|
|
|
|
|
(251) 1- [ سرية أسامة ] فمنها : سرية أسامة بن زيد بن حارثة الى غزو الروم ، وهي آخر السرايا على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد اهتم فيها بأبى هو وأمي اهتماماً عظيماً ، فأمر أصحابه بالتهيؤ لها وحضهم على ذلك ، ثم عبأهم بنفسه الزكية أرهافاً لعزائمهم واستنهاضاً لهممهم ، فلم يُبق أحدا من وجوه المهاجرين والانصار كأبي بكر وعمر (1) (297) ، ــــــــــــــــ (1)أجمع أهل السير والأخبار على أن أبا بكر وعمر كانا في الجيش ، وأرسلوا ذلك في كتبهم ارسال المسلمات ، وهذا مما لم يختلفوا فيه ، فراجع ما شئت من الكتب المشتملة على هذه السرية كطبقات ابن سعد وتاريخي الطبري وابن الأثير والسيرة الحلبية والسيرة الدحلانية وغيرها لتعلم ذلك ، ، وقد أورد الحلبي حيث ذكر هذه السرية في الجزء الثالث من سيرته حكاية ظريفة نوردها بعين لفظه . قال : ان الخليفة المهدي لما دخل البصرة رأى أياس بن معاوية الذي يُضرب به المثل في الذكاء وهو صبي وخلفه أربعمائة من العلماء وأصحاب الطيالسة فقال المهدي : أفٍّ لهذه العثانين ( أي اللحى ) أما كان فيهم شيخ يتقدمهم غير هذا الحدث ؟! ثم التفت إليه المهدي وقال : كم سنك يا فتى ؟ فقال : سني أطال الله بقاء أمير المؤمنين سنّ أسامة بن زيد بن حارثة لما ولاه رسول الله (ص) جيشاً فيه أبو بكر وعمر . فقال : تقدم بارك الله فيك . قال الحلبي : وكان سنه سبع عشرة سنة . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (297) ابو بكر وعمر في جيش أسامة :
(252) وأبي عبيدة ، وسعد ، الا وقد عبأه بالجيش (1) (298). ــــــــــــــــ (1)كان عمر يقول لأسامة : مات رسول الله (ص) وأنت عليَّ أمير . نقل ذلك عنه جماعة من الأعلام كالحلبي في سرية أسامة من سيرته الحلبية وغير واحد من المحدثين والمؤرخين . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ = كون أبي بكر وعمر في جيش اسامة الذي بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه من الامور المسلمة راجع : الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ، ص 190 ، تاريخ اليعقوبي ج2 ، ص 93 ط الغري وج 2 ، ص 74 ط بيروت ، الكامل لابن الاثير ج 2 ، ص 317 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص195 وج6 ، ص52 بتحقيق محمد ابو الفضل وج1 ، ص53 وج2 ، ص21 ط1 بمصر ، سمط النجوم العوالي لعبد الملك العاصمي المكي ج2 ، ص224 ، السيرة الحلبية للحلبي الشافعي ج3 ، ص207 ، السيرة النبوية لزيني دحلان بهامش السيرة الحلبية ج2 ص339 ، كنز العمال ج10 حديث 30264 وحديث رقم 30265 و30266 و30268 ذكر عمر ولم يذكر أبا بكر . منتخب كنز العمال بهامش مسند احمد ج4 ، ص180، انساب الاشراف ج1 ص474 ، تهذيب ابن عساكر ج2 ، ص391 بترجمة أسامة ، تهذيب الكمال في اسماء الرجال للمزي ج2 ص340 في ترجمة أسامة . (298) عمر يقول لأسامة : (( مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنت عليّ أمير )). انظر : السيرة الحلبية ج3 ص209 ، السيرة النبوية لزيني دحلان بهامش السيرة الحلبية ج2 ، ص341 ، كنز العمال ج15 ، ص241 ، ط2 بالهند . تهذيب الكمال في اسماء الرجال للمزي ج2 ص344 بترجمة أسامه .
(253) وكان ذلك لأربع ليال بقين من صفر سنة احدى عشرة للهجرة (1) فلما كان من الغد دعا اسامه فقال له : (سر الى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل ، فقد وليتك هذا الجيش فاغز صباحا على أهل أُبني (2) وحّرق عليهم ، وأسرع السير لتسبق الاخبار ، فإن أظفرك الله عليهم فأقل اللبث فيهم وخذ معك الادلاء ، وقدم العيون ، والطلائع معك ) . فلما كان يوم الثامن والعشرين من صفر بدأ به صلى الله عليه وآله وسلم مرض الموت فحمَّ بأبى هو وأمي وصدع ، فلما أصبح يوم التاسع والعشرين ووجدهم مثاقلين ، خرج اليهم فحضّهم على السير ، وعقد صلى الله عليه وآله وسلم اللواء بيده الشريفة ، تحريكاً لحميتهم وارهافاً لعزيمتهم ، ثم قال : ( اغز بسم الله وفي سبيل الله وقاتل من كفر بالله ، فخرج بلوائه معقودا فدفعه الى بريدة وعسكر بالجرف ، ثم تثاقلوا هناك فلم يبرحوا ( مع ما وعوه ، ورأوه من النصوص الصريحة في وجوب اسراعهم كقولهه صلى الله عليه وآله وسلم ( أغز صباحا على أهل أُبني ) (299) . ـــــــــــــــ (1)هذا بناء على ما صرح به كثير من أعلام السنة كابن سعد في سرية أسامة من طبقاته والحلبي والدحلاني في هذه السرية من سيرتيهما ، وقد اعتمدنا في شؤون هذه السرية على هاتين السيرتين . (2)أُبنى بضم الهمزة وسكون الباء ثم نون مفتوحة بعدها ألف مقصورة ناحية بالبلقاء من أرض سوريا بين عسقلان والرملة ، وهي قرب مؤتة التي استشهد عندها زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين في الجنة عليه السلام . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (299) انظر : المغازي للواقدي ج3 ص1117 ، السيرة الحلبية ج3 ص207، السيرة النبوية لزيني دحلان بهامش السيرة الحلبية ج2 ، =
(254) وقوله ( واسرع السير لتسبق الاخبار ) (300) الى كثير من أمثال هذه الأوامر التى لم يعملوا بها في تلك السرية ) . وطعن قوم منهم في تأمير اسامة كما طعنوا من قبل في تأمير أبيه ، وقالوا في ذلك فأكثروا ، مع ما شاهدوه من عهد النبي له بالامارة ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ ( فقد وليتك هذا الجيش ) (301) ورأوه يعقد له لواء الامارة وهو محموم بيده الشريفة ، فلم يمنعهم ذلك من الطعن في تأميره ، حتى غضب صلى الله عليه وآله وسلم من طعنهم غضبا شديدا . فخرج بأبي هو وامي معصب الرأس (1) مدثرا بقطيفته محموما ــــــــــــــــ (1)كل من ذكر هذه السرية من المحدثين وأهل السير والأخبار نقل طعنهم في تأمير أسامة وأنه (ص) غضب غضباً شديداً فخرج على الكيفية التي ذكرناها فخطب الخطبة التي أوردناها، فراجع سرية أسامة من طبقات ابن سعد وسيرتي الحلبي والدحلاني وغيرها من المؤلفات في هذا الموضوع . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ = ص339، الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص190، كنز العمال ج10 حديث 30272 . (300) انظر : المغازي للواقدي ج3 ص1117 و1123، السيرة الحلبية ج3 ص207 ، السيرة النبوية لزيني دحلان بهامش السيرة الحلبية ج2 ص339 ، الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص190. (301) راجع : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص159 بتحقيق محمد ابو الفضل وج1 ص53 ط1 ، المغازي للواقدي ج3 ص1117 ، السيرة الحلبية ج3 ص207 ، السيرة النبوية الدحلانية بهامش الحلبية ج2 ص 339 ، الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص190.
(255) ألماً ، وكان ذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الاول قبل وفاته بأبي هو وأمي بيومين (1) فصعد المنبر : فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال فيما أجمع أهل الأخبار على نقله واتفق أولوا العلم على صدوره : ( أيها الناس ، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمري أسامه ، ولئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله ، وأيم الله ان كان لخليقاً بالامارة وان ابنه بعده لخليق بها ) (302) . وحضهم على المبادرة الى السير فجعلوا يودعونه ويخرجون الى العسكر بالجرف وهو يحضهم على التعجيل ، ثم ثقل (بأبي هو وأمي) في مرضه ، فجعل يقول : (جهزوا جيش أسامه انفذوا جيش اسامه أرسلوا بعث اسامه ) يكرر ذلك وهم مثاقلون . فلما كان يوم الاثنين الثاني عشر ربيع الاول دخل اسامة من معسكره على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فأمره بالسير قائلاً له: ( أغد على بركة الله ــــــــــــــــ (1)هذا بناء على ما ذكره الحلبي والدحلاني في سيرتيهما ورواه المحدثون من أهل السنة كابن سعد في سرية أسامة من طبقاته ، وهي في آخر القسم الأول من الجزء الثاني من الطبقات . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (302) انظر : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص159 بتحقيق محمد ابو الفضل وج1 ص53 ط1، المغازي للواقدي ج3 ص1119 ، السيرة الحلبية ج3 ص207 ، السيرة النبوية لزيني دحلان بهامش الحلبية ج2 ص339 ، الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص190 ، كنز العمال ج10 حديث 30266 .
(256) تعالى ) (303) فودعه وخرج الى العسكر ، ثم رجع ومعه عمر وابو عبيدة فانتهوا اليه بأبي هو وأمي وهو يجود بنفسه فتوفي ( روحي وارواح العالمين له الفداء) في ذلك اليوم (1) فرجع الجيش باللواء الى المدينة الطيبة . ثم عزموا على الغاء البعث بالمرة ، وكلموا أبا بكر في ذلك وأصروا عليه غاية الاصرار ، مع ما رأوه بعيونهم من اهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في انفاذه وعنايته التامة في تعجيل ارساله ، ونصوصه المتوالية في الاسراع به على وجه يسبق الاخبار ، وبذله الوسع في ذلك منذ عبأه بنفسه ، وعهد الى أسامه في أمره ، وعقد لواءه بيده ، الى ان احتضر (بأبي هو وأمي) فقال : (أغد على بركة الله تعالى) كما سمعت ، ولولا الخليفة لاجمعوا يومئذ على رد البعث وحلّ اللواء ، لكنه أبى عليهم ذلك ، فلما رأوا منه العزم على ارسال البعث جاءه عمر ابن الخطاب حينئذ يلتمس منه بلسان الانصار أن يعزل أسامه ويولي غيره (304) . هذا ولم يطل العهد منهم بغضب النبي وانزعاجه من طعنهم في تأمير أسامة ، ولا بخروجه من بيته بسبب ذلك محموما مألوما ـــــــــــــ (1)وهذا أيضاً بناء على ما في سيرتي الحلبي والدحلاني ورواية المحدثين من أهل السنة كابن سعد وغيره ، والمأثور عندنا أنه توفي (ص) لليلتين بقيتا من صفر . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (303) انظر : المصادر المتقدمة . (304) كنز العمال ج10 حديث 30266.
(257) معصبا مدثرا يرسف في مشيته ورجله لا تكاد تقله مما كان من لغوب ، فصعد المنبر وهو يتنفس الصعداء ويعالج البرحاء فقال : ( أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامه ، ولئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله ، وأيم الله ان كان لخليقاً بالإمارة وان ابنه من بعده لخليق بها ) . فأكد صلى الله عليه وآله وسلم الحكم ؛ بالقسم وإن ، واسمية الجملة ، ولام التأكيد ، ليقلعوا عما كانوا عليه فلم يقلعوا ، لكن الخليفة أبى ان يجيبهم الى عزل أسامة ، كما أبى ان يجيبهم الى الغاء البعث ، ووثب فأخذ بلحية عمر (1) فقال : ( ثكلتك أمك وعدمتك يابن الخطاب استعمله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتأمرني ان أنزعه (305) . ولما سيروا الجيش ( وماكادوا يفعلون ) خرج اسامة في ثلاثة آلاف مقاتل فيهم ألف فرس (2) وتخلف عنه جماعة ممن عبأهم ـــــــــــ (1)نقله الحلبي والدحلاني في سيرتيهما وابن جرير الطبري في أحداث سنة 11 من تاريخه وغير واحد من أهل الأخبار . (2)فشن الغارة على أهل أُبنى فحرق منازلهم وقطع نخلهم وأجال الخيل في عرصاتهم وقتل من قتل منهم وأسر من أسر ، وقتل يومئذٍ قاتل أبيه ولم يقتل والحمد لله رب العالمين من المسلمين أحد ، وكان أسامة يومئذٍ على فرس أبيه شعارهم يا منصور أمت – وهو شعار النبي (ص) يوم بدر – وأسهم للفارس سهمين وللراجل سهماً واحداً وأخذ لنفسه مثل ذلك . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (305) كنز العمال ج10 حديث 30268 ، تاريخ الطبري ج3 ص 226، الكامل في التاريخ ج2 ص335 ، السيرة الحلبية ج3 ، =
(258) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جيشه ، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( جهّزوا جيش أسـامة لعن الله من تخلّف عنه ) (1) (306) . وانت تعلم انهم انما تثاقلوا عن السير أولاً وتخلفوا عن الجيش أخيراً ليحكموا قواعد سياستهم ، ويقيموا عمدها ترجيحا منهم لذلك على التعبد بالنص ، حيث رأوه أولى بالمحافظة وأحق بالرعاية ، اذ لا يفوت البعث بتثاقلهم عن السير ، ولا بتخلف من تخلف منهم عن الجيش . أما الخلافة : فانها تنصرف عنهم لا محالة ، اذا انصرفوا الى الغزوة قبل وفاته صلى الله عليه وآله وسلم وكان بأبي هو وأمي أراد ان تخلوا منهم العاصمة ، فيصفو الامر من بعده لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ــــــــــــــ (1)أرسل هذه الكلمة ارسال المسلمات جماعة من أعلام الاثبات كالامام أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في المقدمة الرابعة من المقدمات التي ذكرها في أوائل كتاب الملل والنحل ، وأخرجها أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة بالاسناد المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ونقلها عنه جماعة من أهل الأخبار كالعلامة المعتزلي الحنفي في آخر صفحة 20 من المجلد 2 من شرحه لنهج البلاغة طبع مصر . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ص 209، السيرة النبوية لزيني دحلان بهامش السيرة الحلبية ج3 ص 340. (306) الملل والنحل للشهرستاني الشافعي ج1 ص23 ط دار المعرفة بيروت و ج1 ،ص 20 بهامش الفصل لابن حزم ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج2 ص21 ط1 وج 6 ، ص52 بتحقيق محمد ابو الفضل .
(259) على سكون وطمأنينة ، فاذا رجعوا وقد أبرم عهد الخلافة وأحكم لعلي عقدها ، كانوا عن المنازعة والخلافة أبعد 0 وانما أمَّر عليهم أسامة وهو ابن سبع عشرة سنة (1) (307) لياً لأعنة البعض ورداً لجماح أهل الجماح منهم ، واحتياطاً على الامن في المستقبل من نزاع أهل التنافس لو أمَّر أحدهم كما لا يخفى ، لكنهم فطنوا الى كل ما دبر صلى الله عليه وآله وسلم : 1- فطعنوا في تأمير أسامة . 2- وتثاقلوا عن السير معه ، فلم يبرحوا من الجرف حتى لحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بربه . 3- فهمّوا حينئذٍ بالغاء البعث وحلّ اللواء تارة . 4- وبعزل أسامة أخرى . 5- ثم تخلّف كثير منهم عن الجيش كما سمعت . فهذه خمسة أمور في هذه السريةلم يتعبدوا فيها بالنصوص الجلية إيثاراً لرأيهم في الأمور السياسية وترجيحاً لاجتهادهم فيها على التعبد بنصوصه صلى الله عليه وآله وسلم . ـــــــــــــ (1)على الأظهر ، وقيل كان ابن ثمان عشرة سنة ، وقيل ابن تسع عشرة سنة ، وقيل ابن عشرين سنة ، ولا قائل بأن عمره كان أكثر من ذلك . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (307) لم يتجاوز العشرين راجع : تهذيب الكمال للمزي ج2 346 .
|
||
|
|
|