رزية يوم الخميس

 

 

 
 

(260)

2-[ رزية يوم الخميس ]

ومنها رزية يوم الخميس ، وهي من الرزايا الفادحة والقضايا الثابتة نقلها أهل السير والاخبار ، وأخرجها المحدثون كافة بالطرق المجمع على صحتها ، وحسبك منها ما أخرجه البخاري في ( باب قول المريض "قوموا عني" من كتاب المرضى من صحيحه ) (1) بسنده الى عبيد الله بن عبدالله عن ابن عباس :

قال : (لما حُضر رسول الله (ص) ، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي (ص) : هلمَّ اكتب لكم كتابا لا تضلوا (2) بعده) فقال عمر : ان النبي قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول قربوا يكتب لكم النبي كتابا لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلما اكثروا اللغو والاختلاف عند النبي (ص) قال رسول الله (ص) : قوموا. قال عبيد الله : فكان ابن عباس يقول : ان

ـــــــــــــ

(1)راجع صفحة 5 من الجزء 4 من الصحيح .

(2)بحذف النون مجزوماً لكونه جواباً ثانياً لهم .



 

(261)

الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (ص) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم ) (308) .

وهذا الحديث مما لا كلام في صحته ، وقد أورده البخاري في كتاب العلم أيضا من صحيحه (1) ، وفي مواضع أخر يعرفها المتتبعون.

وأخرجه مسلم في آخر الوصية من صحيحه (2) ورواه أحمد من حديث ابن عباس في مسنده (3) وسائر المحدثين ، وقد تصرفوا فيه اذ نقلوه بالمعنى ولفظه ثابت عن عمر رضى الله عنه ( ان النبي

ـــــــــــــ

(1)في صفحة 22 من جزئه الأول .

(2)في صفحة 14 من جزئه الثاني .

(3)راجع صفحة 32 من جزئه الأول .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(308) رزية يوم الخميس :

هذا اللفظ يوجد في صحيح البخاري كتاب المرضى باب قول المريض قوموا عني ج7 ص9 أفست دار الفكر على ط استانبول وج7 ، ص156 ط محمد علي صبيح وطبع مطابع الشعب وج4 ص7 ط دار احياء الكتب وج4 ، ص5 ط المعاهد وج 4 ص5 ط الميمنية بمصر وج4 ص7 طبع دار صعب وج6 ص97 ط بمبي وج4 ص6 ط المطبعة الخيرية بمصر .

صحيح مسلم في آخر كتاب الوصية ج5 ص75 ط محمد علي صبيح وطبع المكتبة التجارية وج5 ص76 ط دار الجيل في بيروت وج2 ص16 ط عيسى الحلبي وج11 ص95 ط مصر بشرح النووي . مسند احمد ج4 ص356 حديث 2992 بسند صحيح ط دار المعارف بمصر.



 

(262)

يهجر) لكنهم ذكروا انه قال (ان النبي قد غلب عليه الوجع) تهذيبا للعبارة وتقليلا لما يستهجن منها .

 ويدل على ذلك ما أخرجه ابو بكر احمد بن عبدالعزيز الجوهري : في (كتابه السقيفه) (1) بالاسناد الى عبدالله بن عباس قال : لما حضرت رسول الله الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال رسول الله (ص) : ائتوني بدواة وصحيفة أكتب كتاباً لاتضلوا بعده . قال : فقال عمر كلمة معناها ان الوجع قد غلب على رسول الله (ص) ثم قال : عندنا القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف من في البيت واختصموا ، فمن قائل قربوا يكتب لكم النبي ، ومن قائل ما قال عمر ، فلما أكثرو اللغط واللغو والاختلاف غضب (ص) فقال: قوموا .... الحديث (309) .

وتراه صريحا بأنهم انما نقلوا معارضة عمر بالمعنى لا بعين لفظه ، ويدلك على هذا أيضاً ان المحدثين حيث لم يصرحوا باسم المعارض يومئذ لرسول الله (ص) نقلوا الحديث بعين لفظه .

قال البخاري في (باب جوائز الوفد من كتاب الجهاد والسير من صحيحه (2) : حدثنا قبيصة ، حدثنا ابن عيينة ، عن سليمان

ــــــــــــــ

(1)كما في صفحة 20 من المجلد الثاني من شرح النهج للعلامة المعتزلي طبع مصر .

(2)في صفحة 118 من جزئه الثاني .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(309) يوجد في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج6 ص51 =



 

(263)

الاحول ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أنه قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ، ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء فقال : اشتد برسول الله (ص) وجعه يوم الخميس فقال : (ائتوني بكتاب اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا ، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا : هجر رسول الله (ص) قال : دعوني فالذي انا فيه خير مما تدعوني اليه . وأوصى عند موته بثلاث : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم . قال : ونسيت الثالثة . (1) (310) وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضا في آخر كتاب الوصية من صحيحه (311) . واحمد من حديث ابن عباس في

ــــــــــــــ

(1)الثالثة ليست إلا الأمر الذي أراد (بأبي وأمي ) أن يكتبه حفظاً لهم من الضلال فصدوه عن كتابته ، وهو العهد لعلي بالخلافة من بعده لكن السياسة في تلك الأوقات اضطرت رواة الحديث إلى القول بأنهم قد نسوا ذلك ، فإنًّا لله وإنا إليه راجعون .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

= بتحقيق محمد ابو الفضل وج2 ص20 ط1 وج2 ص294 ط دار مكتبة الحياة وج2 ص30 ط دار الفكر في بيروت .

(310) يوجد هذا في : صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير باب جوائز الوفد ج4 ص31 أفست دار الفكر على ط استانبول وج4 ص85 ط مطابع الشعب وج2 ص178 ط دار احياء الكتب وج2 ص 120 ط المعاهد وج2 ص125 ط الشرفية وج5 ص85 ط محمد علي صبيح بمصر وج4 ص55 ط الفجالة وج2 ص111 ط  الميمنية بمصر وج3 ص115 ط بمبي بالهند وج2 ص178 بحاشية السندي .

(311) صحيح مسلم كتاب الوصية باب ترك الوصية لمن ليس عنده =



 

(264)

مسنده (1) (312) ونقله كافة المحدثين .

وأخرج مسلم في كتاب الوصية من الصحيح عن سعيد بن جبير من طريق آخر عن ابن عباس انه قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ، ثم جعل تسيل دموعه حتى رَأيتُ على خديه كأنها نظام اللؤلؤ قال : قال رسول الله (ص) ائتوني بالكتف والدواة (أو اللوح والدواة) اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابداً . فقالوا ان رسول الله (ص) يهجر ) (2) (313) .

__________________

(1)راجع صفحة 222 من جزئه الأول .

(2)وأخرج هذا الحديث بهذه الألفاظ أحمد في صفحة 355 من الجزء الأول من مسنده وغير واحد من الاثبات .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

= شيء ج5 ، ص75 ط محمد علي صبيح وج2 ، ص16 ط عيسى الحلبي وج11 ، ص89-94 بشرح النووي .

(312) مسند احمد بن حنبل ج1 ، ص222 ط الميمنية بمصر وج3 ص286 حديث 1935 بسند صحيح و ج5 ، ص45 حديث 3111 ط دار المعارف بمصر .

(313) يوجد ذلك في : صحيح مسلم كتاب الوصية باب ترك الوصية لمن ليس عنده شيء ج2 ص16 ط عيسى الحلبي وج5 ، ص 75 ط محمد علي صبيح وج5 ، ص75 ط محمد علي صبيح وج5 ص75 ط المكتبة التجارية وج11 ص94-95 بشرح النووي .

مسند احمد بن حنبل ج1 ص355 ط الميمنية بمصر وج5 ، ص116 حديث 3336 بسند صحيح ط دار المعارف بمصر ، تاريخ الطبري ج3 ، ص193 ، الكامل لابن الاثير ج2 ، ص320 .

رزية يوم الخميس بلفظ ثالث للبخاري :           =



 

(265)

ومن ألم بمجموع ما حوا هذه الرزية من الاحاديث يعلم أن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

=     (( عن ابن عباس قال : لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وجعه قال : أئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لاتضلوا بعده قال عمر :إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا وكثر اللغط قال : قوموا عني ولاينبغي عندي التنازع . فخرج ابن عباس يقول : إنّ الرزية كل الرزية ماحال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين كتابه )) .

انظر : صحيح البخاري كتاب العلم باب كتابة العلم ج1 ، ص32 بحاشية السندي وج1 ، ص37 أفست دار الفكر على ط استانبول وج1، ص39 ، ط مطابع الشعب و ج1 ، ص14 ط بمبي بالهند وج1 ، ص32 ، ط دار احياء الكتب وج1 ، ص22 ، ط المعاهد و ج1 ، ص22 ط الشرفية وج1 ، ص38 ط محمد علي صبيح وج1 ، ص28 ط الفجالة وج1، ص 20 - 21 ، ط الميمنية بمصر .

رزية يوم الخميس بلفظ رابع للبخاري :

 (( سعيد بن جبير قال : قال ابن عباس : يوم الخميس وما يوم الخميس اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  وجعه فقال : أئتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبداً فتنازعوا ولاينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا ما شأنه أهجر . استفهموه فذهبوا يردون عليه ، فقال : دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه وأوصاهم بثلاثاً قال : اخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ماكنت أجيزهم وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها ))

انظر : صحيح البخاري كتاب النبي إلى كسرى وقيصر باب مرض النبي ووفاته ج3 ، ص91 بحاشية السندي وج5 ص137 أفست دار الفكر على ط استانبول وج6 ، ص11 ، ط مطابع الشعب وج5 ، ص40 ، ط بمبي بالهند وج3 ، ص66 ط المطبعة الخيرية ، تاريخ الطبري ج3 ، ص 192 - 193 .



 

(266)

اول من قال يومئذٍ هجر رسول الله (ص) انما هو الخليفة الثاني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

=       رزية يوم الخميس بلفظ خامس للبخاري :

عن سعيد بن جبير سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول : يوم الخميس وما يوم الخميس ، ثم بكى حتى بلَّ دمعه الحصى ، قلت : يا أبا عباس ما يوم الخميس . قال : اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعه فقال : أئتوني بكتف اكتب لكم كتاباً لاتضلوا بعده أبداً فتنازعوا ولاينبغي عند نبي تنازع . فقالوا ما له أهجر استفهموه . فقال : ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه فأمرهم بثلاث : قال اخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ماكنت اجيزهم ، والثالثة إما أن سكت عنها وإما ان قال فنسيتها ))

انظر : صحيح البخاري كتاب الجزية باب اخراج اليهود من جزيرة العرب ج2 ، ص202 بحاشية السندي وج4 ، ص65 - 66 أفست دار الفكر على ط استانبول وج4 ، ص12 طبع بمبي الهند .

وهذا قريب مما تقدم في اللفظ الاول تحت رقم (308) .

رزية يوم الخميس بلفظ سادس للبخاري :

عن عبيدالله بن عبدالله عن ابن عباس قال : لما حضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال : هلمَّ أكتب إليكم كتابا لن تضلوا بعده قال : عمر إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتابا لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ماقال عمر فلما أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : قوموا عني .

قال عبيدالله : فكان ابن عباس يقول : ( إن الرزية كل الرزية ماحال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم )) .  =



 

(267)

(رضى الله عنه ) ،ثم نسج على منواله من الحاضرين من كانوا يرون رأية ويؤثرون هواه ،كما يدل عليه الحديث الأول الذي رواه البخاري بسنده الى عبيد الله بن عبدالله عن ابن عباس ، وقد سمعت قول ابن عباس فيه ، فاختلف أهل البيت فاختصموا منهم من يقول قربوا يكتب لكم النبي كتابا لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر (314) .

وكيف كان فانهم لم يتعبدوا هنا بنصه الذي لو تعبدوا به لأمنوا من الضلال ، بل لم يكتفوا بعدم الامتثال لأمره حتى ردوا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

=      انظر : صحيح البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب كراهية الخلاف ج4 ، ص271 طبع بحاشية السندي وج8 ، ص161 أفست دار الفكر على ط استانبول وج8 ، ص64 ط بمبي بالهند وج4 ، ص194 ط المطبعة الخيرية .

وذكر هذه الرواية في كتاب النبي إلى كسرى وقيصر باب مرض النبي ووفاته بعد الرواية المتقدمة في اللفظ الرابع .

رزية يوم الخميس في مصادر أخرى :

شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ، ص133 ط 1 بمصر ، الملل والنحل للشهرستاني ج1 ، ص22 ط بيروت الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ، ص 242 - 244 ، عبدالله بن سبأ للعسكري ج1 ، ص79 .

قول عمر بن الخطاب إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليهجر :

يوجد في : تذكرة الخواص للسبط بن الجوزي الحنفي ص62 ط الحيدرية وص36 ط ايران ، سر العالمين وكشف ما في الدارين لابي حامد الغزالي ص21 ط مطبعة النعمان .

(314) راجع ماتقدم من الاحاديث .



 

(268)

عليه بقولهم ((حسبنا كتاب الله )) كما يزيف أحدنا رأى الآخر ، كأن رسول الله (ص) لا يعلم بمكان كتاب الله منهم ، او انهم أعلم منه بخواص كتاب الله وفوائده ، وليتهم اكتفوا بهذا كله ولم يفاجئوه بكلمتهم تلك وهو محتضر بأبي هو وأمي بينهم ، وأي كلمة كانت منهم وداعا له (ص) !!

وكأنهم حيث لم يأخذوا بهذا النص اكتفاء منهم بكتاب الله على ما زعموالم يسمعوا هتاف الكتاب آناء الليل وأطراف النهار في أنديتهم قائلاً : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ ) (315) وكأنهم حيث قالوا كلمتهم تلك لم يقرأوا قوله تعالى(إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ (22) ) (316) وقوله عز من قائل: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43)) (317) وقوله سبحانه وتعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5)) (318) إلى كثير من هذه الايات المحكمة المنصوص فيها على عصمة قوله من الهجر (ص) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(315) سورة الحشر ، الآية : 7 .

(316) سورة التكوير ، الآيات : 19 - 22.

(317) سورة الحاقة ، الآيات : 40 - 43 .

(318) سورة النجم ، الآيات : 2 - 5 .



 

(269)

على أن العقل يستقل بذلك ويحكم جازماً به كما لا يخفى على أولي الالباب ، لكن القوم علموا أنه صلى الله عليه وآله وسلم يريد توثيق العهد الى علي بالخلافة ، وتأكيد النص بها عليه خاصة ، وعلى الائمة من عترته عامة ، احتياطا على أمته ومبالغة في النصح لها ، واهتماماً في شأن خلفائه بتسجيل عهده اليهم بالخلافة خطا ، بعد أن أعلنه قولا وفعلا ، فصدوه عن هذه المهمة بكلمتهم هذه ، كما اعترف به الخليفة الثاني في كلام دار بينه وبين ابن عباس (1) (319) .

وأنت هداك الله اذا تأملت في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (ائتوني اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ) وقوله في حديث الثقلين ( اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي اهل بيتي ) (320) تعلم ان

ـــــــــــــ

(1)راجع الجزء 12 من شرح النهج الحديدي تجد ذلك في السطر 27 ... من صفحة 114 من المجلد 3 طبع مصر .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(319) اعتراف عمر بأنه إنما صدَّ النبي عن كتابة الكتاب حتى لايجعل الامر لعلي :

انظر : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج3 ، ص114 ط1 ، وج12 ، ص79 بتحقيق محمد ابو الفضل ج3 ، ص803 ، ط دار مكتبة الحياة و ج3 ، ص167 ط دار الفكر .

(320) حديث الثقلين من الاحاديث المتواترة المتفق عليه عند أهل الاسلام فقد رواه عدد كبير من الصحابة أكثر من خمسة وثلاثين صحابيا .

انظر ما يأتي تحت رقم (585) وما بعده .

وراجع : عبقات الانوار قسم حديث الثقلين 1-2 ، المراجعات للمؤلف تحت رقم 28 و29 و30 و31 و 32 و33     =



 

(270)

المرمى في الحديثين واحد ، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم انما أراد في مرضه بأبي هو وامي ان يكتب لهم تفصيل ما أوجبه عليهم في حديث الثقلين ، وانما عدل عن ذلك لان كلمتهم التي فاجأوه بها اضطرته الى العدول ، اذ لم يبق بعدها أثر لكتابة الكتاب لاختلاف الأمة من بعده في أنه هجر فيما كتبه فيه (والعياذ بالله) أو لم يهجر ؟؟! كما اختلفوا في ذلك فاختصموا وأكثروا اللغط نصب عينيه ، فلم يتسنّ له يومئذٍ أكثر من طردهم من مجلسه ، فقال : (قوموا عني) كما سمعت .

ولو أصر فكتب الكتاب للجّوا في قولهم (هجر) ولأوغل اشياعهم في اثبات هجره (والعياذ بالله) فسطروا به أساطيرهم ، وملأوا منه طواميرهم ردا على علي وشيعته اذا احتجوا بذلك الكتاب .

لهذا اقتضت حكمته البالغة أن يضرب صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك الكتاب صفحا لئلا يفتح هؤلاء المعارضون وأولياؤهم بابا الى الطعن في نبوته ( نستجير بالله ) وقد رأى صلى الله عليه وآله وسلم : ان أولياء علي خاضعون لخلافته ، كتب ذلك الكتاب أو لم يكتب ، وغيرهم لا يعمل به تلك يعتبره ولو كتب ، فالحكمة والحال هذه توجب تركة اذ لا أثر له بعد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 =      واللفظ الذي ذكره برواية زيد بن أرقم لكنه مختصر انظر : صحيح الترمذي ج5 ، ص329 حديث 3876 ط دار الفكر وج2 ، ص308 ط بولاق وج13، ص200 ط الصاوي ، كنز العمال ج1 ، ص173حديث 873 راجع بقية مصادر هذا الحديث : كتاب المراجعات تحت رقم ( 29 ) .



 

(271)

تلك المعارضة سوى وقوع الفتنة كما لا يخفى . ومن تأمل أحوالهم زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضلاً عن أيام خلافتهم علم أنهم كانوا كما نبهناك اليه .

3- ألا تراهم (يوم تبوك) كيف انكروا اذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذٍ بنحر ابلهم وأكل لحومها ، إذ أملقوا في تلك الغزوة وجاعوا فأنكر عمر رضى الله عنه ذلك وقال : (ما بقاؤكم بعد ابلكم) والقضية ثابتة معروفة ، أخرجها البخاري في باب حمل الزاد في الغزو من كتاب الجهاد والسير من الجزء الاول من صحيحه ، ورواها سائر المحدثين (321) .

* * *

4-وأنكروا عليه (صلح الحديبية) بتلك العبارات المزعجة ، وكان صلى الله عليه وآله وسلم مأمورا به والحكمة كانت فيه بالغة ، اذ دخل بسببه في الدين أضعاف ما دخل فيه قبل ذلك ، فكان في الواقع فتحاً مبيناً (1) ونصرا عزيزا بيد ان ابا حفص (رضى الله عنه ) لم يدرك يومئذٍ

ـــــــــــــ

(1)وفيه أنزل الله تعالى (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) عن الشعبي وغيرهكما في الكشاف وغيره . وعن موسى بن عقبة كما في الكشاف أيضاً أقبل رسول الله (ص) من الحديبية راجعاً فقال رجل من أصحابه : ما هذا بفتح ، لقد صدونا عن البيت وصد هدينا ، فبلغ النبي (ص) ذلك فقال : بئس الكلام هذا ، بل هو أعظم الفتوح – الحديث .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(321) صحيح البخاري كتـاب الجهاد بـاب حمل الـزاد في الغـزو ج2، ص166بحاشية السندي .



 

(272)

حكمته ، واعتقده خطة خسف فأنكره جهرة وصادر به علانية ، والقضية مشهورة وحسبك منها : ما أخرجه مسلم في (باب صلح الحديبية من الجزء الاول من صحيحه) ان عمر بن الخطاب قال يومئذٍ : (ألسنا على حق وهم على باطل ؟ قال رسول الله (ص) : بلى . قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال : بلى . قال : ففيمَ نعطى الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ فقال (ص) : يابن الخطاب اني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا . قال : فانطلق عمر فلم يصبر متغيظاً ، فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر ألسنا على حق وهم على باطل ؟ قال : بلى . قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال: بلى . قال : فعلام نعطى الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ فقال : يابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله ابداً ... الحديث (322) . وأخرجه غير واحد من المحدثين بلهجة أشد مما سمعت .

وأخرج البخاري في آخر كتاب الشروط (1) من صحيحه حديثاً

ــــــــــــــ

(1)في صفحة 81 من جزئه الثاني .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(322) صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير باب 34 صلح الحديبية ج5 ، ص173 ط دار الجيل وج3 ، ص1412 حديث 1785.

صحيح البخاري كتاب التفسير سورة 48 سورة الفتح ج3 ، ص190 بحاشية السندي ، وج6 ، ص170 ، ط مطابع الشعب ، تفسير القرطبي ج16 ، ص277 ، فتح القدير للشوكاني ج5 ، ص55  الطرائف لابن طاووس ج2 ، ص440 عن عدة مصادر .



 

(273)

جاء فيه : (أن عمر قال : فقلت ألست نبي الله حقا ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا عل الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعطى الدنية في ديننا إذن ؟ قال (ص) : اني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري . قلت : أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال : بلى أفاخبرتك أنا نأتيه العام . قال : قلت : لا . قال : فإنك آتيه ومطوّف به ؟

قال :  فأتيت أبا بكر فقلت : يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلمَ نعطى الدنية في ديننا اذن ؟ قال : أيها الرجل انّه لرسول الله ، وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه (1) فو ال