهر عليهم السطحية ، ويميز كتبهم الحشو ، أما المؤلف فليس فيما قرأنا من مؤلفاته مبتذل سطحي ، ولا رخيص سوقي ، بل كل ما كتب أنيق رقيق ، رفيع عميق ، يجمع بين سمو الفكر وترف اللفظ ، وهو ما أشرنا إليه في صدر كلامنا من كونه حريصا على المزاوجة بين علمه وفنه ، فإذا قرأت فصلا علميا خالصا خلت - لقوة أسلوبه ونصاعته - أنك تقرأ فصلا أدبيا يروعك جماله المستجمع لكل العناصر الأدبية .

على أنا حين نتجاوز هذه النقطة ، فمؤلفاته كثيرة من حيث الكمية أيضا ، وهذا يضاعف القيمة . إنه يدل على ملكة خصبة أصيلة لا يؤخرها أشد العوائق عن الإتقان ، وإنها لتثبت له بطولة فكر ، واليك ثبتا بآثار هذه البطولة .

 

لآلئه المنضودة :

1 - المراجعات هذا نموذج صادق لما كتب ، ولا اربد أن أحدثك عنه فان لسانه أبين من حديثي وانطق .طبع في مطبعة العرفان بصيداء سنة 1355 ونفدت نسخه ، وترجم إلى اللغة الفارسية ، وبلغني انه ترجم إلى اللغة الإنكليزية ، ترجمه السيد زيد الهندي .وانه ترجم إلى اللغة الاوردية أيضا .

2 - الفصول المهمة في تأليف الأمة : كتاب من أجل الكتب الإسلامية ، يبحث مسائل الخلاف بين السنة والشيعة على ضوء ( الكلام ) والعقل والاستنتاج والتحليل . تم تأليفه سنة 1327 هـ ، وطبع مرتين بصيداء - جبل عامل - زاد فيه بالطبعة الثانية سنة 1347 هـ ، والفصول المهمة


(41)

يغنيك عن مكتبة كاملة في موضوعه . يقع في 192 صفحة قطع النصف .

3 - أجوبة مسائل موسى جار الله : كتاب على صغر حجمه ، عظيم الإحاطة واسع المعلومات ، وهو كما يدل عليه اسمه ، أجوبة عن عشرين مسألة سأل بها موسى جار الله علماء الشيعة ، وهو يظن أن فيها شيئا من الإحراج ، كتكفير الشيعة ، لبعض الصحابة ، ولعنهم ، وكنسبة القول بتحريف القرآن للشيعة ، ونسبة تحريم الجهاد اليهم أيضا ، وكمسائل البداء والمتعة والبراء‌ة والعول وما إلى ذلك ، فكانت أجوبة من أشدّ ما يكون ، تستقي من العلم والتوفر ، وتقوم على البرهان والمنطق فلا تترك أثرا للشك ، ولها مقدمة في الدعوة إلى الوحدة ، وخاتمة في جهل السائل بكتب الشيعة ، وفي بعض ما في كتب السنة من أخلاط .يقع في 152 صفحة من القطع الصغير ، طبع في مطبعة العرفان بصيداء سنة 1355 هـ 1936 م .

4 - الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء ، تقع في 40 صفحة من قطع النصف طبعت مع الفصول المهمة في الطبعة الثانية ، وهي من اعمق الدراسات وأصحها منهجا واستنتاجا وأدلها على تدفق القلم : الينبوع .

5 - المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة : طبع منها المقدمة وتقع في اثنين وسبعين صفحة بقطع النصف يشرح فيها فلسفة المآتم الحسينية وأسرار شهادة الطف شرحا دقيقا رائعا .

6 – أبو هريرة : طبع سنة 1365 هـ ، بمطبعة العرفان في صيداء وهو نسق جديد في التأليف وفتح في أدب التراجم بطراز المستوعب المحلل ، ولعله من اجل ما تخرجه المطابع الحديثة بحثا وعمقا وأسلوبا . يبحث حياة ابي هريرة وعصره وظروفه وعلاقاته واحاديثه وعناية الصحاح الست بروايته على ضوء العلم والعقل .


(42)

7 ـ بغية الراغبين : « مخطوط » كتاب عائلي خاص يؤرخ لشجرة (شرف الدين ) ومن يتصل بهم من قريب ، وهو كتاب ضخم جليل ممتاز في أدب التراجم بطريقته الخاصة ، وتنسيقه المتقن ، وربما ترجم بعض الأعلام من أساتذة المترجمين في الكتاب وتلامذتهم وقد يترجم عصورهم وظروفهم ، وبهذا تقف منه على كتاب أدبي ممتع رائع ، بل انه تاريخ أجيال ، بتاريخ رجال .

8 - فلسفة الميثاق والولاية : وهي رسالة فذة في موضوعها . طبعت في صيداء سنة 1360 هـ .

9 - ثبت الأثبات في سلسلة الرواة : ذكر فيه شيوخه من أعلام أهل المذاهب الإسلامية بكل متصل الأسناد بالنبي ( ص ) وبالأئمة ( ع ) وبالمؤلفات ومؤلفيها من طرق كثيرة متعددة يروي فيها قراء‌ة وسماعا وإجازة من أعلام الشيعة الأمامية والزيدية ، وعن أعلام السنة ، واستيعاب طرقه كلها طويل ، اقتصر منه على ما جاء في الثبت وقد طبع في صيداء مرتين (1) .

 

 

 

 

ــــــــــــــ

 بعد نشر هذه المقدمة خرج لسيدنا عدة كتب جليلة ، منها :

 1 - مسائل خلافية - في بعض الفروع تكلم فيها على المذاهب الخمسة طبعت في مطبعة العرفان بصيداء سنة 1370 هـ .

2 - رسالة كلامية - حول الرؤية طبعت بصيداء أيضا سنة 1371 هـ . طبع معها - فلسفة الميثاق والولاية - طبعة ثانية .

3 - كتاب إلى المجمع العلمي العربي بدمشق - طبع بصيداء سنة 1369 هـ ، بحث فيه مع رئيس المجمع الاستاذ كرد علي وناقشه الحساب فيما نسبه إلى الامامية متجنيا عليهم .

4 - وسيقدم إلى الطبع كتابه - الاجتهاد مقابل النص .


(43)

نفائسه المفقودة :

وله غير هذه الروائع الخالدة نفائس ، لولا عدوان سنة العشرين عليها بالحرق والتمزيق ؛ لكانت من الذخائر المعدودة في كنوز العقل والفكر ، ولكنها فقدت في تلك الأحداث المؤلمة ، فمني بفقدانها العلم بخسارة عسى أن يتسع وقت سيدنا للتعويض عنها بإحيائها من جديد ، ونسردها فيما يلي كما يذكرها المؤلف في آخر تعليقته على - الكلمة الغراء - .

1 - شرح التبصرة في الفقه على سبيل الاستدلال خرج منه ثلاثة مجلدات تتضمن كتب الطهارة والقضاء والشهادات والمواريث .

2- تعليقة على الاستصحاب من رسائل الشيخ - في الأصول - في مجلد واحد .

3 - رسالة في منجزات المريض استدلالية .

4- سبيل المؤمنين - في الإمامة - يقع في ثلاثة مجلدات .

5 - النصوص الجلية في الإمامة أيضاً فيه أربعون نصا اجمع على صحتها المسلمون كافة ، وأربعون من طرق الشيعة مجلوة بالتحليل والفلسفة .

6 - تنزيل الآيات الباهرة في الإمامة أيضاً ، وهو مجلد واحد يبتني على مائة آية من الكتاب نزلت في الأئمة بحكم الصحاح .

7 - تحفة المحدثين فيما اخرج عنه الستة من المضعفين . وهو كتاب بكر في الحديث لم يكتب مثله من قبل .

8 - تحفة الأصحاب في حكم أهل الكتاب .


(44)

9 - الذريعة رد على بديعة النبهاني .

10 ـ المجالس الفاخرة أربعة مجلدات ، الأول في السيرة النبوية ، والثاني في سيرة أمير المؤمنين والزهراء والحسن ، والثالث في الحسين ؛ والرابع في الأئمة التسعة عليهم السلام .

11- مؤلفو الشيعة في صدر الإسلام ، نشر بعض فصوله في مجلة العرفان بصيدا ( راجع العرفان في مجلداته الأول والثاني ) .

12- بغية الفائز في نقل الجنائز ، نشر أكثرها في العرفان .

13 - بغية السائل عن لثم الأيدي والأنامل ، رسالة علمية أدبية ، فكاهية ، فيها ثمانون حديثا من طريقنا وطريق غيرنا .

14 - زكاة الأخلاق ، نشرت العرفان بعض فصوله .

15 - الفوائد والفرائد كتاب جامع نافع .

16 - تعليقة على صحيح البخاري .

17 - تعليقة على صحيح مسلم .

18 - الأساليب البديعة في رجحان مآتم الشيعة يبتني على الأدلة العقلية والنقلية وهو في بابه بكر جديد .

وله بدايات - وراء ذلك - في مواضيع شتى ، بعضها ذهب في المفقودات وبعضها أعيد ولا يزال في سبيل الإتمام .

ومؤلفاته كلها تمتاز بدقة الملاحظة ، وسعة التتبع وشمول الاستقصاء


(45)

وصحة الاستنتاج ، وشدة الصقل ، وأمانة النقل وترابط الجزاء . في خصال تتعب الناقد وتحفظ الحاقد (1) .

 

ثقافته :

ولعلك ألممت بنواحي ثقافته من مؤلفاته ، ومما حدثناك عنه في هذه الكلمة ، فهو - كما علمت - أسس ، وقام بناؤه في النجف الأشرف ، فكان إماما في اللغة وعلوم العربية وآدابها ، والمنطق ، والتاريخ ، والحديث ، والتفسير ، والرجال ، والرواية والأنساب ، والفقه والأصول ، والكلام ؛ وما يتصل بهذه العلوم من روافد .

هو بالعلوم الإسلامية وما إليها فارس معلم ، لا يجارى في حلباتها ، ولا يلحق في مضاميرها ، ويمتاز بالإضافة إلى ذلك بأدبه القوي الحافل ، وبما يتصل به من الأسرار النفسية والاجتماعية والنقد . له في ذلك سليقة ملهمة وملكة قوية ترافقان حديثه وقلمه ، محاضرة وخطابة ، تأليفا وكتابة ، أنه على الإجمال أفضل صورة للعالم الإسلامي الضليع الجامع .

أخلاقه ومواهبه :

هو طويل الاناة ، ثقيل الحصاة ، واسع الصدر لين الطبع ، قوي القلب مهاب ، له روعة في النفس ، وتأثير يدفعانك لاحترامه وحبه وإن جهلته .

وهو شديد الشكيمة في الحق متوقد الحماسة للدين ، لا يعرف هوادة ولا لينا حين تهب بادرة للبغي أو الباطل ، على انه متواضع كريم هش .  

ــــــــــــ

(1) تحفظ بضم حرف المضارعة من احفظ بمعنى اغضب . وفي الحديث : بدرت مني كلمة - احفظته - أي أغضبته - والمراد منها هنا ، انها تغضب الحاقد بسبب انه لا تبقي له سبيلا يرتاح إليه في القدح أو الكلام على المؤلف.


(46)

وللإنصاف في نفسه موضع يسوي بين القريب والبعيد ، الحق رائده . فلا يمنعه حبه لأحبائه من إقامتهم على العدل ، ولا يمنعه إنصافه - وهو يحكم - من الاحتفاظ بالحب في زوايا نفسه لمن يحب ، ومن هنا كان العدو والصديق عنده سيان في الحكم على ما يأتيان من حسن أو قبح ، في آثارهما وأفعالهما .

ومن هنا أيضا كان قدوة : في الورع وصفاء النفس ، ونقاء الضمير ، وقول الحق ، وإلى جانب هذا كله له رأي حصيف ، ونظر بعيد ، يسبر أغوار الناس ويصل إلى حقائق الأمور وأعماقها ؛ فلا يخدع من حال ، ولا يغش في ظاهر ، ولا يفتل عن صواب ولا يغر في رياء .

يعنى بأقدار الناس ، ويوفيهم فوق ما يستحقون ، ويشجعهم على إيتاء الخير ، ويرهف الناشئة العلمية للإتقان والتجويد ، فيبالغ لهم في الاستحسان ، ويكيل لهم من الكلم الطيب ، والنوال الكريم ؛ ما يدفعهم إلى ما يرمي إليه من تقدمهم .

ولعله لهذه الخلال الكريمة أثراً في صفاء مواهبه ، وقوة تأثيره ، وصدق كفاياته ؛ فهو من أفصح الناطقين بالضاد حين يتحدث ، وأبلهم ريقا حين يخطب ، ومن انفذ الناس للنفس حين يعظ ، واحكمهم بالقضاء وأعدلهم بالحكم وأبينهم بالحجة ، وأفقههم بالحياة

 

أسفاره :

في سنة ألف وتسع وعشرين وثلاثمائة وألف هجرية زار مصر زيارة علمية ، كما حدثناك ، اجتمع فيها بأفذاذ الحياة العقلية في مصر ، وعلى رأسهم الشيخ سليم البشري المالكي شيخ الجامع الأزهر في عصره ، وأنتجت اجتماعاته به ،

 


 (47)

ومراسلاته له هذا الكتاب ، وحسبه فائدة من هذه الزيارة ( المراجعات ) .

وفي حوالي سنة 1328 هـ . زار المدينة المنورة ، وتشرف بأعتاب النبي (ص ) وضرائح أئمة البقيع ( ع ) .

وفي ثمان وثلاثين كانت الهجرة الدينية السياسية التي عرفت شيئا من حديثها وفيها زار دمشق ومصر وفلسطين ، وفي كل هذه البلاد كانت له فوائد علمية ومحاضرات قيمة ، كما تلمح ذلك فيما حدثناك به في مشايخه في الرواية ؛ وفي سنة 1340 هـ ، حج البيت من طريق البحر ، في عهد المغفور له الملك حسين ، وحج معه خلق كثير من جبل عامل في ذلك الموسم ، وكان الموسم في ذلك العام من احفل مواسم الحج وأكثرها ازدحاما وإقبالاً على هذه الفريضة ولعل مكة لم تشهد مثل هذه الموسم منذ عهد بعيد ، وكان في الحجيج تلك السنة كثير من الأعلام من علماء وزعماء من مختلف الأقطار ، وكان السيد أبرزهم بين تلك الجموع اسماً ، وأعلاهم مكانة ، وأرفعهم بيتا وأسخاهم كفا .

وهو أول عالم شيعي أم هذه الجماهير الضاغطة المزدحمة في المسجد الحرام بمكة المشرفة ، وهي أول مرة تقام فيها الصلاة وراء إمام شيعي على هذا النحو العلني تجتمع فيه الألوف معلنة في غير تقية .

ومن هنا كان حجه مشهورا يتحدث عنه الناس في سائر الأقطار الإسلامية ، وقد احتفى به الملك الحسين بن علي أجمل احتفاء وأفضله ، واجتمعا أكثر من مرة وغسلا معا الكعبة .

وفي أواخر سنة 1355 هـ ، زار أئمة العراق ، وجدد العهد بأهله وأرحامه ، واستقبله يوم وروده الوزراء والأعيان والزعماء ، وعلى رأس الجميع سماحة السيد محمد الصدر من بغداد إلى جسر الفلوجة ، في أرتال

 


(48)

من السيارات ، واستقبل في كربلاء وفي النجف الأشرف باستقبالات علمية وشعبية رائعة فخمة قليلة النظير .

وأكاد اسمعه يهتف حين اقبل على مرابع صباه وشبابه :

و أجهشت للتـوبـاد حين رأيـتـه      وكـبـر للـرحـمـن حيـن رآنـي

 

وطبيعي ان يجهش هو شوقا إلى هذه المعاهد الأنيسة ، وان تكبر هي ترحيبا به وفرحا باقباله بعد فراق امتد امده سنين  (1) طوالا .

ألم يصدر هو عنها راويا مرويا ؟ ألم تحفل هي به غريدا يملا أجواء‌ها بأفضل مما يمتلئ به معهد من طلابه العبقريين ؟

بلى ، تبادلا الحنين والشوق واللوعة والتحية ، واستجابت لهذا التبادل الروحي النقي داعي البر والوفاء في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء . فكانت حفلات زاهرة زاهية ، قد بعد العهد به عن مشاهدها وأعلامها .

وكانت اجتماعاته بالأعلام من أهل العلم ، ورجال البحث ، آهلة بالفرائد ، في مختلف فروع العلم ، وشتى مسائله .

وتابع من العراق سفره إلى إيران ، فتشرف بزيارة الامام الرضا عليه السلام ، وعرج في طريقه على قم وطهران وغيرهما من مدن إيران ، ولقي في جميع تلك المدن من مراسيم الحفاوة ما تفرضه شخصيته المحبوبة العظيمة .

 

ـــــــــــــ

(1) كانت ثلاث وثلاثين سنة .


(49)

آثاره وإنشاء‌اته :

افتتح أعماله الإنشائية بوقف حسينية ، أعدها ليجتمع إليها الناس في مختلف الأوقات والظروف والدواعي ، يعظمون فيها الشعائر ، ويتلقون فيها دروس الوعظ والإرشاد ، ويقيمون فيها الصلاة، فلم يكن للشيعة مسجد في مدينة صور يوم جاء‌ها السيد ، لذلك تملك دارا ، ثم وقفها حسينية في بدء التأسيس ، ثم حين سنحت الفرصة انشأ مسجدا من اضخم المساجد بناء ، وأجملها هيكلا له قبتان عظيمتان ، ومنارة شامخة ، وباحة رائعة أمام إيوان واسع ، يتصل بأبواب المسجد الرحب ، ويقوم في وسطه عمودان من الآثار الفينيقية ، يحملان القبتين ، وخلف المسجد مما يلي المحراب فناء كبير يتصل بخارج البلد .

وحين تم هذا المسجد الجامع العظيم ، بدأ بإنشاء ما كان يشغل تفكيره من قديم ، أعني إنشاء مدرسة حديثة تمثل مبدأه التربوي في كلمته السائرة « لا ينشر الهدى إلا من حيث انتشر الضلال » . على أن النهوض بشعب بادئ خاضع للسلطات الإقطاعية ، معرض للصدمات ، ممتحن بالعراقيل ، لذلك جاء مشروعه الضخم هذا على مراحل ؛ ولو لا بطولة عرفناها مبدعة قادرة في السيد حفظه الله لما تخطى المشروع أولى مراحله .

انشأ في أولى المراحل ، على مدخل المدينة ، ستة مخازن ، وشيد على سطحها دارا واسعة مراعيا فيها أن تكون يوما ما المدرسة المرجوة ، لكن إنجاز هذا المشروع لم يكن يومئذ ممكنا لمعارضة كانت من السلطة ومن يمشي في ركابها من ذوي المصالح الفردية ، وبهذا اضطر إلى الاكتفاء يومئذ بهذا القد ينتظر الفرصة المواتية .

وكانت فترة استجمام طويلة نشط بعدها سنة 1357 هـ ، فإذا الدار هي

 


(50)

المدرسة الجعفرية المثلى ، وقد أضاف إليها في الدور الأول مسجدا خاصا بالمدرسة وطلابها ، ورفع على سطحه بناء آخر يماثل المدرسة أضيف إليها أيضا ، فكانت المدرسة بذلك مؤلفة من نحو خمس عشرة غرفة عدا الأبهاء والساحات .

 

رفع من الجهة الأخرى ناديا فريدا ، سماه « نادي الإمام جعفر الصادق » ، طوله اثنان وعشرون مترا ونصف المتر ، وعرضه خمسة عشر مترا ونصف المتر ، وقد أعده للاحتفالات والمواسم العلمية والدينية والاجتماعية والمدرسية . ثم أسس بعد كل ذلك مدرسة للإناث في سنة إحدى وستين هجرية وهي تتوخى ما توخته مدرسة الذكور من التوفيق في التربية بين المناهج الصالحة الضامنة لحياة أمثل وأفضل (1) .

ــــــــــــ

(1) أما الكلية اليوم فقد نمت نموا مباركا بفضل الله تعالى وعناية سيدنا ، قدس الله سره ، وإخلاص ولده السيد جعفر الذي عهد بها

إليه منذ نشأتها ، فانكب على خدمتها بشبابه ونشاطه حتى سما بها فأوصلها إلى رتبة أرقى المدارس ، فهي اليوم تناهض أرسخ المعاهد قدما ، وتسمو على أمثالها مما تستند كياناته إلى جمعيات ودول ، وأبرز ما ولد فيها « صرح المهاجر » الجديد ، إذ أوفد قدس الله سره ولديه السيد صدر الدين والسيد جعفر إلى أبنائه في المهاجر الأفريقية ، يتفقدانهم ، ويدعوانهم إلى نجدة المشروع ، ففاء‌ا بمائتي وخمسين ألف ليرة لبنانية رفعت الصرح وفق تصميم لأحدث معهد في ثلاثة أدوار ، كل دور جناحان ، الأول طوله ثمان وستون مترا ، والثاني طوله واحد وأربعون مترا ؛ وعرض الجناحين عشرة أمتار ، وفي وسط الصرح برج عظيم لساعة كبرى تضبط الوقت ، وتعد الزمن ، وأمام الصرح ساحة مساحتها عشرة آلاف متر وهي موصولة بالمدرسة القديمة ، مسورة تسويرا يجعل من أبنية الكلية وحدة يصح أن تدعى « مدينة العلم » في صور .

وبعد ذهابه إلى الرفيق الأعلى يوم الاثنين 30 كانون الأول سنة 1957 الموافق في 8 جمادي الثانية سنة 1377 هـ ، ثم دفن بناء على وصية منه في النجف الأشرف بجوار جده الإمام علي بن أبي طالب داخل الصحن في إحدى الغرف المحيطة بالضريح . في يوم الأربعاء في 1 كانون الثاني 1958 ، الموافق 10 جمادي الثانية سنة 1377 هـ .

ترك قدس الله سره ، هذه المؤسسات أمانة في عنق جمعية اختار أعضاء‌ها من الذين أعانوه في شتى مجالاته الدينية والاجتماعية والثقافية . وعهد إليها بأوقافها تغذيها وتنميها وقد كانت =


(51)

وموقع المدرسة والنادي من أجمل المواقع وأجملها بروعة المنظر ، وطلاقة المرأى يسبح النظر منها في عباب ذلك الخضم الجميل ، ويمتد منه إلى غير نهاية ، فإذا سئم البحر وتزخاره ، انطلق منه في جهة أخرى إلى السهول ومن خلفها الجبال المتساندة ، تحتضن القرى على مرمى العين، ويذهب البصر ، من هنا وهنا نشيطا يحلم بذلك الجمال الساحر الآسر ، ويسرح منعما متجولا لا تعيقه عقبة دون المتعة والانشراح .

فإذا وقفت إلى مجموعة هذه الضخمة المتصل بعضها ببعض ، القائم بعضها على بعض ، وقفت منها إلى صرح عظيم مشيد الأركان ، متين البنيان يروعك بجماله الهندسي وفخامته العمرانية . ثم هو يروعك اكثر فأكثر ، إذا وقفت على نتاجه الخصب الذي يجمع إلى كثرة ( الكم ) جودة ( النوع ) .

ومع ذلك فلا يزال - على تمامه وكماله - نواة بالقياس إلى طموح سيدنا المؤلف فهو قد تملك في جنوبها أرضاً واسعة كبيرة ، وألحقها بالمؤسسة ليتم بها مشاريعه الخيرية ، وإغراضه الإسلامية ، وينتهي إلى تأسيس جامعة (1) تلقن طلابها أحسن المبادئ ، في أوسع المعارف ، وهو يرى أن هذه الطريق خير طريق لعلاج الخطر الداهم ، ولحفظ الجيل الجديد ، الناسل من صفوفنا إلى صفوف قد تضطره أن يعادي صفوفنا . أخذ الله بيده لما فيه صلاح الدنيا والدين ونفع به الإسلام والمسلمين ، والحمد لله رب العالمين .

الكاظمية 1365 هـ - 1946 م

مرتضى آل ياسين

ــــــــــــــ

=   هذه الجمعية بشخص رئيسها السيد خليل فرعوني عند حسن ظن السيد المؤسس إنشاء وبناء ، حتى أصبح للجعفرية اليوم بفضل هذه الجمعية عقارات شامخة هي أبرز عقارات صور التجارية .

(1) أقام سماحته الصرح الجديد للكلية الجعفرية في هذا المكان وفق تصميمه


(52)

 

 

تنبيه

لم نجعل فهرسا لمصـادر كتابنا هذا ، استغناء عنه بذكر الكتاب عند النقل عنـه مع تعيين الصفحة من ذلك الكتاب . ولما كانت الكتب مختلفة في عدد الصفحات - لتكرر طبعها - لم نقتصر - فـي مقام النقل عنها في هذا الكتاب وغيره من سائر مؤلفاتنا - على تعيين الصفحة فقط ، بل عينا معها الباب أو الفصل - مثلا – ليرجع اليه من لم تكن صفحات النسخ التي عنده - من الكتب التي نقلنا عنها - موافقة في العدد الصفحات النسخ التي عندنا ، فانتبه إلى هذا واحفظه .

( منه قدس )

 

 

 

 

 

 

 

 


(55)

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة ـ وإهداء


هذه صحف لم تكتب اليوم ، وفكر لم تولد حديثا ، وإنما هي صحف انتظمت منذ زمن يربو على ربع قرن ، وكادت يومئذ أن تبرز بروزها اليوم ، لكن الحوادث والكوارث كانت حواجز قوية عرقلت خطاها ، فاضطرتها إلى أن تكمن وتكن ، فتريثت تلتمس من غفلات الدهر فرصة تستجمع فيها ما تشتت من أطرافها ، وتستكمل ما نقص من أعطافها ، فان الحوادث كما أخرت طبعها ، مست وضعها .

أما فكرة الكتاب فقد سبقت مراجعات سبقا بعيدا ، إذ كانت تلتمع في صدري منذ شرخ الشباب ، التماع البرق في طيات السحاب ، وتغلي في دمي غليان الغيرة ، تتطلع إلى سبيل سوي يوقف المسلمين على حد يقطع دابر الشغب بينهم ، ويكشف هذه الغشاوة عن أبصارهم لينظروا إلى الحياة من ناحيتها الجدية ، راجعين إلى الأصل الديني المفروض عليهم ، ثم يسيروا معتصمين بحبل الله جميعا ، تحت لواء الحق إلى العلم والعمل ، إخوة بررة يشد بعضهم أزر بعض .

لكن مشهد هؤلاء الاخوة المتصلين بمبدأ واحد ، وعقيدة واحدة ، كان ـ وا أسفاه ـ مشهد خصومة عنيفة ، تغلو في الجدال ، غلو الجهال ، حتى

 


 (56)

 كأن التجالد في مناهج البحث العلمي من آداب المناظرة ، أو انه من قواطع الأدلة ! ذلك ما يثير الحفيظة ، ويدعو إلى التفكير ، وذلك ما يبعث الهم والغم والأسف فما الحيلة ؟ وكيف العمل ؟ هذه ظروف ملمة في مئين من السنين ، وهذه مصائب محدقة بنا من الأمام والوراء ، وعن الشمال وعن اليمين ، وذاك قلم يلتوي به العقم أحيانا ، وتجور به الأطماع أحيانا أخرى ، وتدور به الحزبية تارة ، وتسخره العاطفة تارة أخرى ، وبين هذا وذاك ما يوجب الارتباك فما العمل ؟ وكيف الحيلة ؟
ضقت ذرعا بهذا ، وامتلأت بحمله هما ، فهبطت مصر أواخر سنة 1329 مؤملا في « نيله » نيل الأمنية التي أنشدها وكنت ألهمت أني موفق لبعض ما أريد ومتصل بالذي أداور معه الرأي ، وأتداول معه النصيحة ، فيسدد الله بأيدينا من « الكنانة » سهما نصيب به الغرض ، ونعالج هذا الداء الملح على شمل المسلمين بالتمزيق ، وعلى جماعتهم بالتفريق ، وقد كان ـ والحمد الله ـ الذي أملت ، فإن مصر بلد ينبت العلم ، فينمو به على الإخلاص والإذعان للحقيقة الثابتة بقوة الدليل ؛ وتلك ميزة لمصر فوق مميزاتها التي استقلت بها .
وهناك على نعمى الحال ، ورخاء البال ، وابتهاج النفس ، جمعني الحظ السعيد بعلم من أعلامها المبرزين ، بعقل واسع ، وخلق وادع ، وفؤاد حي ، وعلم عيلم ومنزل رفيع ، يتبوأه بزعامته الدينية ، بحق وأهلية .
وما أحسن ما يتعارف به العلماء من الروح النقي ، والقول الرضي ، والخلق النبوي ، ومتى كان العالم بهذا اللباس الأنيق المترف ، كان على خير ونعمة ، وكان الناس منه في أمان ورحمة ، لا يأبى أحد أن يفضي إليه بدخيلة رأيه ، أو يبثه ذات نفسه .

 


(57)


كذلك كان علم مصر وإمامها ، وهكذا كانت مجالسنا التي شكرناها شكرا لا انقضاء له ولا حد.
شكوت إليه وجدي ، وشكاً إلي مثل ذلك وجدا وضيقا ، وكانت ساعة موفقة أوحت إلينا التفكير فيما يجمع الله به الكلمة ، ويلم به شعث الأمة ، فكان مما اتفقنا عليه أن الطائفتين ـ الشيعة والسنة ـ مسلمون يدينون حقا بدين الإسلام الحنيف ، فهم فيما جاء الرسول به سواء ، ولا اختلاف بينهم في أصل أساسي يفسد التلبس بالمبدأ الإسلامي الشريف ، ولا نزاع بينهم إلا ما يكون بين المجتهدين في بعض الأحكام لاختلافهم فيما يستنبطونه من الكتاب أو السنة ، أو الإجماع أو الدليل الرابع ، وذلك لا يقضي بهذه الشقة السحيقة ، ولا بتجشم هذه المهاوي العميقة، إذن أي داع أثار هذه الخصومة المتطاير شررها منذ كان هذان الاسمان ـ سنة وشيعة ـ إلى آخر الدوران .
ونحن لو محصنا التاريخ الإسلامي ، وتبينا ما نشأ فيه من عقائد وآراء ونظريات ، لعرفنا أن السبب الموجب لهذا الاختلاف إنما هو ثورة لعقيدة ، ودفاع عن نظرية أو تحزب لرأي ، وإن أعظم خلاف وقع بين الأمة ، اختلافهم في الإمامة فإنه ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة ، فأمر الإمامة إذن من أكبر الأسباب المباشرة لهذا الاختلاف ، وقد طبعت الأجيال المختلفة في الامامة على حب هذه العصبية ، وألفت هذه الحزبية ، بدون تدبر وبدون روية ولو أن كلا من الطائفتين نظرت في بينات الأخرى نظر المتفاهم لا نظر الساخط المخاصم ، لحصحص الحق ، وظهر الصبح لذي عينين .
وقد فرضنا على أنفسنا أن نعالج هذه المسألة بالنظر في أدلة الطائفتين ، فنفهمهما فهما صحيحا ، من حيث لا نحس إحساسنا المجلوب من المحيط

 


(58)

والعادة والتقليد بل نتعرى من كل ما يحوطنا من العواطف والعصبيات ، ونقصد الحقيقة من طريقها المجمع على صحته ، فنلمسها لمسا ، فلعل ذلك يلفت أذهان المسلمين ، ويبعث الطمأنينة في نفوسهم ، بما يتحرر ويتقرر عندنا من الحق فيكون حدا ينتهي إليه إن شاء الله تعالى .
لذلك قررنا أن يتقدم هو بالسؤال خطا عما يريد ، فأقدم له الجواب بخطي على الشروط الصحيحة ، مؤيدا بالعقل أو بالنقل الصحيح عند الفريقين .
وجرت بتوفيق الله عز وجل على هذا مراجعاتنا كلها ، وكنا أردنا يومئذ طبعها لنتمتع بنتيجة عملنا الخالص لوجه الله عز وجل ، ولكن الأيام الجائرة ، والأقدار الغالبة اجتاحت العزم على ذلك ؛ « ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي » .
وأنا لا أدعي أن هذه الصحف صحف تقتصر على النصوص التي تألفت يومئذ بيننا ، ولا أن شيئا من ألفاظ هذه المراجعات خطه غير قلمي ، فان الحوادث التي أخرت طبعها فرقت وضعها أيضا ـ كما قلنا ـ غير أن المحاكمات في المسائل التي جرت بيننا موجودة بين هاتين الدفتين بحذافيرها مع زيادات اقتضتها الحال ، ودعا إليها النصح والإرشاد ، وربما جر إليها السياق على نحو لا يخل بما كان بيننا من الاتفاق .
وإني لأرجو اليوم ما رجوته أمس : أن يحدث هذا الكتاب إصلاحا وخيرا ، فإن وفق إلى عناية المسلمين به ، وإقبالهم عليه فذلك من فضل ربي ، وذلك أرجى ما أرجوه من عملي ، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .


(59)


وإني لاهدي كتابي هذا إلى أولي الألباب من كل علامة محقق ، وبحاثة مدقق ، لابس الحياة العلمية فمحص حقائقها ؛ ومن كل حافظ محدث جهبذ حجة في السنن والآثار ، وكل فيلسوف متضلع في علم الكلام ، وكل شاب حي مثقف حر قد تحلل من القيود وتملص من الأغلال ممن نؤملهم للحياة الجديدة الحرة ، فإن تقبله كل هؤلاء واستشعروا منه فائدة في أنفسهم ، فإني على خير وسعادة .
وقد جهدت في إخراج هذا الكتاب ، بنحت الجواب فيه على النحو الأكمل من كل الجهات ، وقصدت به إلهام المنصفين فكرته وذوقه ، بدليل لا يترك خليجة ، وبرهان لا يدع وليجة ، وعنيت بالسنن الصحيحة والنصوص الصريحة ، عناية أغنى بها هذا الكتاب عن مكتبة حافلة مؤثلة بأنفس كتب الكلام والحديث والسير ونحوها مما يتصل بهذا الموضوع الخطير ، بفلسفة معتدلة كل الاعتدال ، صادقة كل الصدق ، وبأساليب تفرض على من ألم به أن يسيروا خلفه وهم ـ أعني منصفيهم ـ له تابعون ، من أوله إلى الفقرة الأخيرة منه ، فان ظفر كتابي بالقراء المنصفين فذلك ما أبتغيه ، وأحمد الله عليه .
أما أنا فمستريح والحمد لله إلى هذا الكتاب ، راض عن حياتي بعده ، فانه عمل كما أعتقد يجب أن ينسيني ما سئمت من تكاليف الحياة الشاقة ، وهموم الدهر الفاقرة ، وكيد العدو الذي لا اشكوه إلا إلى الله تعالى ، وحسبه الله حاكما ، ومحمد خصيما ، ودع عنك نهبا صيح في حجراته ، إلى ما كان من محن متدفقة كالسيل الآتي من كل جانب ، محفوفة بالبلاء ، مقرونة بالضيق والاكفهرار، إلا أن حياتي الخالدة بهذا الكتاب حياة رحمة في الدنيا والآخرة ، ترضى بها نفسي ، ويستريح إليها ضميري ، فأرجو من الله سبحانه


(60)

 أن يتقبل عملي ، ويتجاوز عن خطأي وزللي ، ويجعل أجري عليه نفع المؤمنين وهدايتهم به ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) .

( منه قدس )

 

 

 

 

 

 

 

 

 


(61)

 

المراجعة 1

6 ذي القعدة سنة 1329



1ـ تحية المناظر
2ـ استئذانه في المناظرة

1 ـ سلام على الشريف العلامة الشيخ ( 1 ) عبدالحسين شرف الدين الموسوي ورحمة الله وبركاته .
إني لم أتعرف فيما مضى من أيامي دخائل الشيعة ، ولم أبل أخلاقهم ، إذ لم أجالس آحادهم ، ولم أستبطن سوادهم . وكنت متلعلعا إلى محاضرة أعلامهم ، حران الجوانح إلى تخلل عوامهم ، بحثا عن آرائهم ، وتنقيبا عن أهوائهم ، فلما قدر الله وقوفي على ساحل عيلمك المحيط ، وأرشفتني ثغر كأسك المعين ، شفى الله بسائغ فراتك أوامي ، ونضح عطشي ، وأَلِيَّةً بمدينة علم الله ـ جدك المصطفى ـ وبابها ـ أبيك المرتضى ـ إني لم أذق شربة أنقع لغليل ، ولا أنجع لعليل ، من سلسال منهلك السلسبيل ، وكنت أسمع أن من رأيكم ـ معشر الشيعة ـ مجانبة إخوانك ـ أهل


(1) السيد عبدالحسين شرف الدين الموسوي المتولد 1290 هـ والمتوفى يوم الاثنين 8 جمادي الثانية 1377 هـ الموافق 30 كانون الاول 1957 م ودفن بجوار جده أمير المؤمنين ( ع ) في النجف الأشرف .


( 62 )


السنة ـ وانقباضكم عنهم ، وأنكم تأنسون بالوحشة وتخلدون إلى العزلة ، وأنكم . وأنكم ( 2 ) . لكني رأيت منك شخصا رقيق المنافثة ، دقيق المباحثة ، شهي المجاملة ، قوي المجادلة ، لطيف المفاكهة ، شريف المعاركة ، مشكور الملابسة ، مبرور المنافسة ، فإذا الشيعي ريحانة الجليس ، ومنية كل أديب.
2 ـ وإني لواقف على ساحل بحرك اللجي ، أستأذنك في في خوض عبابه والغوص على درره ، فان أذنت غصنا على دقائق وغوامض تحوك في صدري منذ أمد بعيد ، وإلا فالأمر إليك ، وما أنا فيما أرفعه بباحث عن عثرة ، أو متتبع عورة ، ولا بمفند أو مندد ، وإنما أنا نشاد ضالة ، وبحاث عن حقيقة ، فان تبين الحق ، فان الحق أحق أن يتبع وإلا فانا كما قال القائل :

نحن بما عندنا وأنت بما عنـ * ـدك راض والرأي مختلف


وسأقتصر ـ إن أذنت ـ في مراجعتي إياك على مبحثين ، أحدهما في إمامة المذهب أصولا وفروعا وثانيهما في الإمامة العامة ، وهي الخلافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وسيكون توقيعي في أسفل مراجعاتي كلها ( س ) فليكن توقيعك ( ش ) (1) وأسلفك رجاء العفو عن كل هفو والسلام .

س


____________
(1) بسم الله الرحمن الرحيم لم يكتف بالاستئذان حتى بين فيه المواضع اذي ستدور عليه رحى البحث بيننا ، وهذا من كماله وآدابه في المناظرة ، ولا يخفى لطف الرمزين ( س . و . ش ) ومناسبتهما ، فإن السين إشارة إلى اسمه سليم وكونه سنياً ، والشين إشارة إلى ( شرف الدين ) وكوني شيعياً ـ ( منه قدس ) .


( 2 ) التهم التي ألصقت بالشيعة مع أجوبتها . راجع : =

 


( 63 )

 

المراجعة 2

6 ذي القعدة سنة 1329



1ـ رد التحية
2 ـ الإذن في المناظرة

1 ـ السلام على مولانا شيخ الإسلام ( 3 ) ورحمة الله وبركاته .
خولتني بكتابك العطوف من النعم ، وأوليتني به من المنن ما يعجز عن أداء حقه لسان الشكر ، ولا يستوفي بعض فرائضه عمر الدهر .
رميتني بآمالك ونزعت إلي برجائك ، وأنت قبلة الراجي ، وعصمة اللاجي ، وقد ركبت من سوريا إليك ظهور الآمال ، وحططت بفنائك ما شددت من الرحال ، منتجعا علمك ، مستمطرا فضلك ، وسأنقلب عنك حي الرجاء ، قوي الأمل ، إلا أن يشاء الله تعالى .
2 ـ استأذنت في الكلام ـ ولك الأمر والنهي ـ فسل عما أردت ، وقل ما شئت ، ولك الفضل ، بقولك الفصل ، وحكمك العدل وعليك السلام .

ش


=كتاب الغدير في الكتاب والسنة والأدب للعلامة المغفور له الشيخ عبدالحسين الأميني ج 3 ص 78 ـ 338 ط 3 بيروت ، كتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعة للشيخ أسد حيدر ج 5 ص 77 ـ 165 وج 6 ص 371 ـ 435 ط 2 في بيروت .
( 3 ) هو الشيخ الجليل العلامة سليم البشري المصري شيخ جامع الأزهر المولود سنة 1248 هـ والمتوفى 1335 هـ .   


( 65 )

 

المبحث الاول
في إمامة المذهب

 

االمراجعة 3

7 ذي القعدة سنة 1329



1 ـ لم لا تأخذ الشيعة بمذاهب الجمهور
2 ـ الحاجة إلى الاجتماع
3 ـ لا يلم الشعث إلا بمذاهب الجمهور

1 ـ إنما أسألك الآن عن السبب في عدم أخذكم بمذاهب الجمهور من المسلمين ، أعني مذهب الأشعري في أصول الدين ، والمذاهب الأربعة في الفروع ، وقد دان بها السلف الصالح ، ورأوها أعدل المذاهب وأفضلها ، واتفقوا على التعبد بها في كل عصر ومصر ، واجمعوا على عدالة أربابها واجتهادهم ، وأمانتهم وورعهم وزهدهم ونزاهة أعراضهم ، وعفة نفوسهم ، وحسن سيرتهم ، وعلو قدرهم علما وعملا .
2 ـ وما أشد حاجتنا اليوم إلى وصل حبل الشمل ، ونظم عقد الاجتماع بأخذكم بتلك المذاهب تبعا للرأي العام الإسلامي ، وقد عقد أعداء الدين

 
 


( 66 )


ضمائرهم على الغدر بنا وسلكوا في نكايتنا كل طريق ، أيقظوا لذلك آراء‌هم ، وأسهروا قلوبهم ، والمسلمون غافلون ، كأنهم في غمرة ساهون ، وقد أعانوهم على أنفسهم ، حيث صدعوا شعبهم ، ومزقوا بالتحزب والتعصب شملهم ، فذهبوا أيادي ، وتفرقوا قددا ، يضلل بعضهم بعضا ، ويتبرأ بعضهم من بعض ، وبهذا ونحوه افترستنا الذئاب ، وطمعت بنا الكلاب .
3 ـ فهل تجدون غير الذي قلناه ـ هداكم الله ـ إلى لم هذا الشعث سبيلا ؟ فقل تسمع ومر تطع ، ولك السلام .

س

المراجعة 4

8 ذي القعدة سنة 1329



1 ـ الأدلة الشرعية تفرض مذهب أهل البيت
2 ـ لا دليل على وجوب الأخذ بمذاهب الجمهور

3 ـ أهل القرون الثلاثة لا يعرفونها
4 ـ الاجتهاد ممكن
5 ـ يلم الشعث باحترام مذهب أهل البيت

1 ـ إن تعبدنا في الأصول بغير المذهب الأشعري وفي الفروع بغير المذاهب الأربعة لم يكن لتحزب أو تعصب ، ولا للريب في اجتهاد أئمة تلك المذاهب ، ولا لعدم عدالتهم وأمانتهم ونزاهتهم وجلالتهم علما وعملا .
لكن الأدلة الشرعية أخذت بأعناقنا إلى الأخذ بمذهب الأئمة من أهل


( 67 )


بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ، ومهبط الوحي والتنزيل ، فانقطعنا إليهم في فروع الدين وعقائده ، وأصول الفقه وقواعده ، ومعارف السنة والكتاب ، وعلوم الأخلاق والسلوك والآداب ، نزولا على حكم الأدلة والبراهين ، وتعبدا بسنة سيد النبيين والمرسلين ، صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين .
ولو سمحت لنا الأدلة بمخالفة الأئمة من آل محمد ، أو تمكنا من تحصيل نية القربة لله سبحانه في مقام العمل على مذهب غيرهم لقصصنا أثر الجمهور ، وقفونا إثرهم ، تأكيدا لعقد الولاء ، وتوثيقا لعرى الإخاء ، لكنها الأدلة القطعية تقطع على المؤمن وجهته ، وتحول بينه وبين ما يروم .
2 ـ على أنه لا دليل للجمهور على رجحان شيء من مذاهبهم ، فضلا عن وجوبها ، وقد نظرنا في أدلة المسلمين نظر الباحث المحقق بكل دقة واستقصاء ، فلم نجد فيها ما يمكن القول بدلالته على ذلك ، إلا ما ذكرتموه من اجتهاد أربابها وأمانتهم وعدالتهم وجلالتهم .
لكنكم تعلمون أن الاجتهاد والأمانة والعدالة والجلالة غير محصورة بهم ، فكيف يمكن ـ والحال هذه ـ أن تكون مذاهبهم واجبة على سبيل التعيين ؟
وما أظن أحدا يجرؤ على القول بتفضيلهم ـ في علم أو عمل ـ على أئمتنا ، وهم أئمة العترة الطاهرة وسفن نجاة الأمة ، وباب حطتها ، وأمانها من الاختلاف في الدين ، وأعلام هدايتها ، وثقل رسول الله ، وبقيته في أمته ، وقد قال صلى الله عليه وآله : فلا تقدموهم فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهم