نجاة أصحاب الشهادتين جميعاً

 

 

 
 

 (68)

(فصل 6)

في لمعة مما أفتى به علماء أهل السنة ، من إيمان أهل التوحيد مطلقا ونجاة أصحاب الشهادتين جميعاً ، أوردناها ليعلم الناس توافق النص والفتوى في ذلك ، والغرض لمّ شعث المسلمين باجتماعهم ، ورتق ما انفتق بتدابرهم ونزاعهم ، لأن العاقل إذا رأى نصوص صحاحه وفتاوى علمائه تحكم بالإيمان على مطلق أهل التوحيد وتعلن نجاة جميع أصحاب القبلة لا يبقى بعدها أمر يدعوه إلى هذه النفرة أو يصده عن الوئام والألفة ، ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) (90) فما بالهم ( وهم في الدين إخوة ) قد انشقت عصاهم واختلفت مذاهبهم ، فهاج بينهم قسطل الشر ، وتعلقت أهواؤهم بقواقر الفتن ، ولو رجعوا إلى ما أفتى به المنصفون من علمائهم (91) لأيقنوا أن الأمر على خلاف ما زعم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(90) سورة التوبة : 71

(91) مثل الشيخ سليم البشري والشيخ محمود شلتوت رئيسي الجامع الأزهر  وشلتوت قد أفتى بجواز التعبد على مذهب أهل البيت وان العمل عليه أولى من غيره ، راجع صورة فتواه فيما يأتي .


(69)

المرجفون . واليك منه ما عقد الفصل لبيانه .

ذكر العارف الشعراني في المبحث 58 من (اليواقيت والجواهر) ، أنه رأى بخط الشيخ شهاب الدين الاذرعي صاحب (القوت) ، سؤالاً قدمه إلى شيخ الإسلام تقي الدين السبكي ، وصورته : ما يقول سيدنا ومولانا شيخ الإسلام في تكفير أهل الأهواء والبدع ؟

قال : ( فكتب إليه اعلم يا أخي أن الإقدام على تكفير المؤمنين (1) عسر جداً ، وكل من في قلبه ايمان يستعظم القول بتكفير أهل الأهواء والبدع ، مع قولهم (( لا إله إلا الله محمد رسول الله)) ، فان التكفير أمر هائل عظيم الخطر .... ) إلى آخر كلامه وقد أطال في تعظيم التكفير وتفظيع خطره .

ودونك يواقيت الشعراني فإنها تنقل الجواب عن خط السبكي على طوله ، وفي آخره ما هذا لفظه : ( فالأدب من كل مؤمن أن لا يكفر أحداً من أهل الأهواء والبدع ، اللهم إلا أن يخالفوا النصوص الصريحة التي لا تحتمل ) .

هذا كلامه ولا يخفى تصريحه بقصر التكفير على مخالف النصوص الصريحة عنادا لله وجحودا لما عُلم حكمه بالضرورة من دين الإسلام ، وقد دقَّ في هذه الفتوى أصلاب المرجفين ، واستل ألسنة المتشدقين ، وقطع أمل من يبتغي تفريق المسلمين ، من كل

ــــــــــــــ

(1) أنظر كيف أطلق لفظ ((المؤمنين)) على أهل الأهواء والبدع بدون تكلف .


 (70)

أفاك أثيم .

وفي الصفحة (العاشرة) من طبقات الشعراني ما لفظه : ( وسًئل سيدنا ومولانا شيخ الإسلام تقي الدين السبكي عن حكم تكفير غلاة المبتدعة ، وأهل الأهواء ، والمتفوهين بالكلام على الذات المقدسة ؟ فقال (رضي الله عنه) : اعلم أن كل من خالف الله (عز وجل) استعظم القول بالتكفير لمن يقول : (( لا إله الا الله محمد رسول الله)) ، ثم أورد جواب السبكي وهو طويل ، جاء في آخره ما هذه ألفاظه : ( فما بقي الحكم بالتكفير إلا لمن اختاره دينا وجحد الشهادتين وخرج عن دين الإسلام جملة .

قلت : الظاهر من اختلاف عبارة السؤالين والجوابين كونهما متعددين كما لا يخفى ، وإذا كان هذا كلام الإمام الكبير معلناً باختصاص الكفر بمن جحد الشهادتين ومناديا بالتنزيه لأهل الأهواء والبدع ، والمتفوهين بالكلام على الذات المقدسة من أهل القبلة ، فأي وقع بعده لكلام المرجفين وتحكم المشاغبين ، وإذا كان هذا حكمه في المتفوهين بالكلام على الله عز وجل فما ظنك بمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ؟ !!

وقال الشيخ الأكبر ابن العربي في باب الوصايا من فتوحاته : (إياكم ومعاداة أهل (لا إله إلا الله) ، فان لهم الولاية العامة ، فهم أولياء الله ، ولو أخطأوا وجاءوا بقراب الأرض من الخطايا وهم لا يشركون بالله شيئا ، فان الله يتقلى جميعهم بمثلها (1) مغفرة ، ومن

ـــــــــــــــ

(1) هذا مأخوذ من حديث أخرجه الترمذي وصححه ، رواه بالإسناد إلى أنس قال :


(71)

ثبتت ولايته حرمت محاربته) . (وأطال إلى أن قال ) : ( وإذا عمل عملاً توعد الله عليه بالنار ، فليمحه بالتوحيد ، فان التوحيد يأخذ بناصية صاحبه ، لابد من ذلك ) .

هذا كلامه وفيه ما تراه من الحكم على جميع أهل التوحيد بالولاية لله (عز وجل) ، والبشارة للمخطئين والمجرمين منهم بالمغفرة ، والجزم بأن التوحيد يمحو الكبائر ويأخذ بناصية صاحبه .

والحمد لله رب العالمين .

وقال الفاضل الرشيد في صفحة 44 من المجلد السابع عشر من مناره : (إن من أعظم ما بليت به الفرق الإسلامية رمي بعضهم بعضا بالفسق والكفر مع أن قصد كل الوصول إلى الحق بما بذلوا جهدهم لتأييده واعتقاده والدعوة إليه ، فالمجتهد وان أخطأ معذور ) . وقد أطال الكلام في هذا الموضوع حتى بلغ الصفحة 50 من ذلك المجلد فراجع .

وقال المعاصر النبهاني البيروتي في أوائل شواهد الحق (1) : اعلم إني لا اعتقد ولا أقول بتكفير أحد من أهل

ــــــــــــ

= سمعت رسول الله (ص) يقول : قال الله تعالى : يا ابن آدم انك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ، ولا أبالي . يابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك . يا ابن آدم انك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا ، لآتيتك بقرابها مغفرة  . وهذا الحديث ذكره الفاضل النووي في أربعينه ، وهو الحديث الأخير مما انتخبه من الأحاديث الصحيحة .

(1) طبع هذا الكتاب وفي هامشه رسالة النبهاني أيضا في فضائل معاوية سماها البديعة في اقناع الشيعة ، وقد نقضناها بكتاب يكون بحجمها ثلاث مرات =


 (72)

القبلة ، لا الوهابية ولا غيرهم ، وكلهم مسلمون تجمعهم مع سائر المسلمين كلمة التوحيد ، والإيمان بسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وما جاء به من دين الإسلام ....) إلى آخر كلامه .

وعقد العارف الشعراني في الجزء الثاني من (اليواقيت والجواهر) مبحثاً مسهباً لثبوت الإيمان لكل موحد يصلي إلى القبلة ، وهو المبحث 58 ، قال في آخره : (فقد علمت يا أخي مما قررناه لك في هذا المبحث إن جميع العلماء المتدينين أمسكوا عن القول بالتكفير لأحد من أهل القبلة (فبهداهم اقتده) .

ونفل جماعة كثيرون : منهم الشعراني في المبحث المتقدم ذكره عن أبي المحاسن الروياني ، وغيره من علماء بغداد قاطبة أنهم كانوا يقولون : (لا يكفر أحد من المذاهب الإسلامية لأن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال : (من صلى صلاتنا ، واستقبل قبلتنا ، واكل ذبيحتنا ، فله ما لنا وعليه ما علينا ) (92) .

قلت : وقد ذكرنا في الفصول السابقة جملة من النصوص في هذا المعنى ، والصحاح مشحونة به فراجع (93) .

وقد بالغ الشيخ أبو طاهر القزويني في كتابه ( سراج العقول )

ــــــــــــــــ

= سميناه ( الذريعة إلى نقض البديعة )   .    

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(92) تقدم هذا الحديث تحت رقم  37 و 38

(93) راجع كنز العمال ج1 ففيه مئات الأحاديث حول هذه المسألة ومنها حديث 1077- 1079.


 (73)

بإثبات الإسلام لكل فرد من أهل القبلة ، وجزم بنجاة الجميع من كل فرق الإسلام ، وأَوَّلَ الحديث المشهور ، اعني حديث ((تفترق أمتي ثلاثا وسبعون فرقة فرقةُُ ناجية والباقون في النار )) (94) بل قال انه روي في بعض طرق هذا الحديث ما نصه : (( كلها في الجنة إلا واحدة )) (1) (95) .

ــــــــــــ

(1) أخرجه ابن النجار ونقل الشعراني عند ايراده في المبحث 58 من اليواقيت عن العلماء إن المراد بهذه الواحدة التي هي في النار إنما هي الزنادقة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(94) سنن أبي داود ك 34 السنة باب 1 حديث 4596 و4597 .

قال الشيخ الخطابي معلقا على قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (( ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة )) فيه دلالة على أن هذه الفرق كلها غير خارجة من الدين ، إذ قد جعلهم النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم كلهم من أمته .

وفيه : أن المتأول لا يخرج من الملة وإن أخطأ في تاويله . انتهى كلام الخطابي .واخرج هذا الحديث أيضا :

الترمذي في الجامع الصحيح ك 41 الإيمان باب 18 حديث 2640 و2641 وابن ماجه في سننه ك الفتن 36 باب 17 حديث 3991 و3992 ، واحمد في مسنده ج2/ 332 وج3/ 145 والدارمي في سننه ك السير باب 75 ، كنز العمال ج1/حديث 1052- 1061 وج11/ حديث 30834- 30838 و31583 ، المستدرك للحاكم ج1 ص430 ، الخصال للشيخ الصدوق ص 584 بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج 28 ص 2-36 . وراجع بحوث في الملل والنحل ج 1 ص 23 .

(95) بحوث في الملل والنحل للسبحاني ج 1 ص27 عن أحسن التقاسيم لشمس الدين البشادي المتوفى 380هـ .


 (74)

وأطال في إثبات الإيمان لكل مصدق بالشهادتين : من أهل الأهواء و البدع كا المعتزلة ، والنجارية ، والروافض (1) ، والخوارج ، والمشبهة ونحوهم ، وحكم بنجاة الجميع يوم القيامة ، ونقل القول بإسلام الجميع عن جمهور العلماء والخلفاء من أيام الصحابة إلى زمنه . قال : (وهم من أهل الإجابة بلا شك ، فمن سماهم كفرة فقد ظلم وتعدى ... ) إلى آخر كلامه وهو طويل نقله لي بعض مشائخي مشافهة عن ( سراج العقول ) ، وأورده الشعراني باتمامه في المبحث 58 من ( يواقيته ) نقلا عن ذلك الكتاب أيضا فراجع .

وقال ابن تيمية في أوائل (رسالة الاستغاثة) وهي الرسالة 12 من مجموعة الرسائل الكبرى (2) ما هذا لفظه : (ثم اتفق أهل السنة والجماعة على انه صلى الله عليه وآله وسلم يشفع في  أهل الكبائر ، وانه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد) (3) .

وقال ابن حزم حيث تكلم فيمن يُكَفَّر ولا يكفر في صفحة 247 من أواخر الجزء الثالث من كتاب (الفصل في الأهواء والملل والنحل) ما هذه ألفاظه : (وذهبت طائفة إلى انه لا يكفر ولا يفسق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فتيا، وأن كل من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى انه الحق فانه مأجور على كل حال ، أن أصاب

ــــــــــــــــــ

(1) هذه عبارته نقلناها بدون تصرف

(2) في صفحة 470 من الجزء الأول .

(3) فعلى هذا تكون أهل السنة مجمعة على أن مصير الشيعة إلى الجنة ، ضرورة أنهم من أهل التوحيد والإيمان بكل ما جاء به النبي (ص) .


 (75)

فأجران وان أخطأ فأجر واحد . (قال) : وهذا قول ابن أبي ليلى ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وسفيان الثوري ، وداود بن علي ، وهو قول كل من عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة (رض) لا نعلم منهم خلافا في ذلك أصلا ) .

 قلت : هذه الفتوى من هؤلاء الأئمة تقطع دابر المشاغبين وتنقض أساس المهولين ، لأن خصومهم من أهل القبلة لم يقولوا قولا ولم يعتقدوا أمرا إلا بعد الاجتهاد التام واستفراغ الوسع والطاقة ، وبذل الجهد في الاستنباط من الكتاب ، والسنة ، وكلام أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم ، ولم يدينوا إلا بما رأوا أنه الحق ، واعتقدوا عين الصواب ، فيكونون بحكم هؤلاء الأعلام (وهم أئمة السلف والخلف) مأجورين ، وان أصابوا أو أخطأوا ، على رغم من يبتغي تكفير المؤمنين ، ويدأب مجتهدا في تفريق المسلمين .

وكان أحمد بن زاهر السرخسي ( وهو أجل أصحاب الإمام أبي الحسن الأشعري ) يقول : ( فيما نقله الشعراني عنه في أواخر المبحث 58 من يواقيته ) ( لما حضرت الشيخ أبا الحسن الأشعري الوفاة بداري في بغداد ، أمرني بجمع أصحابه ، فجمعتهم له فقال : أشهدوا عليَّ أنني لا اكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب ،لأني رأيتهم كلهم يشيرون إلى معبود واحد ، والإسلام يشملهم ويعمهم ) .

هذا كلام إمام السنيين وكفى به حجة تدحض أقاويل المبطلين ، وقد تواتر القول بعدم تكفير أهل الأهواء والبدع من أهل


 (76)

القبلة عن الإمام الشافعي ، حتى قال : (كما في خاتمة الصواعق) ( أقبلُ شهادة أهل البدع إلا الخطابية ). (1)

وقال شيخ الإسلام المخزومي ( فيما نقله الشعراني عنه في المبحث 58 من يواقيته) : وقد نص الإمام الشافعي على عدم تكفير أهل الأهواء في رسالته ، فقال : (لا أكفر أحداً من أهل الأهواء بذنب) . قال وفي رواية عنه : (ولا اكفر أحدا من أهل القبلة بذنب) . قال وفي رواية أخرى عنه : (ولا اكفر أهل  التأويل المخالف للظاهر بذنب) .

وأجمع الشافعية على عدم تكفير الخوارج ، واعتذروا عنهم ( كما في خاتمة الصواعق ) (بأنهم تأولوا فلهم شبهة غير قطعية البطلان) (2) .

ـــــــــــــــ

 (1) الخطابية أصحاب أبي الخطاب محمد بن مقلاص الأجدع (عليه وعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) ، كان قبحه الله مغالياً في الصادق عليه السلام ، فاسد العقيدة خبيث المذهب لا ريب في كفره وكفر أصحابه ، وقد تبرأ منه الصادق عليه السلام ، ولعنه وأمر الشيعة بالبراءة منه وشدد القول في ذلك وبالغ في التبرء منه واللعنة عليه ، ومن أراد الوقوف على كلام الصادق عليه السلام في شأن هذا الملعون فعليه بكتاب الكشي وغيره من كتب التراجم لأصحابنا .

ولهذا الكافر بدع كثيرة : منها تأخير صلاة المغرب حتى تستبين النجوم ، وقد نسب الجاهلون هذه البدعة إلينا ، على أنّا نبرأ إلى الله منها وممن ابتدعها ، والذي  نذهب إليه أن أول وقت صلاة المغرب غروب الشمس من جميع أفق المصلي ، ويتحقق ذلك بارتفاع الحمرة المشرقية  كما لا يخفى على من راجع فقهنا .

 (2) هذا مع ما أخرجه البخاري في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم في الجزء الرابع من صحيحه بالإسناد إلى أبي سعيد الخدري من حديث ذكر فيه الخوارج فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في رصافه =


 (77)

وقال العلامة ابن عابدين في باب المرتد من حاشيته الشهيرة الموسومه (برد المحتار) ما هذا لفظه : (وذكر في فتح القدير أن الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم ويكفرون الصحابة حكمهم عند جمهور الفقهاء وأهل الحديث حكم البغاة (1) قال: وذهب بعض أهل الحديث الى أنهم مرتدون . قال قال ابن المنذر : ولا أعلم أحداً وافق أهل الحديث على تكفيرهم . قال :

ــــــــــــــــ

=فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شيء ، قد سبق الفرث والدم ، آيتهم رجل إحدى يديه ، أو قال : ثدييه مثل ثدي المرأة ، أو قال : مثل البضعة تدردر ، يخرجون على حين فرقة من الناس ) .

قال البخاري : قال أبو سعيد : اشهد سمعت من النبي (ص) ، وأشهد أن عليا قتلهم ، وأنا معه جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي (ص) ...... ) الحديث .

وأخرجه مسلم أيضا في باب ذكر الخوارج وصفاتهم في أواخر كتاب الزكاة من الجزء الأول من صحيحه . وأخرجه احمد من حديث أبي سعيد في مسنده ورواه كافة المحدثين . وأخرج مسلم في باب (الخوارج شر الخلق والخليقة ) من كتاب الزكاة من صحيحه بالإسناد إلى أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (إن بعدي من أمتي قوما يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيهم ، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ، ثم لا يعودون فيه ، هم شر الخلق  والخليقة .... ) الحديث

واخرج  احمد بن حنبل في صفحة 224 من الجزء الثالث من مسنده عن أنس بن مالك وأبي سعيد عن النبي (ص) قال :  (سيكون في أمتي حين اختلاف بينها وفرقة قوم يحسنون القيل ، ويسيئون الفعل ... (إلى أن قال صلى الله عليه وآله وسلم) : يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، لا يرجعون حتى يرتدوا على فوقه ، هم شر الخلق والخليقة ، طوبى لمن قتلهم وقتلوه يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء ... ) الحديث .

(1) يعني أنهم خرجوا على سلطان المسلمين يجب قتالهم حتى يفيئوا إلى طاعته ، فان بخعوا لأوامره كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين .


(78)

 

وهذا يقتضي نقل إجماع الفقهاء ( على عدم تكفير الخوارج) .

هذا مع أن النبي (ص) نص على أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، وأنهم شر الخلق والخليقة ، وإنهم ليسوا من الله في شيء وانّ طوبى لمن قتلهم أو قتلوه (69) . وإذا كان هؤلاء مسلمين بالإجماع فما ظنك بمن دخل باب حطة (97) ، وركب سفينة النجاة ، واعتصم بحبل الله (98) ، وتمسك بثقلي رسول الله (99) ، ودخل مدينة علمه من بابها(100)  ، ولجأ إلى أمان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(96) راجع هذه الأحاديث في : كنز العمال ج11/ حديث 31540 إلى 31630

(97) يشير إلى حديث باب حطة وقد تقدم تحت رقم 87 وحديث السفينة وقد تقدم تحت رقم 84 .

(98) يشير إلى الآية الكريمة : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) سورة آل عمران : 103 .

حبل الله هم أهل البيت . راجع حول نزول هذه الآية في أهل البيت كتاب المراجعات تحت رقم 73 .

وهناك أبيات للإمام الشافعي في هذا المعنى راجعها في كتاب المراجعات تحت رقم 75 .

(99) إشارة إلى حديث الثقلين المتواتر وقد تقدم تحت رقم 83.

(100) إشارة إلى الحديث المشهور المعروف وهو قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : (( أنا مدينة العلم وعلي بابها .....))

راجع مصادر هذا الحديث في كتاب المراجعات تحت رقم 558 . وعبقات الأنوار ج10 ، قسم حديث أنا مدينة العلم .


(79)

 

أمته من اختلافها وعذابها (101) . وإذا كان الخوارج مسلمين فمن غيرهم من أهل القبلة يكون كافراً ، وأي ذي نحلة من أهل الإسلام ليس له كشبهتهم .

ورأيت كلاماً في هذا المعنى ناجعاً لشيخ السادة الحنفية محمد أمين المعروف بابن عابدين في (باب المرتد من كتاب الجهاد في صفحة 302 من الجزء الثالث من رد المحتار) ، يحكم فيه قاطعاً بإسلام من يتأول في سب الصحابة مصرحاً :

( بأن القول بتكفير المتأولين بذلك مخالف لإجماع الفقهاء ، مناقض لما في متونهم وشروحهم ، وأن ما وقع في كلام أهل المذهب من تكفيرهم ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون ، بل من غيرهم قال : ولا عبرة بغير الفقهاء ، والمنقول عن الفقهاء ما ذكرناه ... إلى آخر كلامه .

وقد اشتمل على أدلة وافية ، وشواهد كافية ، فليطلبه من أراده ، وله كلام آخر في هذا المعنى أبسط مما أشرنا إليه ، نلفت الطالبين له إلى كتابة (تنبيه الولاة والحكام) . على أن ما في (رد المحتار) مقنع لأولى الأبصار .

وقد ألف العلامة الكبير الملا علي القاري الحنفي رسالة في الرد على من يكفر المتأولين بذلك ، كما نص عليه ابن عابدين فيما تقدمت إليه الإشارة من كلامه .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(101) إشارة إلى الحديث المتقدم تحت رقم 86 .


(80)

وقال ابن حزم ( في صفحة 257 من أواخر الجزء الثالث من فصله ) ما هذا لفظه : (( وأما من سبّ أحدا من الصحابة (رضي الله عنهم) فان كان جاهلا ، فمعذور ، وان قامت عليه الحجة فتمادى غير معاند ، فهو فاسق كمن زنى أو سرق ، وان عاند الله تعالى في ذلك ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فهو كافر . (قال : ) وقد قال عمر رضي الله عنه بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن حاطب ( وحاطب مهاجري بدري ) : دعني اضرب عنق هذا المنافق  ، فما كان عمر بتكفيره حاطباً كافراً ، بل كان مخطئا متأولا )) (102) .

قلت : لا يخفى انه جعل الملاك في التكفير إنما هو العناد لله ورسوله ، وهذا لا وجود له فيمن ينتحل دين الإسلام . نعم قد يكون الساب (والعياذ بالله ) جاهلا أو ذا شبهة أوردته ذلك المورد ، فيكون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(102) قضية حاطب وقول عمر لرسول الله (ص) وعني اضرب عنقه . رواها البخاري في صحيحه ك 60 الجهاد باب 139 حديث 2845 وباب 191 حديث 2915 و ك 67 المغازي باب 8 حديث 3762 وباب 44 حديث 4025 و ك 68 التفسير باب 368 حديث 4608 و ك 82 الاستئذان باب 23 حديث 5904 و ك 92 استتابة حديث 6540 .

صحيح مسلم ك 44 فضائل الصحابة باب 36 حديث 2494 ، سنن أبي داود ك 9 الجهاد باب 108 حديث 2650 ، الجامع الصحيح للترمذي ك 48 تفسير باب 61 حديث 3305 ، سنن الدرامي ك الرقاق حديث 48 ، مسند احمد ج1/ 80 وج2 /296 .


(81)

معذوراً (103) .

ويدل على عدم كفر المسلم به إطلاق الأحاديث التي سمعتها في كل من الثاني والثالث والرابع والخامس من هذه الفصول فراجع .

وأيضا يدل على عدم الكفر مضافاً إلى ذلك ما أورده القاضي عياض في (الباب الأول من القسم الرابع من كتاب الشفا) نقلاً عن القاضي إسماعيل وغير واحد من الأئمة : (( إن رجلا سب أبا بكر بمحضر منه رضي الله عنه ، فقال له أبو برزة الاسلمي : يا خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه . فقال : أجلس ليس ذلك لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وآله )) (1) .

وفي ذلك الباب من (الشفا) أيضاً : إن عامل عمر بن عبد العزيز بالكوفة استشارة في قتل رجل سب عمر رضي الله عنه ، فكتب إليه : (( لا يحل قتل امرء مسلم بسب أحد من الناس إلا رجلاً سب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن سبه فقد حل دمه )) .

_____________________

(1) وروى النسائي بالإسناد إلى أبي برزة الاسلمي قال : أتيت أبا بكر وقد أغلظ لرجل فرد عليه ، فقلت : يا خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه . فقال : اجلس  فليس  ذلك  لأحد إلا لرسول الله  (ص) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(103) وهذا هو مضمون كلام البخاري ك 81 الأدب باب 74 من لم ير إكفار من قال ذلك متأولا أو جاهلا ، ثم أورد كلام عمر في حق حاطب وكلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم  في أهل بدر .


(82)

قلت : أفضى بنا الكلام إلى ما هو غير مقصود بالذات ، وليس الغرض إلا تأليف المسلمين وإعلامهم بأنهم إخوان في الدين ، ولا نرتاب في إن سب رجل من عرض المؤمنين ( فضلا عن سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين ) موبقة وفسق ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( سباب المسلم فسق وقتاله كفر )) (104) .

ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول : نقل علي بن حزم الظاهري عن الاشاعرة ما لا يتسنى معه القول بتكفير أحد أصلاً ، واليك عبارته بحروفها ، قال في أثناء شنع المرجئة ( في ص 206 من الجزء الرابع من ف