موقف أئمتنا من الإرهاب الفكري (1)
الشيخ حسين الراضي - 21 / 3 / 2008م - 7:40 ص
اقرأ أيضاً

13 / 3 / 1429 هـ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِي اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ . وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ انْتَجَبَهُ لِوَلَايَتِهِ وَاخْتَصَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَأَكْرَمَهُ بِالنُّبُوَّةِ أَمِيناً عَلَى غَيْبِهِ وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ[1]

قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ آل عمران/103.

الوحدة الإسلامية مبدأ قرآني:

نعيش في هذه الأيام ذكرى ولادة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأسبوع الوحدة الإسلامية من 12- 17 من ربيع الأول، فجدير بالأمة الإسلامية أن تعتز بهذه المناسبة وتستفيد منها.

الآية المباركة التي افتتحنا حديثنا بها واضحة كل الوضوح في الدعوة إلى الاعتصام والتمسك بحبل الله وهو الطريق الذي يوصل إلى الله، وما يذكر في بعض الروايات من تفسير لحبل الله لا يعدو أن يكون مجرد أمثلة ومصاديق له وليس بتفسير له خاصة لا ينطبق على غيره وعلى هذا فالاعتصام بحبل الله هو الاعتصام والتمسك بكل ما يوصل إلى الله سبحانه ثم إن التمسك والاعتصام بحبل الله سوف ينتج الاعتصام بالله عز وجل كما ورد في أكثر من آية:

قال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنينَ أَجْراً عَظيماً (146) النساء.

وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ في‏ رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْديهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقيماً (175) النساء.

وقال تعالى: ﴿... هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفي‏ هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى‏ وَنِعْمَ النَّصيرُ (78) الحج.

ونهاهم عن التفرق الذي يؤدي إلى ضعفهم وتمزقهم وذكّرهم بالنعم التي أسداها عليهم ومن أهمها أن العرب قبل مجيء الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله كانوا أعداء فيما بينهم يقتل بعضهم بعضاً ضعفاء قد استعبدتهم الأمم التي تعيش إلى جانبهم ولكن بعد مجيء رسول الرحمة إليهم ألف فيما بينهم وأصبحوا بنعمته إخواناً، يتفانى بعضهم لبعض ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.

ولكن مع الأسف الشديد بعد رحيل نبيهم عنهم نكصوا على أعقابهم وعادت الأحقاد الجاهلية والنعرات الطائفية والمذهبية حتى:

لقد هزلت حتى بدا من هزالها                      كلاها وحتى سامها كل مفلس[2]

مدخل في تعريف المسلم والمؤمن:

ومن الأمور التي أدت إلى اختلافهم وتشتتهم؛ اختلافهم في جملة من المفاهيم الإسلامية وتحديدها ومنها معنى المسلم والمؤمن وما هي مواصفاتهما وحدودهما ومعنى الولاية لله ولرسوله ولأهل بيته، وفيما يلي نعرض معنى المسلم والمؤمن في مدرسة أتباع أهل البيت حسب الرواية التالية:

ففي الصحيح عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام (يَا سُلَيْمَانُ أَتَدْرِي مَنِ الْمُسْلِمُ؟.

قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ أَنْتَ أَعْلَمُ.

قَالَ: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ.

ثُمَّ قَالَ: وَتَدْرِي مَنِ الْمُؤْمِنُ؟.

قَالَ: قُلْتُ أَنْتَ أَعْلَمُ.

قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ مَنِ ائْتَمَنَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُسْلِمُ حَرَامٌ عَلَى الْمُسْلِمِ، أَنْ يَظْلِمَهُ، أَوْ يَخْذُلَهُ، أَوْ يَدْفَعَهُ دَفْعَةً تُعَنِّتُهُ)[3]

قال المجلسي:

المسلم: أي المسلم الكامل الذي يحق أن يسمى مسلما، وكذا المؤمن.‏

وقيل: الغرض بيان المناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي، ويكفي لذلك اتصاف كمل أفراد كل منهما بما ذكر.

ولا يخذله: أي لا يترك نصرته مع القدرة عليها.

أو يدفعه دفعة تعنته: أي إذا لم يقدر على نصرته يجب عليه أن يعتذر منه، ويرده برد جميل، ولا يدفعه دفعة تلقيه تلك الدفعة في العنت والمشقة، ويحتمل أن يكون كناية عن مطلق الضرر الفاحش.

وقيل: يدفعه عن خير، ويرده إلى شر يوجب عنته[4]

موقف الإمام الباقر عليه السلام من الإرهاب الفكري:

طُرحت في زمان الأئمة الأطهار بعض الثقافات الدخيلة على مدرستهم وقد حاول البعض أن يسوق لها دفاعاً عن أهل البيت ومدرستهم ولا زالت مثل هذه الثقافات والمفاهيم إلى يومنا هذا تطرح باسم الشيعة والتشيع ومذهب أهل البيت ولكن الأئمة عليهم السلام حاولوا بمقدار ما أوتوا من قوة أن يبينوا لمن تورط فيها أو سمعها أنها لا تمثل ثقافاتهم ولا رأيهم بل ولا رأي الإسلام، والحوار التالي في الرواية التالية يمثل لنا أنموذجا من تلك النماذج فإلى ذلك الحوار:

جاء في الحديث الصحيح عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم، عَنْ زُرَارَةَ قَالَ دَخَلْتُ أَنَا وَحُمْرَانُ - أَوْ أَنَا وَبُكَيْرٌ - عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام:

قَالَ: قُلْتُ لَهُ إِنَّا نَمُدُّ الْمِطْمَارَ.

قَالَ: وَمَا الْمِطْمَارُ؟.

قُلْتُ: التُّرُّ ؛ فَمَنْ وَافَقَنَا مِنْ عَلَوِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ تَوَلَّيْنَاهُ، وَمَنْ خَالَفَنَا مِنْ عَلَوِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ بَرِئْنَا مِنْهُ.

فَقَالَ لِي: يَا زُرَارَةُ قَوْلُ اللَّهِ‏ أَصْدَقُ مِنْ قَوْلِكَ؛ فَأَيْنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا؟ أَيْنَ الْمُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ؟ أَيْنَ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً؟ أَيْنَ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ؟ أَيْنَ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ؟.

وَزَادَ حَمَّادٌ فِي الْحَدِيثِ قَالَ فَارْتَفَعَ صَوْتُ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام وَصَوْتِي حَتَّى كَانَ يَسْمَعُهُ مَنْ عَلَى بَابِ الدَّارِ[5].

وَزَادَ فِيهِ جَمِيلٌ عَنْ زُرَارَةَ: فَلَمَّا كَثُرَ الْكَلَامُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ قَالَ لِي يَا زُرَارَةُ حَقّاً عَلَى اللَّهِ أَنْ [لَا] يُدْخِلَ الضُّلَّالَ الْجَنَّةَ.[6]

معنى المطمار والتر:

قال الزبيدي: المِطْمَارُ، بالكسر: الزَّيْجُ، وهو خيط للبناء يقدر به البَنَّاء كالمِطْمَرِ، كمنبر يقال له بالفارسية: التُّرُّ[7].

وقال التُّرُّ بالضمِّ: الأصْلُ وبه فَسَّر بعضٌ قولهم: لأضْطَرَّنَّكَ إلى تُرِّكَ.

التُّرُّ: الخَيْطُ الذي يُقَدِّر به البَنَّاءُ، فارسيٌّ معرَّب، قال الأصمعيُّ: هو الخَيْطُ الذي يُمَدُّ على البِنَاءِ فَيُبْنَى عليه، وهو بالعربيَّة: الإمامُ.

وفي التَّهذِيب عن اللَّيْث: التُّرُّ كلمةٌ تَكَلَّم بها العربُ إذا غَضِبَ أَحدُهم على الآخَر قال: واللهِ لأُقِيمَنَّكَ على التُّرِّ.

وقال الزَّمَخْشَريُّ: وهو مَجازٌ.

وقال ابن الأعرابيُّ: التُّرُّ ليس بعربيٍّ[8]

قال الجوهري: التُّرُّ بالضم: خيط يُمَدُ على البناء. يقول الرجل لصاحبه عند الغضب: لأُقيمنَّك على التُّرُّ.

رأي زرارة:

قال الفيض: المطمار بالمهملتين، خيط للبناء يقدر به، وكذا (التٌُرّ) بضم المثناة الفوقانية والراء المشددة، يعني أنَّا نضع ميزانا لتولينا الناس وبراءتنا منهم، وهو ما نحن عليه من التشيع، فمن استقام معنا عليه، فهو ممن توليناه، ومن مال عنه وعدل فنحن منه براء، كائنا من كان.[9]

هذا هو رأي زرارة وهو يمثل شريحة متشددة من الشيعة في زمان الأئمة عليهم السلام كما تذكر بعض الروايات.

وفي مقابل هذا الرأي: رأي الإمام الباقر عليه السلام الذي اختلف مع رأي زرارة حتى علا وارتفع صوت الإمام عليه السلام مع وقاره، وقد حصل مع الإمام الصادق عليه السلام شبه ما حصل مع الإمام الباقر عليه السلام.

سوء أدب زرارة:

ذكر شراح الحديث أن هذا الموقف من زرارة مع الإمام يشكل سوء أدب ويخدش في شخصيته ووثاقته ولكنه مما أجمعت الشيعة على وثاقته فلابد من حمله أنه كان منه هذا الموقف في بداية أمره.

قال المجلسي قوله: " فارتفع صوت أبي جعفر عليه السلام" هذا مما يقدح به في زرارة ويدل على سوء أدبه، ولما كانت جلالته وعظمته ورفعة شأنه وعلو مكانه مما أجمعت عليه الطائفة وقد دلت عليه الأخبار المستفيضة، فلا يعبأ بما يوهم خلاف ذلك.

ويمكن أن يكون هذه الأمور هو في بدو أمره قبل كمال معرفته، أو كان هذا من طبعه وسجيته ولم يمكنه ضبط نفسه، ولم يكن ذلك لشكه وقلة اعتنائه، أو كان قصده معرفة كيفية المناظرة في هذا المطلب مع المخالفين، أو كان لشدة تصلبه في الدين وحبه لأئمة المؤمنين، حيث كان لا يجوز دخول مخالفيهم في الجنة، مع أنه كان يحتمل ويجوز أن يكون تجويزه عليه السلام تقية أن يدخل الضلال الجنة أي بعضهم.

والمراد بالضلال‏ المستضعفون وغيرهم من الأصناف المذكورة، فهم ليسوا بكفار لدلالة الروايات الكثيرة وإجماع الفرق على أن الكفار لا يدخلون الجنة، وفي بعض النسخ: أن لا يدخل‏ فهو استفهام إنكاري[10].

مع من نكون؟:

فهل نكون مع الرأي المتطرف المتشدد قصير المدى وقصير النظر الذي تحدث عنه زرارة وغيره؟

أو نكون مع آية ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ مع رأي الإمام الباقر عليه السلام وبقية الأئمة.

ولكن الذي يحز في النفس أن هذا الموقف المشين لم يكن فلتة فقط حدث من زرارة بن أعين الثقة ثم لم يعُد ويتكرر بل إن رأي زرارة هذا هو رأي مجموعة متطرفة متشددة وضعت عليها علامة استفهام إلى يومنا هذا على قاعدة (من لم يكن معنا فهو ضدنا).

فهل نتبع رأي زرارة وتلك المجموعة المتشددة أم نتمسك بالقرآن وهدي أئمتنا عليهم السلام؟؟!!.

تحقيق:

جاء في تكمة الرواية قول الراوي: وَزَادَ فِيهِ جَمِيلٌ عَنْ زُرَارَةَ فَلَمَّا كَثُرَ الْكَلَامُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ قَالَ لِي يَا زُرَارَةُ حَقّاً عَلَى اللَّهِ أَنْ [لَا] يُدْخِلَ الضُّلَّالَ الْجَنَّةَ[11]

والمراد بجميل: هو جميل بن دَرَّاج أحد الثقات الذين رووا هذه الرواية.

كلمة [لا] زائدة وذلك:

1- أن كلمة (لا): وإن كانت موجودة في بعض نسخ الكافي كما يقول به بعض محققي الكافي وفي المطبوع بدار الكتب الإسلامية بتصحيح المغفور له علي أكبر الغفاري، قال في الهامش: و (لا) موجودة في بعض النسخ. كما أنه في الأصل وضعها بين معقوفتين. ولكنها غير موجودة في النسخ الأخرى.

2- أن كلمة (لا) لا تتلاءم مع نص الحوار بين الإمام الباقر وزرارة حيث كان زرارة يريد أن يتشدد على كل من لم يقل بالإمامة وما عليه الشيعة وأنه يتبرأ منهم كائنا من كان، ولكن الإمام الباقر عليه السلام يصر على خلاف ذلك واستشهد بالآية المباركة.

3- هذه الرواية رواها بنفسها الفيض الكاشاني عن الكليني في الكافي ولا يوجد فيها كلمة (لا) حيث جاء في آخر الرواية:

...... فزاد فيه جميل عن زرارة فلما كثر الكلام بيني وبينه قال لي يا زرارة حقا على اللَّه تعالى أن يدخل الضلال الجنة[12]

4- روى الشيخ الطوسي رواية قريبة من هذه الرواية من أن الضلاّل يدخلون الجنة:

روى الشيخ بسنده عن ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ حَقِيقٌ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَ الضُّلَّالَ الْجَنَّةَ.

فَقَالَ زُرَارَةُ كَيْفَ ذَلِكَ جُعِلْتُ فِدَاكَ؟.

قَالَ: يَمُوتُ النَّاطِقُ وَلَا يَنْطِقُ الصَّامِتُ فَيَمُوتُ الْمَرْءُ بَيْنَهُمَا فَيُدْخِلُهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ.[13]

قال المجلسي: وسؤاله عليه السلام عن المطمار إما مبني على الإنكار أي لم تقرر لك مطمارا؛ فمن أين أخذت المطمار فلم يفهم السائل وفسره بالتر أو سأل عن غرضه من المطمار وأنه استعارة لأي شي‏ء؟

ليتضح للحاضرين مراده فيجيبه علي حسبه، فأجابه (عليه السلام)[14] بأن غرضي من المطمار الأصل والقاعدة الكلية التي بها يعرف المؤمن والكافر، كما أن البناء يعرف بالمطمار ما تقدم من اللبنات وما تأخر منها، فالمراد بالتر هنا الأصل.

والظاهر أن غرض زرارة أنه لا يدخل الجنة غير من صحت عقائده من الفرقة المحقة الإمامية، وغرضه عليه السلام أنه يمكن أن يدخل بعض المستضعفين من المخالفين ومن لم يتم عليهم الحجة لضعف عقولهم أو لبعدهم عن بلاد الإسلام والإيمان وغير ذلك الجنة.

ويحتمل أن يكون مراده بالموافق من وافق قولا وفعلا فيخرج منه أصحاب الكبائر من الشيعة أيضا كما هو رأي الخوارج.

وقول الله:‏ هو وعد المستضعفين ومن بعدهم من الأصناف المذكورة بالجنة والعفو والمغفرة، فلا يجوز إدخالهم في المخالف والتبري منهم.

الخطبة الثانية

الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله:

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) سورة الأحزاب.

وصلى الله عليه هو ملائكته وأمر المسلمين أن يصلوا عليه ويسلموا تسليما.

صلاة الله رحمة، وصلاة الملائكة تزكية واستغفار، وصلاة المؤمنين عليه دعاء بالرحمة.

وقد استفاضت الروايات من السنة والشيعة أن طريق صلاة المؤمنين عليه هو أن يسألوا الله تعالى أن يصلي عليه وآله.

1- عند  ذكرى ولادة الرسول صلى الله عليه وآله [ الْوَافِرُ ] قال الشاعر:

وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي                       وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدْ النِّسَاءُ

خُلِقْتَ مُبَرَّأً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ                      كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ[15]

ومدح سارية الديلي رسول الله صلى الله عليه وآله ببيت وهو أصدق بيت قالته العرب قوله:

فما حملت من ناقة فوق ظهرها                أبر وأوفى ذمة من محمد[16]

وفيه يقول حسان بن ثابت:

ألم تر أن الله أرسلَ عبدَه                   ببرهانه، والله أَعْلى وأمجد

أَغَرُّ عليه للنبوة خاتمٌ                       من الله مشهودٌ يَلوُحُ ويشهَدُ

وضمَّ الإلهُ اسم النبي مع اسمه        إذا قال في الخمس المؤذنُ: أشهدُ

وشقٌ له من اسمه لِيُجِلّه            فذو العَرْشِ محمودٌ وهذا محمدُ[17]

وروي أن البيت الأخير لأبي طالب، فعن سفيان قال سمعت علي بن زيد بن جدعان يقول تذاكروا أي بيت من الشعر أحسن.

فقال رجل ما سمعنا بيتا أحسن من قول أبي طالب:

وشق له من اسمه ليجله                    فذو العرش محمود وهذا محمد[18]

في هذه الأيام تمر علينا ذكرى ولادة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله والذي ينبغي أن تحيى هذه الذكرى بكل فخر واعتزاز وتذكر الأمة بنبيها وتربط به في كل أدوارها وتتأسى به، ومن هنا لا بد لنا في المقدمة أن نتحدث ولو قليلا عن هذا الرسول المنقذ وتاريخ ولادته وبعض صفاته الكريمة:

2- الاختلاف في يوم ولادته:

اختلف في يوم ولادته هل هو 17 من ربيع الأول أو 12 منه؟.

أما القول الأول: أنه ولد في يوم 17 من ربيع الأول الذي قال به الشيخ الطوسي في التهذيب ومصباح المتهجد، والشيخ المفيد في المقنعة اعتماداً على رواية وهي:

ما رواها الشيخ الطوسي في التهذيب[19] وَالْمِصْبَاحِ[20] وقال به الشيخ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُفِيدُ[21].

وفِي مَسَارِّ الشِّيعَةِ قَالَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ كَانَ مَوْلِدَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَمْ يَزَلِ الصَّالِحُونَ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ عَلَى قَدِيمِ الْأَوْقَاتِ يُعَظِّمُونَهُ وَيَعْرِفُونَ حَقَّهُ وَيَرْعَوْنَ حُرْمَتَهُ وَيَتَطَوَّعُونَ بِصِيَامِهِ[22]

ونقل سَعِيدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ الرَّاوَنْدِيُّ نفس الخبر فِي (الْخَرَائِجِ وَالْجَرَائِحِ) عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ الْعُرَيْضِيِّ[23]

فالقائلون بهذا القول:

1- الشيخ الطوسي.

2- الشيخ المفيد.

3- الراوندي.

4- السيد ابن طاووس في الإقبال[24].

وأما القول الثاني وهو 12 من ربيع الأول:

1- فهو الذي اختاره أكثرية علماء السنة وقال به من الشيعة الشيخ الكليني؛ قال: وُلِدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فِي عَامِ الْفِيلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَعَ الزَّوَالِ وَرُوِيَ أَيْضاً عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ بِأَرْبَعِينَ سَنَة[25]

2- الشيخ الصدوق (في الإكمال) ... قال: فولد رسول الله صلى الله عليه وآله عام الفيل لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول يوم الاثنين‏[26].

3- المسعودي في إثبات الوصية.

4- صاحب كتاب التعريف في اليوم المولد الشريف[27]

الرسول أعز نفس على الله:

لم يقسم المولى بحياة أحد غيره صلى الله عليه وآله؛ قال تعالى مخاطباً له: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) سورة الحجر.

لَعَمْرُكَ القمّي: أي: وحياتك يا محمّد. قال: فهذه فضيلة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على الأنبياء.

إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ: لفي غوايتهم الّتي أزالت عقولهم يتحيّرون، فكيف يسمعون النّصح!

قال الطبرسي: «لَعَمْرُكَ» أي وحياتك يا محمد ومدة بقائك حيا وقال المبرد: هو دعاء ومعناه أسأل الله عمرك قال ابن عباس:

(ما خلق الله عز وجل ولا ذرأ ولا برأ نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وآله وما سمعت الله أقسم بحياة أحد إلا بحياته)

فقال لعمرك «إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ» ومعناه إنهم لفي غفلتهم يتحيرون ويترددون فلا يبصرون طريق الرشد.[28]

قال الطباطبائي: والخطاب في «لَعَمْرُكَ» للنبي صلى الله عليه وآله فهو قسم ببقائه وقول بعضهم: إنه خطاب من الملائكة للوط عليه السلام وقسم بعمره لا دليل عليه من سياق الآيات.

والعمه: هو التردد على حيرة....

والمعنى أقسم بحياتك وبقائك يا محمد إنهم لفي سكرتهم وهي غفلتهم بانغمارهم في الفحشاء والمنكر يترددون متحيرين‏[29]

وقال صفي الدين الحلي:

كفى البدر حسناً أن يقال نظيرها                            فيزهى ولكنا بذاك نضيرها

إلى أن يقول:

إلى خير مبعوث إلى خير أمة                        إلى خير معبود دعاها بشيرها

ومن بشر الله الأنام بأنه                             مبشرها عن إذنه ونذيرها

ومن أخمدت مع وضعه نار فارس                            وزلزل منها عرشها وسريرها

ومن نطقت توراة موسى بفضله                    وجاء به إنجيلها وزبورها

محمد خير المرسلين بأسرهم                         وأولها في المجد وهو أخيرها

فيا آية الله التي مذ تبلجت                          على خلقه أخفى الظلال ظهورها

عليك سلام الله يا خير مرسَل                      إلى أمة لولاه دام غرورها

عليك سلام الله يا خير شافعٍ                       إذا النار ضم الكافرين حصيرها

عليك سلام الله يا من تشرفت                     به الإنس طراً واستتم سرورها

عليك سلام الله يا من تعبدت                      له الجن وانقادت لديه أمورها

تشرفت الأقدام لما تتابعت                          إليك خطاها واستمر مريرها

وفاخرت الأفواه نور عيوننا                        بتربك لما قبلته ثغورها[30]

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

[1] الكافي ج: 3 ص: 422 في الصحيح عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام فِي خُطْبَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ.

[2] الوافي بالوفيات (ج 4 / ص 242)

[3] الكافي ج : 2 ص : 234رقم 12 صححه المجلسي.

[4] مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏9، ص: 242.

معنى الدفعة :

في المصباح المنير للفيومي: دفعته دفعا نحيته...، ودافعته: عن حقه، ماطلته. والدَّفْعَةُ: بالفتح المرة، وبالضم اسم لما يدفع بِمَرَّة.

معنى العنت:

في القاموس: العنت محركة الفساد والإثم والهلاك ودخول المشقة على الإنسان، وأعنته غيره ولقاء الشدة، والزنا، والوهي، والانكسار، واكتساب المأثم، وعنته تعنيتا شدد عليه، وألزمه ما يصعب عليه أداؤه.

[5] الرواية رواها ابن أبي عمير عن: 1- هاشم بن سالم 2- حماد 3- جميل ابن دراج. قال المجلسي: قوله وزاد حماد: الظاهر أنه كلام ابن أبي عمير، وروى الحديث عن حماد وجميل أيضا عن زرارة، وكان في رواية حماد زيادة لم تكن في رواية هشام فتعرض لها، وكان في رواية جميل أيضا زيادة على رواية حماد فأشار إليها أيضا.

[6] الكافي ج : 2 ص : 383 رقم 3. قال المجلسي: حسن كالصحيح.

[7] تاج العروس ج 12 ص 434. مادة طمر.

[8] تاج العروس ج 10 ص 282. مادة ترر.

[9] الوافي، ج‏4، ص: 209.

[10] مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏11، ص: 108.

[11] الكافي ج : 2 ص : 383 رقم 3.

[12] الوافي ج 4 ص 209 حديث 1824.

[13] كتاب الغيبة للشيخ الطوسي ص460 حديث 475 وقد صحح هذا الحديث ممن ليس من دأبه تصحيح الأحاديث وهو الشيخ البحراني.

[14] الضمير راجع إلى زرارة وكلمة عليه السلام زائدة.

[15] مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج (ج 1/ ص 26) هذان البيتان لحسان بن ثابت.

[16] المستطرف في كل فن مستظرف (ج 1/ ص 231)

[17] تفسير البغوي (ج 8 / ص 464)

[18] تاريخ دمشق (ج 3 / ص 33)

[19] تهذيب‏ الأحكام ج : 4 ص : 305

[20] مصباح المتهجد ص 820 .

[21] وسائل‏ الشيعة ج : 10 ص : 456 رقم 13836.

[22] وسائل‏ الشيعة ج : 10 ص : 456 رقم 13834.

[23] وسائل‏ الشيعة ج : 10 ص : 455 رقم 13833.

[24] الإقبال ص 81 طبع الأعلمي.

[25] الكافي ج : 1 ص : 439

[26] كمال ‏الدين ج : 1 ص : 196

[27] كما نقله عنه السيد ابن طاووس في الإقبال ص 77 . في صوم يوم 12 من ربيع الأول.

[28] مجمع البيان في تفسير القرآن، ج‏6، ص: 526.

[29] الميزان في تفسير القرآن، ج‏12، ص: 185.

[30] الوافي بالوفيات (ج 6 / ص 176).
اضف هذا الموضوع الى: