فلسفة الحج (1)
الشيخ حسين الراضي - 15 / 12 / 2006م - 10:28 ص
اقرأ أيضاً

23 / 11 / 1427 هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِي اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ . وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ انْتَجَبَهُ لِوَلَايَتِهِ وَاخْتَصَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَأَكْرَمَهُ بِالنُّبُوَّةِ أَمِيناً عَلَى غَيْبِهِ وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ [1].

الحج :

في اللغة : القصد والزيارة . وقيل تكرر الزيارة إلى مكان معين .

وفي الشرع أصبح : زيارة مخصوصة إلى بيت الله الحرام في وقت مخصوص وأداء نسك مخصوص .

قال تعالى ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ الحج: 27-28

ما هي ماهية الحج وحقيقته وفلسفته  ؟

ما الذي تعلمته من الحج عند ما رجعت منه ؟

الجواب على السؤال الأول ليس بالأمر السهل لكل أحد وليس سهلاً أن يتعرف على حقيقته حتى ولو كان ألمعياً ولكن لكل شخص يغترف منه بمقدار إناه .

الحج ذهاب إلى الله .. الحج سفر إلى الله .. الحج رحلة العاشق إلى معشوقه .. الحج غوص في فلسفة الدين واكتشاف الإسرار والحقائق .. الحج هو الحج والحجة .. الحج هي العبادة المجهولة التي يجهلها أكثرية المسلمين ليس في ظاهرها فالملايين يمارسونها بل في عمقها .

الحج عرض لقصة الخَلْق : فالأدوار التي مر بها الخلق كذلك يمر بها الحج ومن أول بنائه كان قد قامت به الملائكة وبعدها آدم وحواء ثم خليل الرحمن عليه السلام .

فعن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: أَمَّا بَدْءُ هَذَا الْبَيْتِ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ ﴿ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [2] فَرَدَّتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَتْ ﴿ أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ فَأَعْرَضَ عَنْهَا فَرَأَتْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سَخَطِهِ فَلَاذَتْ بِعَرْشِهِ فَأَمَرَ اللَّهُ مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ بَيْتاً فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ يُسَمَّى الضُّرَاحَ بِإِزَاءِ عَرْشِهِ فَصَيَّرَهُ لِأَهْلِ السَّمَاءِ يَطُوفُ‏ بِهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ لَا يَعُودُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ ؛ فَلَمَّا أَنْ هَبَطَ آدَمُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا أَمَرَهُ بِمَرَمَّةِ هَذَا الْبَيْتِ وَهُوَ بِإِزَاءِ ذَلِكَ فَصَيَّرَهُ لآِدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَيَّرَ ذَلِكَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ ...[3]

عرض للتاريخ :

ومر هذا البيت الشريف بأدوار على مر التاريخ وتعددت الأمم التي قد حجته على اختلاف عقائدها ودياناتها .

الحج تطهير من الذنوب  :

إن الثواب الذي يحوزه الحاج لا يعد ولا يحصى وإن هذا النسك الذي يقوم به هو سبب لغفران الذنوب وستر العيوب وكشف الكروب وقضاء الحوائج وقد تضافرت في ذلك الروايات المعتبرة فمنها ما في الصحيح عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد .

وقال معاوية : فقلت له : حجة أفضل أو عتق رقبة ؟

قال : حجة أفضل ، قلت : فثنتين ؟ قال فحجة أفضل ، قال معاوية : فلم أزل أزيد يقول : حجة أفضل حتى بلغت ثلاثين رقبة فقال ؟ : حجة أفضل[4] .

عرض للوحدة :

في وقوفها في عرفات والمشعر الحرام ومنى في وقت واحد وعلى شكل واحد لا فرق بين الأبيض والسود ولا بين الرئيس والمرؤوس والسيد والعبد.

عرض لعقيدة الإسلام :

في مفاهيمها وفلسفتها.كما جاء عن الإمام الرضا عليه السلام في حديث طويل قال : ( وَقَضَاءِ حَوَائِجِ أَهْلِ الْأَطْرَافِ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُمْكِنِ لَهُمُ الِاجْتِمَاعُ فِيهِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّفَقُّهِ وَنَقْلِ أَخْبَارِ الْأَئِمَّةِ عليه السلام إِلَى كُلِّ صُقْعٍ وَنَاحِيَةٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿ فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ وَ ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ‏ [5] فهذا الاجتماع الذي يحضره مختلف الطبقات ومنها العلماء والمثقفون ويعلمون سائر الحجاج كما في الأزمنة الحالية من المطوفين والعلمين والمحاضرين والمثقفين وغيرهم بل أصبحت حالة تسابق في ذلك .

عرض للأمة وقدراتها :

فالأمة التي تتمكن أن تشكل في كل سنة مؤتمراً ومشهداً كبيراً رائعاً يضم الملايين من البشر ومن مختلف أرجاء العالم لتتمكن أن تقف في مقدمة الأمم المتحضرة المتقدمة .

المشهد :

الحج مشهد من المشاهد التي تصور الحقائق على واقعها ليس في عالم التصور والمفاهيم فحسب بل تجسدها واقعاً وخارجاً ويحس بها كل من يمارسها ويشاهدها وقد يجد لذة هذه العبادة .

المصمم لهذا المشهد:

هو الله المدبر للكون ومشرع الحج ومكلف أنبيائه ورسله أن يبادروا لتطبيق هذا المشهد وقد حجوا هذا البيت لعشرات المرات لا بل مئات المرات .ثم أمرهم أن يدعوا الناس إلى حج هذا البيت وأن يمارسوا هذا المشهد ويطبقوه كما أمروهم بالتوحيد ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ

الشخصيات المشاركة في هذا العرض :

1- آدم       2- حواء        3- إبراهيم      4-  إسماعيل     5- هاجر        6- الشيطان .

ولكل واحد من هؤلاء دوره الذي لا يزال باقياً .

الأماكن المقدسة : وساحات عرض المشهد هي : المسجد الحرام .. عرفات .. منى .. مزدلفة .....

الرموز الأساسية للمشهد : الكعبة .. الصفا .. المروة .. مقام إبراهيم .. الجمار الثلاث  .........

الملابس والمكياج : الإحرام .. الحلق والتقصير .

الذي يؤدي الدور : هو أنت أيها الحاج .

المشاهدون :

هم الذين يقومون بالدور وفي وقتنا الحالي العالم كله يشاهد ما يقوم به الممثلون في هذه الساحات المقدسة ، ولنشير إلى بعض المعاني السامية التي ينطوي عليها الحج في كلمات أثرت عن بعض العلماء وقيل عن الإمام الصادق عليه السلام وكيف ما كان فقد جاء في كتاب [مصباح الشريعة] [6] قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام :  إِذَا أَرَدْتَ الْحَجَّ فَجَرِّدْ قَلْبَكَ لِلَّهِ مِنْ قَبْلِ عَزْمِكَ مِنْ كُلِّ شَاغِلٍ وَحِجَابِ كُلِّ حَاجِبٍ ، وَفَوِّضْ أُمُورَكَ كُلَّهَا إِلَى خَالِقِكَ ، وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ مَا يَظْهَرُ مِنْ حَرَكَاتِكَ وَسَكَنَاتِكَ ، وَسَلِّمْ لِقَضَائِهِ وَحُكْمِهِ وَقَدَرِهِ ، وَوَدِّعِ الدُّنْيَا وَالرَّاحَةَ وَالْخَلْقَ ، وَاخْرُجْ مِنْ حُقُوقٍ تَلْزَمُكَ مِنْ جِهَةِ الْمَخْلُوقِينَ ، وَلَا تَعْتَمِدْ عَلَى زَادِكَ وَرَاحِلَتِكَ وَأَصْحَابِكَ وَقُوَّتِكَ وَشَبَابِكَ وَمَالِكَ مَخَافَةَ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ عَدُوّاً وَوَبَالًا قَالَ مَنِ ادَّعَى رِضَى اللَّهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى شَيْ‏ءٍ سِوَاهُ صَيَّرَهُ عَلَيْهِ عَدُوّاً وَوَبَالًا لِيَعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ وَلَا حِيلَةٌ وَلَا لِأَحَدٍ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ وَاسْتَعِدَّ اسْتِعْدَادَ مَنْ لَا يَرْجُو الرُّجُوعَ [7]

وفي هذا المقطع من الحديث عدة أبحاث عميقة تنطوي على فلسفة الحج :

إن الإنسان المهاجر نحو الله عليه :

1- أن يفرغ قلبه لله وحده لا شريك له : فإن القلب حرم الله وملكه فلا يجوز أن يتصرف في هذا الملك إلا بإذن مالكه وهو الله وعلى الحاج أن لا يشغل قلبه وفكره بأشياء تعيقه عن الوصول إلى مقصده سواء كانت المادية أو المعنوية .

2- أن يفوض أمره إلى الله  ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ غافر:44

3- التوكل على الله : في جميع أمرك أيها الحاج حيث أن هذا السفر يصطدم بعدة عقبات ومصاعب تحتاج إلى التوكل على الله واللجوء إليه ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[8] ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً الطلاق:3

4- التسليم لقضاء الله وقدره : فإن أزمة الأمور بيد الله سبحانه وإن إرادته التكوينية نافذة على الإنسان وغيره شاء أم أبى مع حفظ قانون العلل والمعلولات والأسباب والمسببات .

5- توديع الدنيا : فإنها دار فناء وزوال ولم يأتي الإنسان إليها للبقاء بل جاء إليها ليأخذ منها ما يحتاجه في سفره الدنيوي الذي يذكر به سفره للحج فكل منهما سفر وإن كان أحدهما أقصر من الآخر ، فنعيمها زائل ومحدود بمدة قصيرة ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ آل عمران:14.

وقد تحدث أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة بلا مزيد عليه حول الدنيا وأطوارها.

6- أداء حقوق الآخرين : سواء كانت مادية أو معنوية للخالق والمخلوق بل لا يتحقق وجوبه مع طلب الآخرين وحلول وقته .

7- الصدق مع الله : فيما يدعيه الإنسان فلا يجوز أن يدعي في ظاهر الحال دعوى وهو يخالفها بطناً ، فيدعي أنه يعتمد على الله ظاهراً وهو يعتمد على ماله وجاهه وقوته وشبابه وقوته فمن يدعي رضا الله ويعتمد على ما سواه فسوف تنقلب عليه هذه الأشياء وتصبح عدواً له .

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين

[1] الكافي ج : 3 ص : 422 في الصحيح عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام فِي خُطْبَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ .

[2] سورة البقرة:30.

[3] الكافي ج : 4 ص : 188

[4] التهذيب باب ثواب الحج تحت رقم 6 .

[5] وسائل‏الشيعة ج : 11 ص : 13ح 14121

[6] مصباح الشريعة اختلف فيه هل هو للإمام الصادق عليه السلام أم لأحد العلماء ، والصحيح أنه لم يثب للإمام الصادق عليه السلام .

[7] مستدرك‏الوسائل ج : 10 ص : 173- 174ح 11771عن مصباح الشريعة .

[8] الأنفال: 49
اضف هذا الموضوع الى: