التأول في الفروع

 

 

 
 

(150)

[ التأول في الفروع ]

وليت شعري متى كان التأول في الفروع شيئا نكرا أم كيف لا يكون عند الله والمؤمنين عذراً ، وقد تأول السلف كثيراً من ظواهر الأدلة لأمور ظنوا فيها صلاح الملة ، فبخع لتأولهم جمهور المسلمين ، وانقطع إليهم في كل ما يتعلق بالدين ، تقديسا لتأولهم واجتهادهم وتنـزيهاً لغرضهم ومرادهم ، واليك مضافا إلى ما تلوناه تلميحاً إلى بعض تأويلهم وإشارة إلى اليسير من اجتهاداتهم ، وذكر ذلك مختصرا في العبارة والحر تكفيه الإشارة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


(151)

 

 

 

 

 

1- [ الطلاق الثلاث ]

 

 

فمنها تأولهم في الطلاق الثلاث وحكمهم فيه بخلاف ما كان عليه زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر كما هو مقرر معلوم (175) .

ففي باب طلاق الثلاث من كتاب الطلاق من (صحيح مسلم في صفحة 574 من جزئه الأول) عن ابن عباس بطرق مختلفة قال : كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة . قال : فقال عمر بن الخطاب : إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم . قال : فأمضاه عليهم ) (176) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(175) نقل روايات كثيرة وأدلة متعددة على أن الطلاق الثلاث لا يقع غلا واحدة نقل ذلك ابن القيم الجوزية في كتابه ( إغاثة اللهفان ) وهو مطبوع وجدير بالإطلاع عليه . وكذلك هو رأي ابن تيمية .

(176) صحيح مسلم كتاب 18 الطلاق باب 2 الطلاق الثلاث حديث 1472


(152)

ونقله قاسم بك أمين في صفحة 173 من كتابه (تحرير المرأة) عن صحيح البخاري ونقله الفاضل الرشيد في (صفحة 210 من المجلد الرابع من مناره) عن أبي داود والنسائي والحاكم والبيهقي (177) ثم قال ما هذا لفظه : (ومن قضاء النبي بخلافه ما أخرجه البيهقي عن ابن عباس (1) قال : طلق ركانة امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا ، فسأله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف طلقتها ؟ قال : ثلاثاً . في مجلس واحد ؟ قال : نعم . قال : فانما تلك واحدة فأرجعها إن شئت) (178) .

ــــــــــــــ

(1) وذكره ابن إسحاق في صفحة 191 من الجزء 2 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(177) إرشاد الساري ج8 ، الدر المنثور ج1 ، ص279 ، مسند أحمد ج1 ، ص 314 ، سنن البيهقي ج7 ، ص 336 ، تفسير القرطبي ج3 ، ص130 ط دار إحياء التراث العربي ، المستدرك للحاكم ج2 ، ص196 ، تلخيص المستدرك للذهبي بذيله .

سنن أبي داود كتاب 7 الطلاق باب 10 ،حديث 2199 .

(178) سنن البيهقي ج7 ، ص339 .

وقريب منه موجود في : سنن أبي داود كتاب 7 الطلاق باب 10 ، حديث 2196 ، بداية المجتهد لابن رشد ج2 ، ص61 ، الغدير للأميني ج6 ، ص182 .

ولأجل المزيد من الإطلاع راجع كتاب النص والاجتهاد ص 244 المورد (25) الطبعة المحققة .

وأخرج النسائي في سننه : أن رَسُول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غضبان ثم قال أيلعب بكتاب الله      =


(153)

قلت : وهذا مذهبنا في المسألة ، ويدل عليه مضافاً إلى ما سمعت (1) ، وكونه مقتضى الأصل : قوله تعالى : (الطَّلاَقُ) الذي تحل من بعده إنما هو (مَرَّتَانِ) فان طلقها مرتين فالواجب عليه بعد ذلك ما أشار إليه سبحانه بقوله (فَإِمْسَاكٌ) بعد التطليقتين المتفرقتين (بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ) حينئذ (بِإِحْسَانٍ) إلى أن قال عز اسمه : (فَإِن طَلَّقَهَا) أي مرة ثالثة بعد المرتين المتفرقتين (فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ) ذلك التطليق الثالث (حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [ البقرة ، آية 229 و 230 ] .

وعلى هذا فلو قال لزوجته ( أنتِ طالق ثلاثا) ولم يكن طلقها من قبل أصلا ، او كان قد طلقها مرة واحدة فلا مانع لهما أن

ــــــــــــــــــ

 (1) ويدل عليه أيضا ما نقله قاسم بك أمين في صفحة 172 من كتابه (تحرير المرأة) عن النسائي والقرطبي والزيلعي بالإسناد إلى ابن عباس قال : اخبر رسول الله (ص) عن رجل طلق امرأته ثلاثا جمعاً ، فقام غضبان ثم قال ( أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم ) .

 قلت :  وفي تفسير سورة الطلاق من الكشاف نحوه ، وربما قيل إن هذا الحديث دال على فساد الطلاق الثلاث بالمرة لكونه لعباً ، وبذلك قال سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين ، لكن الحق أن اللعب إنما هو في قوله ثلاثا فيلغى وأما قوله أنت طالق فيؤثر أثره إذ لا لعب فيه كما هو واضح .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

=      وأنا بين أظهركم . حتى قام رجل ، فقال : يا رسول الله ألا نقتله ؟

انظر سنن النسائي ج6 ، ص142 ، تيسير الوصول ج3 ، ص160 تفسير ابن كثبر ج1 ، ص377 وغيرها .


(154)

يتراجعا وان لم ينكحها غيره ، لأن المنفي في الآية إنما هو حل إرجاعها من بعد التطليق الثالث المسبوق بتطليقتين كما لا يخفى . بيد أن أبا حفص (رض) ، تأول الآية وسائر أدلة المسألة (1) عقوبة للمستعجلين وردعاً لأهل الطيش والجاهلين ، وهذا كاف لك في معذرة المتأولين . فتدبر ولا تكن من الغافلين .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــ

 (1) وفي الصفحة 212 من المجلد 4 من المنار تصريح بأن عمر قد اجتهد في هذه المسألة .